في خطوة مفاجئة، أخطرت غرفة شركات السياحة أعضاءها بقرار حكومي يقضي برفع رسوم تأشيرة الدخول السياحية العادية عند الوصول من 25 إلى 30 دولاراً، اعتباراً من 1 مارس 2026، على أن يُطبّق القرار في جميع المنافذ المصرية دون استثناء.
زيادة محدودة في الرقم.. كبيرة في الرسالة
الزيادة تبدو رقمياً بسيطة (5 دولارات فقط)، لكنها تأتي في توقيت حساس لقطاع يعاني أصلاً من تحديات تنافسية وإقليمية. فالقرار يتزامن مع سعي الحكومة لتعظيم إيرادات السياحة، غير أن رفع كلفة الدخول قد يُفهم من جانب الأسواق المصدّرة للسياح كرسالة عكسية، خاصة في ظل منافسة قوية من وجهات إقليمية مثل تركيا والمغرب التي تراهن على تسهيلات التأشيرات وتخفيض التكاليف لجذب مزيد من الزوار.
وتُعد هذه أول زيادة في رسوم التأشيرة منذ سنوات، بعدما كانت وزارة السياحة قد نفت في ديسمبر الماضي وجود أي توجه لرفع الرسوم، مؤكدة آنذاك أن ما جرى هو تحديد حد أقصى فقط دون تطبيق زيادة فعلية. ما يعزز انطباعاً بغياب رؤية مستقرة في إدارة ملف حيوي يعتمد أساساً على الثقة والتوقعات طويلة الأجل.
هل تعود أزمة الدولار إلى الواجهة؟
التساؤل الأبرز الذي يفرض نفسه: هل تعكس هذه الخطوة عودة الضغوط على العملة الأجنبية؟
مصر تعتمد على السياحة كمصدر رئيسي لتدفقات الدولار، إلى جانب تحويلات العاملين بالخارج وقناة السويس. ومع استمرار الضغوط على سوق الصرف وارتفاع الالتزامات الخارجية، تبدو أي زيادة في الرسوم الدولارية محاولة لتعظيم الإيرادات الفورية بالعملة الصعبة، ولو على حساب الجاذبية السعرية.
فإذا كان متوسط عدد السائحين سنوياً يقترب من 15 مليون سائح، فإن زيادة 5 دولارات قد تضيف عشرات الملايين من الدولارات إلى الخزانة. لكن السؤال: هل تعوّض هذه الزيادة أي تراجع محتمل في أعداد الزوار نتيجة ارتفاع التكلفة؟
في قطاع شديد الحساسية للأسعار، قد تؤثر أي زيادة—even لو كانت محدودة—على قرارات شركات السياحة الدولية التي تبني برامجها على حسابات دقيقة. كما أن الأسواق الأوروبية، التي تمثل شريحة واسعة من السياحة الوافدة، تواجه بدورها ضغوطاً اقتصادية قد تجعل السائح أكثر ميلاً للوجهات الأقل تكلفة.
تناقض بين الترويج والتحصيل
الحكومة تتحدث في بياناتها عن "تحسين التجربة السياحية" و"تطوير الخدمات بالمطارات" و"التوسع في التأشيرات الإلكترونية"، وهي خطوات مطلوبة بالفعل. غير أن تحسين الخدمة يفترض أن يسبق رفع التكلفة، لا أن يأتي متزامناً معه، حتى لا يُفهم القرار على أنه جباية مباشرة في ظل احتياج الدولة للعملة الصعبة.
وفي الوقت الذي يقر فيه البرلمان موازنات توسعية تتضمن أعباء ديون متزايدة، يبدو أن كل مورد دولاري بات محل حساب دقيق، حتى وإن كان عبر زيادة رسوم على السائح قبل أن يخطو أولى خطواته داخل البلاد.
بين "سند المواطن" والسائح الأجنبي
كما جرى تحميل المواطن أعباء متتالية عبر رفع أسعار الخدمات والرسوم تحت عناوين متعددة، يبدو أن الحكومة تتجه اليوم إلى تعظيم التحصيل من الزائر الأجنبي أيضاً. غير أن الفارق أن المواطن لا يملك خياراً بديلاً، بينما السائح يملك عشرات الوجهات المنافسة.
الرهان الحقيقي لا يكمن في زيادة خمسة دولارات، بل في قدرة الاقتصاد على استعادة استقرار العملة وثقة الأسواق. فالسياحة قطاع يعتمد على الانطباع، وأي قرار مالي—even لو كان محدوداً—قد يتحول إلى مؤشر يقرأه المستثمر والسائح معاً بوصفه انعكاساً لضغوط أعمق داخل الاقتصاد.
وفي ظل مؤشرات عودة التوتر في سوق الصرف، يبقى السؤال: هل تمثل هذه الزيادة إجراءً مالياً عابراً، أم علامة جديدة على اتساع فجوة الدولار التي تحاول الحكومة سدّها بكل الأدوات الممكنة؟