ما بين موقع “الجزيرة” وموقع “الحرة” وأخواتها مثل ما بين السماء ومستنقع آسن من الماء كريه الرائحة، ظهر ذلك جليا على مدار الأعوام الماضية، إذ يقف الأول مع الحقيقة كرسالة إعلامية، بينما يتمرس الثاني وأخواته خلف أجندات ممولة وسياسية، حتى وإن كان ذلك على حساب مصائر الشعوب.
ونشر موقع “الجزيرة” القطري تقريرا عن اكتشاف جديد للغاز في تركيا، وجاء في التقرير “وبشّر أردوغان الشعب التركي أمس بتوفير الغاز الطبيعي الذي يستهلكه المواطنون في مطابخهم ولتسخين المياه مجانا لمدة عام، وأوضح أردوغان أن حجم احتياطيات الغاز المكتشفة في البحر الأسود بلغت 710 مليارات متر مكعب”.
بينما نشر موقع الحرة ذات المعلومة بالقول : “احتفل الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الخميس، بتسليم أول شحنة من الغاز الطبيعي لمحطة بحرية من احتياطي مكتشف في البحر الأسود، ووعد بتوفير الغاز الطبيعي مجانا للمنازل قبل الانتخابات التي تُجرى في 14 مايو أيار”.
صفر مشاكل
إعلام السكر والزيت ارتكب ذات الجرائم الإعلامية مع الرئيس المصري الشهيد محمد مرسي، وظل يحارب إنجازاته الاقتصادية طوال عام، حتى إن وزير التموين في ذلك الوقت الدكتور باسم عودة، حين بشر المصريين بوضع العدس والفول مجانا على بطاقة التموين، خرج الإعلام يصرخ أن الإخوان يعتبرون المصريين “شحاتين”.
وبدا واضحا أن حشر كلمة “الانتخابات” في تقرير “الحرة” والتي نقلت عنها “العربية” و”اليوم السابع” و “فيتو” و”المصري اليوم”، يكشف جليا مقدار الحنق وتصلب الشرايين الذي أصاب إعلام السكر والزيت، حتى إنه مع سياسات أردوغان الخارجية الأخيرة، التي تعمد فيها إنهاء العداوة لتركيا والوصول إلى نتيجة “صفر مشاكل”، لم يجد ما يلمز به أردوغان سوى أنه أنصف شعبه وأعاد إليه ثرواته في أكثر من صورة، وكان آخرها خفض أسعار الغاز ومنح الشعب شهرا مجانيا.
في الوقت الذي يتاجر فيه جنرال مثل السيسي بثروات المصريين مقابل السكوت عن القمع وإهدار حقوق الإنسان، ويمنح أوروبا الغاز المصري بأسعار تقترب من المجان، وينقذها من أظافر الدب الروسي، وذلك على حساب المصريين بحرمانهم من ثروات بلادهم، حتى إن إسطوانة الغاز باتت تصل إلى بيوتهم بسعر 110 جنيهات .
وفي العام 2021، نجحت القاهرة منفردة في تصدير 2 مليار متر مكعب من الغاز المسال إلى أوروبا من محطتيها في “إدكو” التي تعمل بطاقة 10 مليارات متر مكعب، وفي “دمياط” التي تنتج 7 مليارات متر مكعب مسال.
بمصر مصنعان لإسالة الغاز الطبيعي، الأول بمدينة “إدكو” بمحافظة البحيرة، يضم وحدتين للإسالة، تساهم فيه مصر بنحو 24 بالمئة، والهيئة المصرية للبترول 12 بالمئة والمصرية القابضة للغاز “إيجاس” 12 بالمئة، وتملك شركتا “شل” الإنجليزية، و”بتروناس” الماليزية، نسبة 35.5 بالمئة، لكل منهما.
محطة الإسالة الثانية في “دمياط” تضم وحدة إسالة، وتديرها “يونيون فينوسا” الإسبانية بالشراكة مع “إيني” الإيطالية، وحصة مصر نحو 20 بالمئة مقسمة بين الهيئة المصرية للبترول وشركة “إيجاس”.
جون يهودي
وفي القاهرة تأسس “منتدى غاز شرق المتوسط” في يناير 2019، بهدف إنشاء سوق غاز إقليمي، وتأمين العرض والطلب بين الدول الأعضاء، وهي مصر، واليونان، وقبرص، وفلسطين، والأردن، وكيان العدو الصهيوني وإيطاليا وفرنسا.
إلا أنه ومع كل ذلك لم تتحقق أية آمال مصرية لتصبح مركزا إقليميا للطاقة، بل إن اليونان وقبرص وكيان العدو الصهيوني وبرغم شراكتهم القوية مع السيسي، إلا أنهم استثنوا مصر من اتفاق خط أنابيب شرق المتوسط “إيست ميد” لمد أوروبا بالغاز في 30 يناير 2020.
ولكن يبدو أن الظرف الصعب الذي تعيشه أوروبا أحيا آمال القاهرة لتصبح مركزا إقليميا للطاقة خاصة في ظل سعي أوروبي لإنهاء ما تدعوه بـ”الابتزاز الروسي” في ملف الغاز، ورغبتها بتقليل الاعتماد 40 بالمئة على غاز موسكو، وذلك في ظل احتياطيات أوروبية محدودة تبلغ 200 مليار متر مكعب.
لكن، المثير في الاتفاق الجديد، هو استبعاد فلسطين من أية شراكة فيه، برغم عضوية البلد العربي المحتل بمنتدى غاز المتوسط، وبرغم أن ما يقوم كيان العدو الصهيوني باستخراجه من حقلي غاز “تمار” و”ليفياثان” في شرق البحر المتوسط، هو بالأساس ملك للشعب الفلسطيني.
الباحث والكاتب المصري أحمد مولانا، قال: “في الأساس هذه الحقول قيل إن مصر تنازلت عنها للكيان المحتل، وإن لم يكن هذا حقيقيا فإنها في الأصل حقول غاز فلسطينية” مبينا أن “إقصاء الفلسطينيين من المشاركة باستخراج الغاز وتسييله وتصديره مكسب كبير لإسرائيل.
وفي رده على السؤال “كيف يساهم الاتفاق في شرعنة التواجد الإسرائيلي في مصر لرقابة التسييل والشحن والتصدير؟” يعتقد مولانا، أن “إسرائيل تورد لمصر وتحاسبها، والقاهرة تقوم بتسييل الغاز وتصديره، وأن تل أبيب غير مسؤولة عن بيع الغاز المسال ولا أعتقد أن يكون لها رقابة على هذا الجزء من الصفقة، فهناك عدادات تحسب ما جرى توريده منها وتصديره لأوروبا”.
ويرى مولانا، أن “الرسالة الأهم هنا هي فكرة الشراكة الإسرائيلية المصرية التي تتحقق، مع إقصاء الفلسطينيين حتى من ربط ملف التطبيع بملف السلام كما كان بعهد مبارك، وأصبح الأمر طبيعيا أن تمارس إسرائيل الانتهاكات بحق الفلسطينيين والمقدسات وتشاركها مصر بملف استراتيجي”.
وأعرب عن قلقه مما قد يحدث من تطور جديد في المنطقة لبناء نظام إقليمي جديد في ظل تراجع الوجود الأمريكي، لتصبح إسرائيل هي اللاعب الأساسي في هذا الملف تحت مظلة مواجهة التهديد الإيراني.