في انعكاس لغضب الدوائر السيادية وقيادات الجيش المصري من سياسات عبد الفتاح السيسي، ودوائره الإعلامية التي تصعّد بصورة جنونية لدق طبول الحرب في ليبيا ضد تركيا.
وعلى الرغم من أن الكثير من التحليلات الاستراتيجية التي ذهبت إليها الكثير من الدوائر السياسية بأنَّ التصعيد السيساوي نحو إعلان حرب هو مجرد وسيلة للشحن الشعبي بعيدًا عن مشكلات الداخل المصري قبل الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير، إلا أن الدوائر العسكرية تعيش حالة من الغضب من محاولات السيسي الاتجار بالجيش المصري والزج به في فخ يُراد به تدمير القوة العسكرية المصرية في ملفات ثانوية بالنسبة له.
إعادة “حجازي”
ووفق مصادر عسكرية، فقد أعاد السيسي رئيس أركان الجيش السابق الفريق محمود حجازي إلى الإشراف على الملف الليبي، إذ كان يترأس اللجنة المصرية المعنية بذلك الملف قبل أن تتم الإطاحة به في أعقاب مذبحة الواحات، نهاية عام 2017.
وتتصاعد في الفترة الأخيرة تجاذبات كبيرة داخل أروقة المؤسسات المصرية المعنية بالأمر في ليبيا، إذ يوجد تيار قوي داخل المؤسسة العسكرية يرفض أي تدخل عسكري مباشر في ليبيا، وعدم الزج بالقوات المسلحة في معركة ربما تكون فخًّا لها.
فيما الحملة التي قادتها لجان إعلامية وإلكترونية بالترويج لمواجهة عسكرية مصرية تركية على الأراضي الليبية، أغضبت أطرافًا فاعلة داخل النظام المصري معنية بالملف الليبي، معتبرة أن الحديث عن المعارك الحربية باعتبارها نزهة سياسية، أو معركة سياسية داخلية على غرار الانتخابات البرلمانية، أمر غير مقبول من قبل بعض مساعدي السيسي الذين يديرون الملفات الإعلامية.
خفض نبرة التصعيد الوهمي
وكشفت مصادر سياسية عن أن المؤسسات الرافضة لخطاب الحرب بدأت في خفض حدة الاحتقان عبر طرح رؤية أقل تصادمية، من خلال بعض الشخصيات المحسوبة على دوائر سيادية، مثل النائب سمير غطاس، خصوصا في أعقاب الاتفاق الثلاثي بين كل من إسرائيل وقبرص واليونان في شرق المتوسط بشأن الغاز دون حضور مصر.
وأوضحت المصادر أن إعادة حجازي للإشراف على الملف، بما له من خبرة كبيرة، تسببت بارتياح كبير داخل المؤسسة العسكرية، إذ إنه كان منذ البداية ضد فكرة المشاركة العسكرية في الأزمة، والاحتفاظ بعلاقات مع كافة الأطراف، وبناء علاقات قوية مع كافة القبائل في الأراضي الليبية، لتكون مصر مظلة جامعة، بشكل يساعد في الحفاظ على المصالح المصرية في ليبيا التي كان يوجد فيها نحو مليون ونصف مليون عامل.
الخطوة أيضا تتضمَّن رسالة قبل اجتماع اليوم الأربعاء، بالقاهرة بين وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان وإيطاليا، لبحث تطورات الموقف في المنطقة بعد توقيع اتفاقات الغاز الأخيرة بالمنطقة، سواء بين تركيا وليبيا، أو بين إسرائيل واليونان وقبرص، وهو الاتفاق الذي استبعد مصر من الاتفاق رغم تقديم مصر في وقت سابق تنازلات كبيرة لصالح قبرص في اتفاق ترسيم الحدود البحرية، ورغم ذلك تجاوز القبارصة واليونانيون وإسرائيل مصر في اتفاق “ميد إيست” لتدشين خط أنابيب من إسرائيل إلى أوروبا بعيدًا عن مصر، ينطلق من إسرائيل إلى قبرص ثم اليونان وإيطاليا.
يُشار إلى أنه في أعقاب مظاهرات 20 سبتمبر الماضي، التي دعا إليها الفنان والمقاول محمد علي، بدأ السيسي بإعادة هيكلة مؤسسات صناعة القرار. وكانت ضمن تلك الخطوات إعادة حجازي للمشهد، عبر توليه الإشراف على ملف الهيكلة المالية للمؤسسات الإعلامية المملوكة للأجهزة السيادية بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها.
وأمام اتباع تركيا خطواتها بالتوافق مع القانون الدولي وفي النور، يبدو أن السيسي ونظامه سيُعيدون صياغة جملته المفضوحة ضد تركيا وحكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا، حيث كشفت مصادر سياسية مصرية عن تفاصيل صيغة الحل السياسي الشامل التي أشارت إليها وزارة الخارجية المصرية في بيان لها خلال الأيام الماضية، وهي نفسها الصيغة التي أشار إليها السيسي أيضا في وقت سابق.
الصيغة تتضمن وقفًا فوريًّا لإطلاق النار، وتعيين حكومة انتقالية جديدة تشرف على وضع دستور دائم للبلاد، وتهيئة ليبيا للاستحقاقات الانتخابية. وهو ما سيتم طرحه في مؤتمر برلين اليوم بألمانيا لنزع الشرعية الدولية عن حكومة السراج، وهو رد عشوائي في التوقيت الخطأ، والذي يهدد بفوضى شاملة في ليبيا، في وقت تتدخل فيه الطائرات العسكرية الإماراتية المصرية لحصد أرواح الليبيين بلا ردع دولي، وبتورط فرنسي، وتلاعب إيطالي أمريكي.