80 فدانًا كاملة.. غضب أهالي محور المرج مع تكرار استهافهم .. تضييق الخيارات أمام المواطنين والبيوت رهينة

- ‎فيتقارير

وفقًا لبيانات القرار رقم 2449 لسنة 2026، المنشور في الجريدة الرسمية يوم 10 سبتمبر، يستهدف مشروع محور المرج نزع ملكية أراضٍ وعقارات تبلغ مساحتها نحو 80 فدانًا في نطاق محافظتي القاهرة والقليوبية، مع تقديرات مبدئية للتعويضات تبلغ 6.62 مليار جنيه، بحسب ما نشره موقع «ديوان العمران» في 10 أكتوبر 2026.

وفي أبو زعبل، يتضمن الحصر 344 عقارًا و1695 وحدة سكنية و116 قطعة أرض وسبع قطع أراضٍ زراعية و57 محلًا تجاريًا. أما في القلج، فيشمل 398 عقارًا و2642 وحدة سكنية و185 قطعة أرض وقطعة أرض زراعية واحدة و158 محلًا تجاريًا. وترد تقديرات بتأثر نحو 35.5 ألف شخص، وهي تقديرات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تعدادًا نهائيًا لكل المتضررين مباشرة.

فالعقار بالنسبة إلى مالكه قد يمثل حصيلة سنوات طويلة من العمل والادخار، والشقة بالنسبة إلى الأسرة ليست مجرد مساحة قابلة للاستبدال، بل ترتبط بمحيط اجتماعي ومدارس وأعمال وعلاقات تكونت عبر سنوات. أما المحل التجاري، فقد لا تقتصر خسارته على قيمة الجدران والمعدات، وإنما تمتد إلى زبائنه وموقعه ومصدر الدخل الذي تعتمد عليه أسرة كاملة.

وتوفر دراسة مرصد العمران، المنشورة في يناير 2026، خلفية كمية مهمة: فقد رصدت 109 مشروعات ارتبطت بقرارات منفعة عامة أو نزع ملكية منشورة خلال عام 2024، مع الإشارة إلى أن كثيرًا منها بدأ قبل ذلك بسنوات أو استمر بعده. وقدرت الدراسة الوحدات السكنية المنزوعة الملكية في مجموعة من المشروعات الحضرية التي دققتها بأكثر من 17 ألف وحدة، منها نحو 8916 وحدة مرتبطة بالطريق الدائري، و1443 وحدة بمحور الفريق كمال عامر، و566 وحدة بمحور جيهان السادات.

من أين يأتي الغضب؟ 

أحد أهم مصادر الغضب في مثل هذه الحالات هو شعور المواطنين بأن مساحة الاختيار المتاحة أمامهم محدودة للغاية. فالأسرة التي تجد نفسها أمام احتمال نزع ملكيتها قد تتساءل عما إذا كانت هناك فرصة كافية لمناقشة البدائل الهندسية، والاطلاع على أسباب اختيار مسار بعينه، ومعرفة ما إذا كانت هناك حلول أخرى تحقق الغرض المروري نفسه مع تقليل الإزالات.

وقد نقلت تغطيات صحفية في سبتمبر 2026 مطالب من أهالي المناطق المتأثرة بدراسة بدائل هندسية تقلل الأضرار الواقعة على المنازل، ومن بينها مقترحات تستهدف الاستفادة من الطرق القائمة وتطوير شبكة الحركة في المنطقة. ولا يعني طرح هذه البدائل أنها قابلة للتنفيذ بالضرورة، لكنه يضع أمام الجهات المعنية سؤالًا يستحق إجابة فنية واضحة: هل دُرست هذه المقترحات، وما أسباب قبولها أو استبعادها؟

ولا يتعلق الاعتراض بالضرورة برفض التطوير أو إنكار حاجة المناطق إلى طرق أفضل، بل بالطريقة التي يجري بها هذا التطوير، ومن يتحمل تكلفته الاجتماعية، ومدى استعداد الجهات المعنية لإعادة النظر عندما تظهر اعتراضات موثقة أو بدائل تستحق التقييم.

وتتعمق الأزمة عندما يشعر المواطن بأن الخيارات المطروحة عليه تنحصر في قبول الإزالة وانتظار التعويض، أو الدخول في إجراءات الاعتراض والمنازعة، بينما يظل القرار المتعلق بمسار المشروع بعيدًا عن نطاق تأثيره المباشر، وتتحول القضية من خلاف حول طريق إلى خلاف حول القدرة على تعطيل المشروع، وإنما يريد أن يعرف أن اعتراضه سيُفحص، وأن البديل الذي يطرحه لن يُستبعد دون دراسة، وأن مصير منزله لن يُحسم بمعزل عن المعلومات التي يستطيع تقديمها.

مشروعات نزع الملكية 

يُعد محور الفريق كمال عامر بالجيزة، المعروف سابقًا باسم محور ترعة الزمر، أحد النماذج التي شهدت قرارات متتابعة مرتبطة بنزع الملكية. فقد صدر قرار المنفعة العامة رقم 2128 لسنة 2019، ثم صدرت قرارات لاحقة، من بينها القرار رقم 2665 لسنة 2021 والقرار رقم 3987 لسنة 2024، وصولًا إلى القرار رقم 1977 لسنة 2026 لاستكمال نزع ملكية بعض الأراضي. وتوضح هذه القرارات أن إجراءات نزع الملكية المرتبطة بمشروعات الطرق قد تمتد عبر مراحل زمنية متعددة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن القرارات جميعها تتعلق بالعقارات نفسها.

كذلك ارتبط تطوير وتوسعة الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى بإجراءات نزع ملكية طالت عقارات ووحدات سكنية في نطاق القاهرة الكبرى. وفي أبريل 2021، صدرت توجيهات بتسريع تنفيذ أعمال التطوير، ثم صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1719 لسنة 2026 بشأن نزع ملكية أراضٍ وعقارات لاستكمال المشروع.

وقد أحصى مرصد العمران نحو 8916 وحدة سكنية مرتبطة بمشروع تطوير وتوسعة الدائري ضمن مجموعة المشروعات التي تناولتها دراسته. ويطرح هذا المثال تساؤلات بشأن كيفية الموازنة بين احتياجات تطوير شبكة الطرق وتقليل الآثار السكنية والاجتماعية على المناطق المحيطة بها.

شهد محور جيهان السادات، المعروف سابقًا باسم محور الفردوس، إجراءات قانونية مرتبطة بنزع الملكية، من بينها قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3112 لسنة 2023، ثم قرار وزارة الإسكان رقم 1092 لسنة 2026 بشأن عقارات تعذر استكمال نقل ملكيتها. ويبرز هذا المثال أن الإجراءات المتعلقة بالملكية والتعويضات قد تستمر لسنوات بعد بدء المشروع، وهو ما يجعل وضوح الإجراءات وسرعة حسم أوضاع أصحاب الحقوق عنصرين مهمين في الحد من استمرار حالة عدم اليقين لدى السكان.

ويمثل تطوير طريق القاهرة–السويس وتطوير طريق الخدمة مثالًا آخر على امتداد الإجراءات القانونية المرتبطة بمشروعات الطرق عبر فترات زمنية مختلفة. فقد صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3055 لسنة 2019، ثم جرى تجديد القرار في مارس 2023. ويعكس ذلك أن استكمال مشروعات الطرق قد يستلزم إجراءات متتابعة تتعلق بالمنفعة العامة ونزع الملكية، بما يثير أهمية إتاحة المعلومات للمواطنين بشأن نطاق الأراضي المتأثرة، ومراحل التنفيذ، وحقوق أصحاب الممتلكات المشمولة بالقرارات,

الحق في السكن وقيمة التعويض

يقدم الإطار الحقوقي الدولي زاوية مهمة لفهم هذه المخاوف. ففي تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في السكن الملائم، الصادر عام 2007 تحت الرمز A/HRC/4/18، وردت مبادئ توجيهية بشأن الإخلاء والتهجير المرتبطين بمشروعات التنمية. وتتناول هذه المبادئ ضرورة بحث البدائل الممكنة، والتشاور مع السكان المتأثرين، وإتاحة المعلومات لهم، وتوفير سبل فعالة للانتصاف والتعويض.

ويشير التقرير إلى أن المشروعات المرتبطة بالبنية التحتية والتطوير العمراني قد تتسبب في تهجير السكان إذا لم تُراعَ الضمانات الحقوقية المناسبة. ولا يعني ذلك أن كل عملية نزع ملكية تُعد انتهاكًا، بل إن مشروعية الغرض العام لا تُغني عن فحص طريقة التنفيذ وآثارها على الأشخاص المتأثرين.

وفي الحالة المصرية، تنص المادة 35 من الدستور على أن الملكية الخاصة مصونة، وأن نزعها لا يجوز إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا وفقًا للقانون. ويؤسس ذلك لنقاش يتجاوز الإعلان عن إجمالي التعويضات إلى بحث عدالة التقييم لكل حالة، ومدى وضوح الإجراءات، وإمكانية الاعتراض على التقديرات.

فالسؤال الذي يشغل المالك ليس فقط: كم سأحصل؟ بل أيضًا: هل أستطيع بالمبلغ المقدر شراء مسكن مماثل؟ وهل يستطيع صاحب المحل التجاري الحفاظ على مصدر رزقه؟ وماذا عن المستأجرين والأسر التي لا تملك وحدات بديلة، أو التي ترتبط أعمال أفرادها بمكان إقامتها الحالي؟

 

المواطن وكأنه قاصر في تقرير مصيره

ويبدو شعور بعض المواطنين بأنهم فقدوا القدرة على الاختيار، وأن هناك من يقرر نيابة عنهم ما سيحدث لمنازلهم وحياتهم، بينما يقتصر دورهم على انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات.

والمقصود هنا ليس وصفًا قانونيًا لما يجري، بل التعبير عن أزمة أعمق في العلاقة بين المواطن والقرار العام. فعندما يشعر السكان بأن الخيارات حُسمت قبل الاستماع إليهم، يصبح الاعتراض على المسار مرتبطًا أيضًا بالاعتراض على الطريقة التي اتُّخذ بها القرار.

ولا تعني حرية المواطن أن يصبح كل مشروع عام مرهونًا بموافقة كل فرد يتأثر به، لكنها تعني ألا يُعامل بوصفه مجرد عقبة أمام التنفيذ. فمن حقه أن يعرف أسباب اختيار المسار، وأن يطلع على البدائل التي جرى بحثها، وأن يقدم اعتراضات موثقة، وأن يحصل على رد واضح بشأنها، وأن يستخدم وسائل التظلم والطعن التي يتيحها القانون.

ويعد وجود تعويض مالي لا يُنهي هذه الأسئلة تلقائيًا؛ فالتعويض العادل يحتاج إلى معايير معلنة، وتقييم يُراعي طبيعة الملكية وموقعها، وآليات تظلم واضحة، وجدول زمني معلوم للصرف، مع دراسة الأوضاع التي قد لا يعالجها التعويض العقاري وحده.

وهذا هو الفارق بين المشاركة الحقيقية والاستماع الشكلي: في الحالة الأولى يمكن أن تؤثر المعلومات والاعتراضات في القرار، أما في الثانية فيظل المواطن أمام واقع لا يملك سوى محاولة التكيف معه.

 

الضرر أكثر قابلية للدفاع عنه

لا تتوقف مسئولية الجهات المعنية عند إثبات أن المشروع يخدم غرضًا عامًا، بل تمتد إلى البحث عن الوسيلة التي تحقق هذا الغرض بأقل ضرر ممكن. ويقتضي ذلك نشر الخرائط التفصيلية للمسار، وبيان العقارات المتأثرة كليًا وجزئيًا، وإعلان نتائج المقارنة بين البدائل الهندسية، وتوضيح أسس التعويض والتظلم، مع الاهتمام بأوضاع المستأجرين وأصحاب الأنشطة التجارية والأسر الأكثر هشاشة.

كما ينبغي أن تكون هناك إجابات واضحة بشأن المقترحات التي قدمها السكان أو ممثلوهم: ما الذي جرى فحصه؟ وما الذي يمكن تعديله؟ وما الذي تعذر تغييره لأسباب هندسية أو مرورية أو مالية؟ وعلى أي أساس اتُّخذت هذه القرارات؟

ولا يكفي أن تُعلن الجهات المعنية الاستماع إلى الشكاوى؛ فالاختبار الحقيقي يكمن في مدى انعكاسها على القرارات النهائية. وإذا تعذر تعديل المسار، فإن شرح الأسباب ونشر الدراسات التي تستند إليها الجهات المختصة يظل جزءًا أساسيًا من الشفافية المطلوبة.

فإن إعلان إجمالي التعويضات لا يغني عن توضيح كيفية توزيعها، ومواعيد صرفها، والضمانات المتاحة لمن يعترض على التقييم. وينبغي ألا تتحول الإجراءات القانونية إلى عبء لا يستطيع المواطن فهمه أو متابعته، بل يجب أن تكون المعلومات المتعلقة بحقوقه ووسائل الاعتراض متاحة بوضوح.

 

الأزمة الحقيقية هي اتساع الفجوة

التنمية لا تُقاس فقط بما تضيفه من طرق ومحاور، وإنما أيضًا بكيفية تعاملها مع حياة الناس الواقعة في طريقها. والقرار العام لا يفقد  مشروعيته لمجرد أن بعض المواطنين يعترضون عليه، لكنه يحتاج إلى الشفافية والتفسير والمراجعة حتى لا يشعروا أنهم أمام خيارات ضيقة، وأن المطلوب منهم في النهاية هو القبول بالأمر الواقع مهما كانت كلفته على بيوتهم ومستقبل أسرهم.

إن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام الجهات المعنية ليس ما إذا كان من حق الدولة تنفيذ مشروع للمنفعة العامة فحسب، بل أيضًا ما إذا كانت قد بذلت ما يكفي لتقليل الضرر، وفحص البدائل، وضمان حقوق المتأثرين. فحين يشعر المواطن أن صوته يمكن أن يغير شيئًا، تصبح التنمية عملية تشاركية؛ أما حين يعتقد أن كل الخيارات قد أُغلقت أمامه، فإن الغضب يصبح تعبيرًا عن أزمة ثقة لا يمكن حلها بالتعويضات وحدها.