تحققت النبوءات التي أطلقها خبراء منذ فترة عن انهيار الجنيه المصري نتيجة تعويم متوقع، وأصبحت التأثيرات السلبية على المواطن المصري لا يمكن إنكارها أو الحد من تأثيراتها الكارثية، كدليل فشل للسيسي ونظامه العسكري الذي يثبت كل يوم عدم كفاءته في إدارة شئون مصر.
فقد سبق وأن حذر خبراء ومراقبون ومعارضون للانقلاب العسكري من مغبة سياسات الاقتراض والاستدانة على المفتوح التي يتبعها نظام السيسي من الخارج والداخل، وإنفاق تلك الديون في مشاريع لا طائل منها ولا جدوى اقتصادية لها، حيث لا تنتج فرص عمل أو إضافة فعلية للاقتصاد المصري المنهار بالأساس، ولا تزيد الإنتاج أو تدعم التصدير، وهي من أبجديات وأساسيات الاقتصاد، إذ أن استدانة السيسي في مجملها لسد عجز الخزانة الناجم عن تراجع العوائد وتوجيه الانفاق الملياري على شراء الطائرات الرئاسية الفارهة التي تقدر الواحدة منها "ملكة السماء" بنحو 5000 مليون دولار، والقصور الرئاسية وعاصمة إدارية جديدة بتريلونات الجنيهات، لا لشيء سوى ارتداء ثوب التطوير والتنمية دون تحقيقهما بالفعل، فيما يسارع لإغلاق المصانع ويوصد أبواب العمل أمام ملايين المصريين، ومع استمرار سياسات الاستدانة وصلت الديون المصرية للحدود غير الآمنة؛ حيث باتت فوائد الديون تبتلع أكثر من 87 % من إجمالي الدخل القومي، وبلغ اجمالي الديون المصرية الداخلية والخارجية نحو 358 مليار دولار حتى مطلع العام 2022.
الديون سبب التبعية
ومع ارتباط الاقتصاد المصري بمليارات الدولارت من الديون، باتت التبعية للخارج أكثر ارتباطا، وتقلص الاستقلال الوطني، ومع بدء أمريكا تحريك الفائدة على عملتها وقعت الكارثة للاقتصاد المصري، وللعملة المحلية التي باتت على محك الانهيار التام.
ومع قرار البنك الفيدرالي الأمريكي رفع الفائدة على الدولار الأمريكي تفاقمت أزمة الجنيه المصري، كما أن انسحاب الاستثمارات من مصر واتجاه حائزي السندات وأذون الخزانة إلى أمريكا، بوصفها اقتصادها أكثر استقرارا وفائدة الممنوحة مناسبة، عن الاقتصاد المصري والأسواق الناشئة، وهو ما يضرب الاقتصاد المصري في مقتل.
وهو ما تجلى مبدئيا في قرار البنك المركزي المصري رفع الفائدة على الجنيه، وكشفت بيانات "رفينيتيف" (مزود عالمي لبيانات السوق المالية) أن الجنيه المصري يتم تداوله الإثنين عند 17.42-17.52 مقابل الدولار، وذلك بعد رفع استثنائي للفائدة من قبل المركزي المصري.
ومع الانهيار المتسارع للعملة المصرية ، وصل سعر الدولار بالسوق المصري ظهر الاثنين إلى نحو 18.30 جنيها للدولار الواحد. مع توقعات بزيادات مفتوحة المدى إثر تراجع قيمة الجنيه واستمرار أزمة السيولة المالية وعجز ميزان المدفوعات وتراجع التصدير وتوقف عائدات السياحة.
وقال البنك المركزي في بيان اليوم، إنه رفع أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 100 نقطة أساس في اجتماع استثنائي للجنة السياسة النقدية.
وحدد البنك المركزي سعر عائد الإقراض لليلة واحدة عند 10.25% وسعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 9.25%، مشيرا إلى الضغوط التضخمية العالمية التي تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا.
وقبل أيام فقط، سجل متوسط سعر الدولار في مصر، وفق بيانات البنك المركزي، نحو 15.66 جنيها للشراء، و15.77 جنيها للبيع، وفي البنوك، بلغ متوسط سعر الدولار نحو 15.66 جنياه للشراء، و15.76 جنيها للبيع.
وتمثل تلك الأزمة الجديدة كارثة مركبة ليس على صعيد المجتمع المصري، الذي يعاني أزمة ارتفاع أسعار كافة السلع والخدمات، حيث من المقرر منطقيا انطلاق جملة من الزيادات الجديدة في الأسعار ترهق المصريين بشكل أكبر وتكرس الفقر والعوز الاقتصادي والاجتماعي وسط سياسات حكومية أكثر جشعا، تحمل المستهلك والتجار المسئولية وتجنب النظام أية مسئولية.
الفائدة على الدولار
ووفق الباحث الاقتصادي مصطفى عبد السلام، فقد أطلقت البنوك المركزية العالمية في اليومين الماضيين ماراثون زيادة سعر الفائدة على عملاتها الرئيسية، فقد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي الأمريكي" سعر الفائدة على الدولار ربعا في المائة لأول مرة منذ نهاية 2018، مطلقا بذلك سلسلة من الزيادات المتوقعة التي سترفع العائد على العملة الأمريكية إلى نحو 2% وربما أكثر خلال العام الجاري مقابل صفر حاليا.
ورفع بنك إنجلترا المركزي سعر الفائدة إلى 0.75%، كما رفعت البنوك المركزية في السعودية وقطر والبحرين والإمارات والكويت أسعار الفائدة على عملاتها المحلية مقتفية أثر القرار الأمريكي.
وهناك توقعات بإقدام البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية في اليابان والصين وسويسرا وروسيا وغيرها على رفع أسعار الفائدة في إطار خطط لمواجهة قفزات تضخم الأسعار التي تواجه معظم دول العالم والحيلولة دون دخول الاقتصادات في خطر الركود التضخمي.
مضيفا، أن الزيادة على الدولار هي ربع في المائة فقط وهي نسبة بسيطة من وجهة نظر البعض، لكن أهميتها تكمن في أن الفيدرالي بدأ مشوار الزيادة التي يبدو أنها لن تتوقف قريبا خاصة مع توقعات بزيادة التضخم إلى 10% في الولايات المتحدة وهو المعدل الأعلى في تاريخ البلاد، وأن عدد مرات زيادات سعر الفائدة قد يكون في حدود 6 مرات خلال العام الجاري حسب توقعات بنوك استثمار أمريكية كبرى، بل إن بنك "جي بي مورجان" الاستثماري رفع رقم الزيادة إلى 9 مرات.
وحول تأثيرات الزيادة يرى "عبد السلام" أن للخطوة الأمريكية تأثيرات على كل دول العالم التي ستكتوي بتلك الخطوة.
فزيادة سعر الفائدة الأمريكية ستكون لها انعكاسات سلبية على اقتصادات الدول العربية والناشئة حيث ستؤدي الخطوة إلى نزوح الأموال من تلك الاقتصادات إلى الاقتصاد الأميركي حيث الاستقرار المالي والاقتصادي، والاستفادة كذلك من العائد المرتفع على الدولار والسندات الأمريكية التي تتسم أيضا بالأمان إلى جانب العائد الاستثماري المناسب.
ولمواجهة المخاطر المحدقة باقتصاداتها وأسواقها ستلجأ البنوك المركزية في الأسواق الناشئة إلى زيادة سعر الفائدة للمحافظة على عملاتها من الانزلاق نحو التراجع وربما التعويم، والحفاظ كذلك على مستويات الأموال الساخنة المستثمرة في أدوات الدين المحلية أو البورصة.
وهذه الزيادة سيترتب عليها أعباء مالية ضخمة ممثلة في قفزات في تكلفة الدين المحلي والخارجي، وربما وجود صعوبة في الحصول على قروض من الأسواق الدولية. وبالطبع فإن أي زيادات في الموازنة العامة قد تدفع الحكومات إلى مزيد من التقشف وزيادة الأسعار.
وهو ما يصب في النهاية في جيب الغلابة من نهب أموالهم عبر الزيادات السعرية والفقر والجوع…وهو ما يؤكد فشل نظام في إدارة الاقتصاد المصري، وتحميل المصريين أعباء اقتصادية إضافية.