جلسة هزلية ، شهدتها البورصة المصرية أمس، كشفت الكثير من الفساد والتلاعب المخل بالاقتصاد المصري، وغياب الرقابة المالية، وهو بدوره ما يوجه رسالة سلبية لكل المستثمرين بالداخل والخارج، وفي الوقت نفسه يكششف لماذا يهرب المستثمرون الجادون من مصر.
حيث بدأت أمس التداولات على أسهم شركة طاقة عربية في البورصة، للمرة الثانية، بعد إلغاء إدارة البورصة كافة العمليات المُنفذة على أسهم الشركة، أمس الأول باستثناء صفقة واحدة من الحجم الكبير، في جلسة وصفها محللون بـ«الهزلية»، بعد أن ارتفع سعر سهم الشركة بنحو 83000%.
وانتهت المداولات أمس بارتفاع سعر سهم الشركة بنسبة 3900% ليُغلق عند مستوى سعري 20 جنيها للسهم الواحد مقارنة بـ0.50 جنيه عند بدء التداول، ما يمثل أكثر من ضعف قيمته العادلة والمُقدرة بـ8.90 جنيهات للسهم الواحد.
كانت إدارة البورصة قالت في بيان، أمس الأول: إن "إلغاء العمليات المُنفذة جاء بعد تقدم مستشار الطرح، المجموعة المالية هيرميس، بطلب لإلغاء العمليات التي بلغت قرابة 75 صفقة، بدعوى تنفيذها عن طريق «الخطأ» من قبل بعض المستثمرين الأفراد، بقيمة تناهز 395 ألف جنيه، فيما تُركت صفقة وحيدة نُفذت بآلية الحجم الكبير بقيمة تجاوزت 3.6 مليار جنيه لشراء 414 مليون سهم، بسعر نحو 8.9 جنيهات للسهم".
وكشف محلل مالي في أحد بنوك الاستثمار إن ارتفاع السهم الكبير أمس الأول جاء نتيجة عاملين؛ الأول زيادة الطلب على السهم مقابل المعروض من قِبل المساهمين الرئيسيين، والثاني سوء إدارة من البورصة وهيئة الرقابة المالية.
إذ إن التداول على السهم كان يجب أن يتوقف حين وصلت قيمته إلى 500 جنيه بدون مبرر، وهو ما لم يحدث سريعا في جلسة أمس الأول، وإنما انتهت الجلسة في موعدها بدون إيقاف صعود السهم غير المبرر، قبل أن تتدخل إدارة البورصة وتلغي العمليات المُنفذة على السهم بعد انتهاء الجلسة «الهزلية».
وكعادة أول جلسة في التداول على أسهم شركات جديدة، تركت إدارة البورصة التداول على السهم حرا دون التقيد بنسبة 20% صعودا وهبوطا التي تسري على باقي الأسهم، وهو الإجراء الذي يهدف أساسا إلى تشجيع المستثمرين لشراء السهم كما حدث، مثلا، في طرح أسهم شركة إي فينانس سابقا، لكن كان يجب على البورصة التدخل عندما يرتفع سعر السهم بشكل مفاجئ بقيمة كبيرة، خاصة في ظل ضعف عدد الأسهم المتداولة في الجلسة ذاتها.
ووفق خبراء ماليين، فإن ما شهدته جلسة أمس الأول كان بمثابة لعب وتلاعب، خاصة أن الجلسة فتحت وسعر السهم كان طبيعي، لكن، رغم تعدد طلبات الشراء، لم يستجيب لها المساهمون الرئيسيون، قبل أن يستجيبوا فجأة لأحد العروض المقدمة من مستثمر صغير للحصول على سهم واحد بقيمة 500 جنيه، وهو ما أنعكس سريعًا على شاشات البورصة التي شهدت بعدها مباشرة مضاربات مبالغ في قيمتها من قبل صغار المستثمرين الآملين في الحصول على ربح سريع.
ووفق الخبراء، فإنه كان يجب لي إدارة البورصة أن تتدخل سريعا، مثلما حدث بالفعل في جلسة أمس، إذ أوقفت البورصة المصرية عدة عمليات نُفذت على أسهم الشركة خلال اليوم.
ولعل غياب تدخل إدارة البورصة وهيئة الرقابة المالية يؤثر سلبا على سُمعة السهم، لأنه سيجري ربطه في أذهان المتعاملين بالبورصة لاحقا بوقف التعامل عليه في أولى جلساته، ما يؤدي بطبيعة الحال لإضعاف عمليات التداول عليه بعد ذلك أو التخوف من شرائه لاحقا حتى مع استقرار سعره أو صعوده وفق معطيات حقيقية.
يشار إلى أن طاقة عربية، هي إحدى شركات مجموعة القلعة، وتعمل في توزيع الطاقة وخدماتها في مصر والشرق الأوسط، من غاز طبيعي، وكهرباء، وطاقة متجددة، ومنتجات بترولية، ومياه، كما تستثمر في البنية التحتية للطاقة وبنائها، بالإضافة لعمليات تشغيلها، وصيانتها.
هروب الاستثمارات
ووفق مراقبين، تعرضت البورصة المصرية لهزات عنيفة متعددة منذ عام 2013.
وصولا إلى عملية التعويم وتبخر جزء من مدخرات المصريين واستثماراتهم، إلى جانب ارتفاع التضخم إلى مستويات عالية.
وتتعاظم خسائر لبورصة المصرية التي باتت خارج التصنيفات العربية والعالمية، لمعاناتها المتعددة مع الأزمات والفساد، وباتت تعاملاتها أقل من نظيراتها في دول الخليج.
ومنذ سنوات واصل المستثمرون الأجانب عمليات البيع في البورصة المصرية، بسبب النتائج المتواضعة، وهو ما يتماشى مع التقارير الدولية التي تتحدث عن حذر المستثمرين الأجانب بشأن شراء سندات الخزانة المصرية المحلية نتيجة القلق حيال الأسواق الناشئة.
ويصف موقع "إنتربرايز" الاقتصادي نتائج البورصة المصرية بأنها مؤشر على أنها لا تزال متأخرة إلى حد كبير عن نظيراتها الإقليمية.
ومع استمرار التلاعب والتدخلات السياسية في أعمال البورصة وغيرها من المجالات الاقتصادية تزداد أزمات مصر المالية والاقتصادية بصوررة متصاعدة، التي دخلت نفقا مظلما من الديون وفوائدها التي تبتلع أكثر من 96% من الإيرادات المصرية.