أكدت تقارير تناولت الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025 إلى قفزة غير مسبوقة في العجز الكلي الذي ارتفع بنسبة 155.7%، بما يعادل زيادة قدرها 785.6 مليار جنيه خلال عام واحد فقط، إذ صعد العجز من 504 مليارات جنيه في 2023/2024 إلى نحو 1.29 تريليون جنيه في 2024/2025، وتزامن ذلك مع تضاعف نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي من 3.6% إلى 7.2%، وهو ما يعكس أن نمو المصروفات تجاوز بكثير نمو الإيرادات، كما ارتفعت نسبة العجز إلى إجمالي الإيرادات من 19.8% إلى 48.8%، بما يعني أن ما يقرب من نصف الإيرادات فقط بات موجهاً لتغطية العجز.
وقال محللون: إن "هذا الارتفاع الحاد في العجز يضع الاقتصاد في حلقة مفرغة، إذ تضطر الحكومة إلى تغطية الفجوة عبر الاقتراض الداخلي والخارجي، ما يؤدي إلى تضخم الدين العام وزيادة عبء خدمته على حساب الإنفاق الاجتماعي والاستثماري. وتؤكد الأرقام أن هذه التطورات تضعف ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، خاصة مع ارتفاع المخاطر التي تعكسها مؤشرات العجز".
ويأتي ذلك رغم زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة 35% لتصل إلى نحو 2.2 تريليون جنيه، ما يشير إلى أن نطاق المصروفات الحكومية يتوسع بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات.
ويقدّم حساب @grok قراءة مبسطة لآثار العجز، موضحاً أن وصوله إلى 7.4% في يونيو 2025 يعني أن الحكومة تنفق أكثر مما تجني، ما سيدفعها إلى مزيد من الاقتراض ورفع أسعار الفائدة وزيادة الضغط على الجنيه.
ويشير إلى أن المواطنين قد يواجهون تضخماً أعلى وزيادة في الضرائب أو تقليلاً في الدعم وتباطؤاً في النمو الاقتصادي، بينما تحاول الحكومة تقليل الدين الخارجي وسط استمرار الضغوط، ويأتي ذلك ضمن تقرير يرصد التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية في مصر بين 26 سبتمبر و3 أكتوبر 2025.
ويشدد الباحث الاقتصادي محمد رمضان على ضرورة الكشف عن العوائد المالية الناتجة عن عمليات البيع، وضمان ألا تُستخدم فقط في سد العجز المالي، بل أن يكون لها مردود حقيقي على الاقتصاد وتحسين أوضاع المواطنين.
وتكشف البيانات أن العام المالي 2024/2025 شهد ارتفاعاً كبيراً في مدفوعات فوائد الدين التي تجاوزت التقديرات الأولية بنحو 84.6 مليار جنيه، إذ ارتفعت من 1.8 تريليون جنيه إلى أكثر من 1.9 تريليون جنيه، بزيادة بلغت 40.6% مقارنة بالعام السابق. وتظل الفوائد أكبر بند منفرد في مصروفات الدولة، حيث شكلت نحو 49.1% من إجمالي المصروفات و72.6% من إجمالي الإيرادات.
ما يعني بحسب المراقبين أن أكثر من نصف الإنفاق الحكومي يذهب لسداد فوائد الديون فقط. وترجع وزارة المالية هذه الزيادة إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض، خاصة عبر أدوات الدين قصيرة الأجل، وإلى انخفاض قيمة الجنيه الذي رفع تكلفة الفوائد المقومة بالدولار واليورو.
وتشير بيانات البنك المركزي إلى أن إجمالي الأرصدة القائمة من أذون الخزانة بلغ 4.38 تريليون جنيه بنهاية 2024/2025، بينما ارتفع بند سداد أقساط القروض إلى 1.6 تريليون جنيه مقارنة بـ 1.28 تريليون في العام السابق، بنسبة زيادة بلغت 24.8%. هذا التوسع في الفوائد والأقساط يفرض عبئاً ضخماً على الموازنة ويقيد قدرة الحكومة على الإنفاق الاجتماعي والتنموي. كما شهد هيكل الاستثمارات تحولاً لافتاً، إذ انخفض الاستثمار العام من 627.5 مليار جنيه إلى 526.6 مليار، بينما ارتفع الاستثمار الخاص من 474.7 مليار إلى 590.7 مليار جنيه. ورغم أن وزارة المالية تروج لهذا الانخفاض باعتباره دليلاً على توسع دور القطاع الخاص، إلا أن الواقع يشير إلى أنه إجراء اضطراري لتقليص الإنفاق الرأسمالي في ظل تضخم العجز والديون، وهو ما يضعف قدرة الدولة على تنفيذ خطط تنموية فعالة، خاصة في القطاعات الاستراتيجية.
ويقدّم الأكاديمي ورجل الأعمال محمود وهبة تحليلاً للموازنة والحساب الختامي لمصر بين عامي 2023/2024 و2024/2025، (وكانت أقل من العام المالي الحالي في نسبة العجز)، موضحاً وجود مفارقات مقلقة بين التقديرات الحكومية والنتائج الفعلية، ويشير إلى أن موازنة 2023/2024 قدّرت الإنفاق بـ 3.9 تريليون جنيه، بينما كشف الحساب الختامي إنفاقاً فعلياً بلغ 4.37 تريليون، وأن العجز ارتفع فعلياً رغم استهداف 7.3% من الناتج المحلي، كما يوضح أن الإيرادات المقدرة عند 2.6 تريليون لم تتجاوز فعلياً 2.1 تريليون جنيه، وأن الناتج المحلي المقدر لم يعكس الواقع ولا الزيادة في الإنفاق والعجز.
ويضيف أن البنك المركزي أعلن في 11 أغسطس 2025 طرح سندات خزانة بقيمة 22.5 مليار جنيه لتمويل عجز الموازنة، موزعة على آجال بين عامين وخمس سنوات، ما يعكس استمرار اعتماد الحكومة على الاقتراض
وفي تغريدة أخرى، قدّم وهبة (@MahmoudNYC) رؤية شديدة النقد لدور البنك المركزي المصري، معتبرًا أنه أصبح خطراً على الاقتصاد رغم أنه يديره منذ عقود.
ويرى أن البنك المركزي بطباعة العملة وتحديد السيولة وأسعار الفائدة وسعر الصرف، إضافة إلى تمويل الحكومة عبر الاقتراض الداخلي والخارجي، ويتحكم في التضخم والركود والانتعاش، ويستخدم ودائع الشعب لسد عجز الموازنة، ويتصرف وكأن الاقتراض بلا حدود.
ويقترح وهبه أن مصر ستكون أفضل من دون بنك مركزي، عبر تبني نظام مجلس العملات Currency Board كبديل فني معروف، لأنه – بحسب قوله – يوقف التضخم وذبذبة سعر الصرف، ويمنع استخدام ودائع المواطنين في تمويل العجز، وينهي طباعة الجنيه.
https://x.com/MahmoudNYC/status/1944585421792424357
وتقود هذه المؤشرات بحسب تقارير منها لمنصة (الموقف المصري) ومنصة (صحيح مصر) إلى نتيجة واضحة مفادها أن الحكومة لا يمكنها الاستمرار في السياسات الحالية، لأن عجزاً بهذا الحجم سيدفعها إلى مزيد من الاعتماد على التمويل الخارجي بشروط قاسية، بينما يؤدي تضخم خدمة الدين إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، بما يرفع معدلات الفقر والبطالة ويضغط على دخول المواطنين، ويتطلب الوضع معالجة تبدأ بتقليل الاعتماد على أدوات الدين القصيرة الأجل، وخفض الاستدانة تدريجياً، وإعادة النظر في هيكل الإنفاق والإيرادات، إضافة إلى مراجعة قرار خفض الاستثمار العام الذي لا يمكن اعتباره إنجازاً في بلد يحتاج إلى استثمارات واسعة للخروج من أزمته الاقتصادية.