تشكو أسر المختفين قسريا من قلة الحديث عن مأساتهم وتناولها إعلاميا، إلا أننا لم نتوقف ونستعرض في هذا التقرير الحقوقي 10 حالات تكشف أن الإخفاء القسري في مصر لا يقتصر على فئة بعينها، بل يطال المهنيين، والأطفال، والطلاب، والآباء.
ويشترك جميعهم في غياب أي سند قانوني لاحتجازهم، وإنكار مستمر من السلطات الأمنية، فضلا عن معاناة يومية لأسرهم.
ويعتبر حقوقيون أن استمرار هذه الممارسات يضع مصر أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية جسيمة، ويؤكد أن الإخفاء القسري ليس مجرد انتهاك فردي، بل جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
وتتابع الشبكة المصرية لحقوق الإنسان وعدالة لحقوق الإنسان وجوار والشهاب و"فور جستس" وغيرِها من المؤسسات الحقوقية كيف أن الإخفاء القسري في مصر لم يعد مجرد حالات فردية، بل تحوّل إلى نمط ممنهج يطال مختلف الفئات العمرية والمهنية. ضمن أنماط متكررة:
المداهمات الليلية دون إذن قضائي.
الإنكار الرسمي رغم وجود شهود عيان أو زيارات أولية.
إدراج أسماء المختفين على قوائم الإرهاب أو صدور أحكام غيابية بحقهم.
استهداف الأطفال والمهنيين (أطباء، مهندسين، محققين قانونيين).
غياب أي رد رسمي على البلاغات والمناشدات المتكررة من الأسر.
وفيما يلي عرض موسّع لتسع شخصيات بارزة، تمثل قصصهم نموذجًا صارخًا لهذه الجريمة المستمرة:
مصعب محمود عبد الحكيم (31 عامًا) وعبد الله حنفي عبد الحكيم (33 عامًا)
في فجر 28 يناير 2019، داهمت قوات الأمن مزرعة الأسرة في وادي النطرون واعتقلت ستة أفراد دفعة واحدة دون إذن قضائي. ورغم أن ثلاثة منهم ظهروا لاحقًا، ظل مصعب وعبد الله مختفيين حتى اليوم. شهادات عديدة أكدت رؤيتهما داخل مقر الأمن الوطني بالشيخ زايد قبل أن تنقطع أخبارهِما تمامًا. سبع سنوات مضت، والأسرة استنفدت كل السبل القانونية، لكن دون أي رد رسمي. هذه القضية تكشف كيف يُستهدف أفراد الأسرة جماعيًا، ويُترك بعضهم في طيّ النسيان، ما يضاعف معاناة ذويهم.
حسني عبد الكريم محمد مقيبل (38 عامًا)
فني هندسي وأب لطفلين من شمال سيناء، اعتُقل في أغسطس 2015 أثناء انتظاره أقارب زوجته على الطريق السريع القنطرة–العريش. شوهد في قسم شرطة رمانة ثم نُقل إلى الكتيبة 101 بالعريش، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره. أسرته تؤكد أنه لا ينتمي لأي تنظيم سياسي أو ديني، ورغم ذلك ظل مختفيًا أحد عشر عامًا. هذه الحالة تبرز دور الكتيبة 101 كمركز رئيسي للاحتجاز غير القانوني في سيناء، حيث وثّقت تقارير حقوقية انتهاكات جسيمة بحق المعتقلين هناك.
المهندس الزراعي عبد الرحمن محمد محمود بطيشة
من محافظة البحيرة، اختفى منذ 31 ديسمبر 2017 بعد أن اقتادته قوة أمنية من أحد شوارع إيتاي البارود. بعد عام، أُدرج اسمه على قوائم الإرهاب في القضية رقم 760 لسنة 2017 المعروفة إعلاميًا بـ"طلائع حسم"، دون حضور أو دفاع. محكمة النقض أيدت الحكم في مارس 2019 ليصبح باتًا ونهائيًا، رغم أن عبد الرحمن لم يُعرض على أي جهة تحقيق. أسرته أرسلت عشرات التلغرافات والمناشدات، لكن الأبواب بقيت موصدة. هذه المفارقة تكشف عن تناقض صارخ: شخص مختفٍ يُدان قضائيًا دون أن يُعرف مكانه أو يُسمح له بالدفاع عن نفسه.
الطبيب عبد الرحمن أحمد محمود أبو زيد (35 عامًا)
من مركز الغنايم بأسيوط، اختفى في سبتمبر 2018 بعد انتهاء عمله في عيادات النور المحمدي بشبرا الخيمة. آخر اتصال له كان مع أسرته عند الساعة الحادية عشرة مساءً، قبل أن يُغلق هاتفه وينقطع التواصل نهائيًا. معتقلون سابقون أفادوا برؤيته في سجن العقرب شديد الحراسة ثم في وادي النطرون، لكن وزارة الداخلية نفت وجوده. أسرته، التي تقدمت بعشرات البلاغات، تجدد مناشدتها للكشف عن مصيره بعد سبع سنوات من الغياب. هذه الحالة تعكس كيف يُستهدف المهنيون والأطباء، رغم عدم وجود أي اتهامات معلنة بحقهم.
الطفل إبراهيم محمد إبراهيم شاهين (14 عامًا وقت اعتقاله)
اعتقلته قوات الداخلية مع والده في يونيو 2018 بالعريش. بعد شهرين، أعلنت الوزارة "تصفية" والده ضمن بيان رسمي عن اشتباكات مسلحة، رغم أنه كان معتقلًا وفق روايات الأسرة وشهود العيان. تسلّمت الأسرة جثمان الأب دون أن يُسمح لها بإلقاء نظرة الوداع، بينما بقي الابن مجهول المصير حتى اليوم. هذه القضية تُظهر حجم الانتهاك الذي طال حتى القُصَّر في سيناء، حيث وثّقت الشبكة المصرية حالات مشابهة لأطفال اعتُقلوا واختفوا قسريًا في الفترة نفسها.
المهندس عصام كمال عبد الجليل
اعتُقل في 24 أغسطس 2016 من مدينة السادس من أكتوبر، وظل مختفيًا حتى اليوم. رغم ذلك، أُدرج اسمه في القضية العسكرية رقم 64، وصدر بحقه حكم مؤبد غيابي في مارس 2020. شهادات معتقلين سابقين أكدت أنه ظهر داخل مقار أمن الدولة بعد اعتقاله مباشرة وتعرض لتعذيب شديد، وأُجبر على تسجيل اعترافات تحت الإكراه. هذه الحالة تفضح الفجوة بين الواقع والقانون: معتقل مختفٍ يُدان دون محاكمة حقيقية أو حضور.
بلال بكري محمد موسى (25 عامًا)
خريج كلية الألسن بجامعة عين شمس، اعتُقل في 9 فبراير 2018 أثناء زيارته منزل صديق في منطقة السلام بالقاهرة. كان حديث الزواج، وطفله الذي لم يعرفه يكمل اليوم سبع سنوات ونصف. منذ لحظة اعتقاله، لم يُعرض على أي جهة تحقيق، وظل مختفيًا حتى اليوم. شهادات شهود العيان تؤكد واقعة الاعتقال، لكن الداخلية تنكر وجوده. هذه القصة تحمل بعدًا إنسانيًا مؤلمًا: طفل يكبر دون أن يرى والده، وزوجة تواجه الحياة وحدها.
كريم محمد محمود السيد حسن (38 عامًا)
اعتُقل في 27 ديسمبر 2019 من أمام منزله بمدينة العريش على يد قوة أمنية يرأسها رئيس مباحث قسم أول العريش. شوهد في القسم حيث تمكنت أسرته من زيارته، لكن بعد أسبوع أنكر القسم وجوده. منذ ذلك الحين، ظل مختفيًا رغم شهادات معتقلين سابقين أكدوا رؤيته في سجن برج العرب بالإسكندرية. أسرته تقدمت بعشرات البلاغات، لكن الداخلية أنكرت مسؤوليتها. هذه الحالة تكشف عن نمط متكرر: إنكار رسمي رغم وجود شهود عيان وأدلة دامغة.
أشرف إبراهيم علي عبد الحميد (55 عامًا)
محقق قانوني سابق بوزارة الأوقاف، اعتُقل في 26 مايو 2019 من محل أدوات صحية بمدينة العاشر من رمضان. قوات بملابس شرطة ومدنية اقتادته إلى جهة مجهولة، ولم يُعرض على أي جهة تحقيق. عند القبض عليه، قال أفراد القوة: "هما سؤالين عن ابنك وهترجع تاني"، في إشارة إلى أن الهدف كان ابنه إبراهيم الذي تمت تصفيته لاحقًا في سيناء. رغم أن أشرف غير مطلوب على ذمة أي قضايا، ظل مختفيًا ست سنوات، وسط مخاوف جدية على حياته لأنه مريض كبد ويحتاج إلى رعاية صحية دائمة.
الطالبان أحمد وأسامة محمد السيد محمد السواح
من أبرز القضايا التي تمثل مأساة الإخفاء القسري بحق الشباب الجامعي. في 13 فبراير 2018، اعتقلت قوات الأمن أحمد السواح — الطالب بالفرقة الرابعة بكلية الطب بجامعة الأزهر — من نادي السكة الحديد بالقاهرة، ثم داهمت في الليلة نفسها سكن الطلبة بمدينة نصر واعتقلت شقيقه أسامة — الطالب بالفرقة الأولى بكلية الهندسة. منذ ذلك اليوم، لم يُعرف مكانهما. الأسرة بحثت في جميع السجون والمقار الأمنية دون جدوى، مؤكدة أن الغياب الكامل لأي تواصل أو إفصاح رسمي ضاع مستقبل شابين كان ينتظرهما مستقبل أكاديمي ومهني واعد. منظمة "عدالة" حمّلت وزارة الداخلية المسؤولية الكاملة وطالبت النائب العام بفتح تحقيق عاجل، مؤكدة أن استمرار حجب المعلومات يشكل انتهاكًا جسيمًا للدستور المصري وللاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
ويعتبر الحقوقيون أن هذه الحالات لا تمثل مجرد أرقام، بل قصصًا لعائلات تعيش يوميًا على أمل معرفة مصير أحبائها، فيها الأطفال يكبرون دون آباء، والزوجات تواجه مصاعب الحياة وحدهن، والأسر تعيش في قلق دائم. الإخفاء القسري لا ينتهك فقط حقوق الفرد، بل يدمّر النسيج الاجتماعي بأكمله.
ومن أبرز توصيات المنظمات:
الكشف الفوري عن مصير المختفين وتمكينهم من حقوقهم القانونية.
وقف الممارسات الأمنية غير القانونية التي تتعارض مع الدستور والمواثيق الدولية.
تمكين الأسر من التواصل مع ذويهم وضمان محاكمات عادلة.
تفعيل دور المجلس القومي لحقوق الإنسان في التحقيق والمتابعة.
دعوة المجتمع الدولي لممارسة ضغط حقيقي لوقف هذه الانتهاكات.