أقرت المحكمة الأوروبية العليا بحق أقارب ضحايا عبارة “السلام 98” والناجين في حادث غرق العبارة قبل 14 عاما، في مقاضاة إيطاليا والحصول منها على تعويضات.
وأقرت المحكمة بحق أهالي الضحايا والناجين من الكارثة، في الحصول على التعويضات اللازمة من إيطاليا، باعتبار أن العبارة إيطالية الصنع، وكانت غير صالحة للإيجار.
وكانت المحكمة الأوروبية قد رفضت دفاعا قدمته شركتان إيطاليتان، وأقرت بضرورة منح الناجين وكذلك أهالي الضحايا البالغ عددهم 1000 ضحية، التعويضات المالية المناسبة.
وكان أقارب الضحايا والناجون تقدموا بدعوى قضائية ضد شركتي “رينا إس بي ايه”، و”إنته ريجيسترو إيتاليانو نافالي”، للحصول على تعويضات، إلا أن إحدى محاكم جنوة أحالت القضية إلى محكمة العدل الأوروبية.
وكانت عبارة “السلام 98” المملوكة لرجل الأعمال ممدوح إسماعيل، وكانت تقل 1200 راكب غالبيتهم من العمالة المصرية التي تعمل بالخليج، قد تعرضت للغرق، ما أسفر عن وفاة 1000 شخص.
إلى هنا، والخبر يثير فرحة لدى عموم المصريين الذين عانوا من إهمال السلطات المصرية، وتلكؤ نظام مبارك في جهود الإنقاذ وعدم تحريك الأسطول المصري للإنقاذ أو الطائرات الحربية المتخصصة، انتظارا لأوامر مبارك الذي رفض مسئولو الرئاسة آنذاك إزعاجه ليعطي الأوامر، وهو ما تسبب في تفاقم الكارثة.
المقايضة على ريجيني
ولكن تبقى المخاوف متصاعدة في ظل حكم العسكر والسيسي القاتل وابنه محمود. حيث من المتوقع أن يتدخل السيسي وأجهزته الأمنية بطريقة أو بأخرى لإثناء أهالي الضحايا من استكمال خطواتهم المطولة نحو مقاضاة إيطاليا والحصول على التعويضات المناسبة.
أو تجري عملية مساومة أو ابتزاز أو تسوية حسابات، تفضي إلى ضياع حقوق المصريين المضارين، من أجل الوصول إلى مقايضة نهائية على دم الباحث الإيطالي الذي قتلته الأجهزة الأمنية في مصر، والمتهم بقتله عدد من القيادات الأمنية والمخابراتية بينهم نجل السيسي محمود السيسي.
ومؤخرا قام قائد الانقلاب العسكري، عبد الفتاح السيسي، بإرسال طائرتين عسكريتين محملتين بمستلزمات ومعدات طبية للوقاية من فيروس كورونا إلى إيطاليا، في الوقت الذي تعاني فيه المستشفيات المصرية من نقص في تلك المستلزمات.
وتسيطر على السيسي عقدة جوليو ريجيني، ويحاول في كل مناسبة استرضاء إيطاليا لعلها تتغاضى عن تعذيبه وقتل مواطنها”.
وسبق أن قدم السيسي الكثير من المنح لإيطاليا، سواء عبر استثمارات موسعة لشركاتها في الغاز والبترول في البحر المتوسط وعموم مصر عبر شركة إيني، أو عبر القيام بدور شرطي البحر المتوسط لوقف الهجرات التي تمر عبر إيطاليا أو تستقر فيها.
حيث يصعّد رئيس مجلس النواب الإيطالي، روبرتو فيكو، وعدد من نواب حزبه “النجوم الخمس”، ضغطهم على حكومة رئيس الوزراء جيوزيبي كونتي، لممارسة المزيد من الضغوط على مصر، بغية كشف الحقيقة في قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، الذي اختفى في القاهرة في 25 يناير 2016، وعثر على جثته وعليها آثار التعذيب على طريق مصر الإسكندرية، مطلع فبراير من العام نفسه. ويستند فيكو إلى التحقيقات الإيطالية التي كشفت أن ريجيني سقط في شراك جهاز أمني مصري، أو أكثر، وذلك على ضوء القليل من المعلومات التي قدمها الجانب المصري.
وبدأت إيطاليا في تصعيد الضغط مرة أخرى على مصر، منذ سبتمبر الماضي، مع خروج الحليف الأبرز لعبد الفتاح السيسي في روما، زعيم حزب “رابطة الشمال” ماتيو سالفيني، من التحالف الحكومي، وزيادة عدد المقاعد الوزارية الخاصة بحركة “النجوم الخمس” وتولي زعيمها “لويجي دي مايو” وزارة الخارجية خلفا للوزير المستقل القريب من سالفيني، إنزو ميلانيزي.
استغلال السيسي
لكن مع محاولة الإيطاليين استغلال الصورة الجديدة التي يحاول النائب العام الجديد حمادة الصاوي رسمها، في ظل تجدد التعهدات السياسية من السيسي بكشف الحقيقة وتسليم المتهمين إلى العدالة، يسعى رئيس مجلس النواب الإيطالي ونواب حزبه لممارسة أشكال جديدة من الضغوط تختلف عن الإجراءات السابقة، كتعليق التعاون مع البرلمان المصري. حتى إن فيكو قال أخيرا: “إن عام 2020 يجب أن يكون عام الحقيقة لريجيني، وأن يكف المصريون عن خداعنا”.
وأفادت مصادر دبلوماسية بأن السفارة المصرية في روما رصدت محاولة ممنهجة من نواب ووسائل إعلام وبعض النشطاء اليساريين لنشر دعوات لمقاطعة مصر سياحيا، لحين الإفصاح عن الحقيقة، أو على الأقل تعاطي القاهرة بشكل إيجابي مع الأسئلة الإيطالية الرئيسية في التحقيقات.
في غضون ذلك، تقوم حملة “الحقيقة من أجل ريجيني”- التي يقودها والداه بدعم من منظمات دولية وأوروبية ومحلية- هذه الفترة بأنشطة واسعة ومنتعشة دعائيا، وتجذب لصفها آلاف المواطنين المتعاطفين مع القضية، الذين تستفزهم السياسة المصرية القائمة على التعتيم والمراوغة.
وقامت إيطاليا بإرسال خطاب جديد لوزارة الخارجية المصرية، مؤخرا، للاستفسار عن مصير الأسئلة التي قدمها ادعاء روما للنيابة المصرية خلال اجتماع استئناف التعاون القضائي بين البلدين الذي انعقد بالقاهرة.
لا إجابات واضحة
كانت المسألة الأولى التي طلب مدعي روما من النيابة المصرية موافاته بـ”إجابة واضحة بشأنها”، هي عما إذا كان الرائد بالأمن الوطني مجدي شريف، الذي سبق ونشر ادعاء روما اسماً رباعيا تقريبياً له هو “مجدي إبراهيم عبد العال شريف”، موجودا في العاصمة الكينية نيروبي في أغسطس 2017 أم لا، وذلك بهدف التأكد من صحة ومصداقية المصدر الشرطي الإفريقي (المجهول)، الذي أعلنت روما سابقا أنه سمع حديثا عفويا من ذلك الضابط المصري أثناء تدريب للضباط الأفارقة، اعترف فيه بتورطه في قتل ريجيني، أو “الشاب الإيطالي” كما وصفه، إلى حد القول بأنه “لكمه عدة مرات” بسبب “الاشتباه في كونه جاسوسا بريطانيا”.
ولا يبدو اسم الضابط المصري دقيقا تماما، لكنه أحد الأشخاص الخمسة الذين وجّه الادعاء الإيطالي اشتباها صريحا بهم في ديسمبر 2018 (قبل أسابيع أيضا من الذكرى الثانية لمقتل ريجيني)، وأبرزهم اللواء خالد شلبي الذي يشغل حاليا منصب مساعد وزير الداخلية لشمال الصعيد، وكان يشغل وقتها منصب مدير المباحث في مديرية أمن الجيزة.
أما المسألة الثانية فتركز على ضرورة التحقيق من جديد مع زميلة ريجيني المقرّبة، الباحثة نورا وهبي، وشريكه في السكن محمد السيد الصياد، ونقيب الباعة الجوالين محمد عبد الله، حول مدى علاقتهم بالأمن الوطني، وموافاة روما بمجريات ونتائج هذا التحقيق، وذلك بناء على معلومات قالت روما إنها حصلت عليها تفيد بأن وهبي والصياد كانا دائمي التواصل مع الضابط مجدي شريف.
والمسألة الثالثة، هي ضرورة إعادة التحقيق في طبيعة المراقبة التي تعرض لها ريجيني من قبل الأمن الوطني في الأشهر السابقة لمقتله، التي سبق أن اعترفت مصر بها بالفعل، سواء بأقوال الضباط الذين تم التحقيق معهم أو ببيانات النيابة العامة.
جهات أخرى
أما المسألة الرابعة، فتتمثل في التحقيق بشأن ما إذا كان الأمن الوطني يقف وحده خلف ما حدث، ارتباطاً بوجود مؤشرات على ضلوع جهة أخرى، لم تسمّها، في الاشتباه بتجسس ريجيني والقبض عليه بهذه الطريقة غير الاحترافية.
وكانت مصادر إيطالية، قد نقلت عن مدعي روما قبل عامين أن هناك دلائل على تورط المخابرات المصرية في الحادث، ليس فقط بسبب اختصاصها بالتحقيق في شبهات التجسس والتخابر التي ينسبها المصريون لريجيني، بل أيضاً بسبب عدم إقدام النظام على التضحية بالمسؤولين من الشرطة، وهو ما أعطى روما انطباعا بأن النظام المصري يسعى لحماية مستويات وجهات أخطر من الشرطة. وعلى الرغم من ذلك، لم تشمل قائمة المشتبه فيهم التي أعدتها روما أي عنصر استخباراتي، بل اقتصرت على ضباط شرطة متعددي المهام.
بجانب مطالبات أخرى من التيار اليساري في البرلمان الإيطالي، يطالب بربط مشاريع التعاون الأمني بين البلدين بتحقيق انفراجة في التعاون القضائي حول قضية ريجيني، وأن القاهرة استضافت بالفعل مشروعا لتأهيل الشرطة وقوات الأمن الأفريقية لمواجهة الهجرة غير الشرعية، بتمويل مادي وفني وتدريبي مباشر من الحكومة الإيطالية، استمر من ربيع عام 2018 وحتى خريف العام الماضي، وأنه كان أحد صور التعاون الأمني “غير المعلن” بين البلدين، بدأ في عهد وزير الداخلية الإيطالي الأسبق ماركو مينيتي، الذي كان، رغم خلفيته الاشتراكية، أحد أكثر السياسيين الإيطاليين حرصًا على الاستثمار في العلاقة مع السيسي لوقف الهجرة غير الشرعية.
وتم تعليق التنسيق بين البلدين تماما منذ ديسمبر 2018، عندما زار وفد إيطالي دبلوماسي قضائي مشترك القاهرة للتعرف على مصير الطلبات الإيطالية بتسليم التحقيقات الخاصة بقضية مقتل أفراد عصابة السرقة، قبل أن يعلن الطرفان المصري والإيطالي عن استحالة حدوث تلك الرواية وسقوطها من اعتبارات المحققين.
وفي تلك الفترة أشارت نيابة الانقلاب إلى أنها رفضت طلبا من نيابة روما بإدراج بعض رجال الشرطة على قائمة ما يسمّى في قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي “سجلّ المشتبه فيهم”، وذلك لما أبداه الجانب الإيطالي من شكوك بشأن سابقة قيامهم بجمع معلومات عن ريجيني، وذكرت أن التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة بمصر وإيطاليا تخلو من قرائن قوية وليست مجرد شكوك على ما تتطلّبه القوانين الإيطالية ذاتها للإدراج في هذا السجل.
وطرح نظام الانقلاب آنذاك تساؤلات على الإيطاليين بشأن “دخول ريجيني إلى مصر بموجب تأشيرة دخول سياحية من دون التأشيرة اللازمة لقيامه بإجراء أبحاث خاصة برسالة الدكتوراه على النقابات العمالية المصرية المستقلة”، وهو ما اعتبره الإيطاليون تهربًا واضحًا من النيابة المصرية وإقفالا لباب التعاون والتفافا على مواجهة الجريمة الحقيقية.
إلا أن النائب العام أعلن في بيان صحفي، عن “تشكيل فريق تحقيق جديد يعكف على دراسة وترتيب أوراق القضية، ويعمل على اتخاذ كافة إجراءات التحقيق اللازمة لاستجلاء الحقيقة في حيادية واستقلالية تامة”، مؤكدا “حرص مصر على استمرار وتطوير التعاون القضائي بين النيابة العامة المصرية والنيابة العامة بروما، بغية الوصول إلى الحقيقة بموضوعية وشفافية تامة بعيدا عما يتم تداوله إعلاميا من معلوماتٍ مغلوطة عن القضية”.
استدعاء السفير
وكان آخر ضغط سياسي على مصر بالطرق الدبلوماسية، قد حدث بعد تشكيل حكومة كونتي الأولى باستدعاء السفير المصري لدى روما هشام بدر في نوفمبر 2018، لحثّه على نقل الغضب الإيطالي من التباطؤ المصري، بعدما أصرت النيابة العامة المصرية على عدم منح نظيرتها الإيطالية تفاصيل التحقيقات التي من المفترض أنها أجرتها في قضية مقتل أفراد عصابة السرقة، التي ادّعت الشرطة أنها هي التي اختطفت ريجيني بدافع السرقة.
وكانت مجموعة من النواب المنتمين لليسار وحركة “النجوم الخمس” وغيرها من الأحزاب، قد سبق وطالبت بتخفيض المبيعات العسكرية وصادرات الأسلحة لمصر عند اتخاذ البرلمان الإيطالي قراراً بتجميد العلاقات مع البرلمان المصري في خريف 2018، وهو المشروع الذي لوحت به حكومة كونتي مرارا لكنه لم يدخل حيز التنفيذ على الإطلاق.
