“استمراري لن يعود بالنفع على الوطن”.. استقالة رئيسة وزراء نيوزيلاندا تحرج فرعون مصر

- ‎فيتقارير

بلا ثورة وبلا دماء أو نزول لميدان التحرير، قدمت "جاسيندا أرديرن" حاكمة نيوزيلاندا ورئيسة الوزراء، استقالتها من منصبها إلى الشعب، مبررة ذلك بقولها "لم يعد لدي ما يكفي من الطاقة لقيادة البلاد" وتبلغ "أردرين" 42 عاما، وهي من أنجح قادة العالم، إلا أنها جاءت بالانتخاب لذلك قالت أن "استمراري لن يعود بالنفع على الوطن، ونيوزيلاندا بحاجة لطاقات جديدة" ولم تلجأ إلى الابتزاز الديكتاتوري مثل الذين قالوا " لما تقولوا لي ارحل أزعل ولا مزعلش".

ومقارنة بالرفاة الاقتصادي والنظام الديمقراطي لـ"نيوزيلاندا" ركعت مصر في عهد السفاح السيسي وتحولت إلى جمهورية الاقتصاد السري، يصدر الجنرال القرارات فجأة دون أن يعرف بها أحد، حتى البرلمان الذي صنعته المخابرات، أو مستشاري الرئاسة الرسميين أنفسهم ولا حتى الوزراء، وينفق الجنرال مليارات الدولارات دون أن يعرف أحد أين وكيف ولماذا ولمن، وتتشكل ميزانيات بعيدا عن ميزانية الدولة دون حسيب ولا رقيب من أي جهة.

 

الإعلان المفاجئ

بعد فشل إنكار واقع البؤس والفقر والانهيار الاقتصادي الذي تعيشه مصر، وبعد أن أصبح مستحيلا إخفاء العذاب الذي يراه الناس بعينهم ويعيشونه يوميا، أصبح خطاب  عصابة الانقلاب إعلاما وساسة وذباب إلكتروني نعم نحن نعاني الفقر والجوع والضنك، ولكن دولا أخرى تعاني الفقر والجوع والانهيار مثلنا، ومثلنا هذه ربما يقصدون أمريكا أو بريطانيا أو حتى  نيوزيلاندا .

وإحراجا للسفاح السيسي الذي توعد من يقترب من كرسي الحكم بالقول "هشيله من على وش الأرض" أعلنت رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن الخميس الماضي أنها ستتنحى عن منصبها بحلول السابع من فبراير المقبل؛ قائلة "ببساطة، لم تعد لدي طاقة كافية للاستمرار في السلطة أربع سنين إضافية".

وخرجت أرديرن بهذا الإعلان المفاجئ خلال أول مؤتمر صحفي لها في عام 2023، وقالت وهي تبكي "كوني رئيسة للوزراء كان أعظم شرف في حياتي، وأود أن أشكر النيوزيلنديين على الامتياز الهائل لقيادة البلاد على مدى السنوات الخمس والنصف الماضية".

وعلى عكس انقلاب السفاح السيسي في العام 2013، انتخبت أرديرن -42 عاما- رئيسة للوزراء عام 2017 عن عمر 37 عاما، وهي واحدة من أصغر رئيسات الحكومات في العالم، والثانية فقط التي تصبح أُمّا وهي لا تزال في منصبها.

وقالت أرديرن "مع تولي مثل هذا الدور المتميز تأتي المسؤولية، بما في ذلك مسؤولية معرفة متى تكون الشخص المناسب للقيادة، وأيضا عندما لا تكون كذلك".

وأضافت أن هذا الدور أخذ منها الكثير؛ فبالإضافة إلى القضايا طويلة الأجل مثل الإسكان وفقر الأطفال وتغير المناخ، كان عليها أيضا التعاطي مع هجوم إرهابي محلي وثوران بركاني وجائحة وأزمة اقتصادية تلت ذلك.

وقالت "لا يمكنك ولا يجب عليك القيام بالمهمة ما لم يكن لديك خزان ممتلئ، بالإضافة إلى احتياطي قليل لتلك التحديات غير المخطط لها وغير المتوقعة التي تأتي حتما".

وأضافت "القرارات التي كان لا بد من اتخاذها كانت ثابتة وثقيلة، وتابعت "أعرف ما تتطلبه هذه المهمة، وأعلم أنه لم يعد لدي ما يكفي في الخزان لتحقيق العدالة، الأمر بهذه البساطة".

وستدخل استقالتها حيز التنفيذ بمجرد تعيين رئيس وزراء جديد، في حين سيجري تصويت حزبي لانتخاب زعيم جديد لحزب العمال الأحد المقبل، بينما تلاعب السفاح السيسي بمواد دستور الانقلاب، وقام بتعديل مادة فترة الرئاسة من أربعة أعوام إلى ستة أعوام، التي تسمح له بتمديد فترة حكمه عامين حتى عام 2024، وبعدها الترشح لفترة أخرى مدتها ستة أعوام حتى العام 2030 حينها سيكون عمره 76 عاما .

 

مصالح الغرب

ترفع عصابة الانقلاب في مصر شعار "الجمهورية الجديدة" مع مرور 9 سنوات على انقلاب الثالث من يوليو 2013 الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب الشهيد محمد مرسي، وأول دستور ديمقراطي من نتائج ثورة 25 يناير 2011.

لكن تقديم هذه "الجمهورية الجديدة" للرأي العام المحلي والعالمي يبدو قاصرا على جهود عصابة الانقلاب لنقل كيان الدولة إلى العاصمة الجديدة في ظل تعثر متفاقم في إنجاز منشآتها والترويج لها، وانسحاب كبير للاستثمارات المحلية والعربية منها.

وتتوقف دعاية عصابة الانقلاب فقط عند حد المباهاة بمشاريع الطرق والتجمعات السكنية الجديدة ونقل سكان عدد من المناطق الأكثر فقرا إليها، من دون التطرق إلى الشروط الحقيقية التي تتيح الحديث فعليا عن تدشين "جمهورية جديدة" أو حتى الحديث عما تحقق لدعم كيان الدولة المصرية وتنظيم علاقة السلطات بالشعب دستوريا وعمليا.

والواقع أنه حتى إذا حاولت الآلة الإعلامية لعصابة الانقلاب الترويج لهذه الأمور لفشلت في ذلك، فالشروط المنطقية والسياسية لـ"الجمهورية الجديدة" تتضمن وضع عقد اجتماعي جديد وعادل للعلاقة بين الدولة والمواطنين تكفل حقوقهم وحرياتهم وتقدم مقاربة مختلفة عما اعتاد عليه المصريون من القمع.

ووضع قواعد واضحة لإنشاء نظام سياسي قائم على توزيع السلطات والصلاحيات يستطيع العمل تلقائيا على أسس دستورية وتشريعية وعرفية من دون الارتباط بأشخاص بعينهم، بالإضافة إلى استحداث محددات واضحة للعلاقات الاستراتيجية لهذه الجمهورية خارجياً بما يكفل استقلالها وقدرتها على الاستمرار.

كان من المفترض في الـ 8 من يونيو 2022 أن يغادر السفاح السيسي، كرسي السلطة التي استولى عليها لصالح رئيس جديد يتم انتخابه منتخب وفق دستور 2014، بعد قضاء فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما أربع سنوات.

لكن بدلا من ذلك، برزت عناوين الصحف المحلية تحتفي بالذكرى الثامنة لتولي السفاح السيسي سدة الحكم بعد تعديل مواد بالدستور عام 2019  المادة 140، والتي تسمح بأن يظل في منصبه حتى عام 2030، كما تمنحه التعديلات سلطة واسعة في التعيينات القضائية، وتعزز دور المؤسسة العسكرية.

ورغم أن السفاح السيسي نفى في أكثر من مناسبة نيته البقاء في الحكم أكثر من فترتين متتاليتين، أو أكثر من أربع سنوات، وأنه لا مكان لوجود ديكتاتور جديد، وأن الدستور يمنع ذلك، وأنه لا رغبة لديه في الاستمرار في الحكم، ضرب بكل ذلك عرض الحائط، ونجح في تعديل مواد دستور الانقلاب الخاصة بفترة الرئاسة، وقام بمد فترتها، ومنحه فترة ثالثة بعد عدم احتساب الأولى.

 

لن يتركه طواعية

في تعليقه على استمرار بقاء السفاح السيسي حتى هذه اللحظة، رغم تصريحاته السابقة بعدم رغبته في البقاء أو تعديل الدستور، قال رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى سابقا، رضا فهمي "لا يمكن تصور أن السيسي قد يترك الحكم طواعية طوال فترة حكمه، خاصة بعد أن ورط البلاد في أزمات لن تقوم منها أبدا، والتفريط في أصولها وأرضها ومائها وغازها".

ورأى أن "استمرار السيسي في الحكم يؤكد كذب ادعاءاته السابقة، وهو منذ اللحظة الأولى رهن وجوده بالحرب على الإرهاب لا تنمية البلاد، وبعد أول فترة من حكمه بدد كل المساعدات والهبات التي دخلت مصر من قبل دول الخليج، لذلك عمل في بداية ولايته الثانية على تعديل مواد الدستور المتعلقة بفترة ومدة حكمه بدعوى إتاحة الفرصة له لاستكمال إنجازاته".

وأشار فهمي إلى أن "السيسي قفز على جميع المسلمات، وقام بتفصيل كل مواد الدستور من أجل بقائه وتعزيز قبضة الجيش وتوسيع سلطته، ولذلك فما جرى هو محاولة لتحصين نفسه وجيشه من المساءلة والحساب على التفريط في حقوق ومقدرات المصريين من خلال برلمان تم تشكيله في أروقه المخابرات والأمن، وحظي بدعم خليجي إسرائيلي أمريكي غربي لبقائه في السلطة مقابل حماية مصالحهم في مصر والمنطقة".