في شبه دولة العسكر، بقيادة السفيه السيسي، تجاوزت فيها نسبة الفقر 40% ونسبة التضخم تقارب هذا الرقم مع ارتفاع متواصل في اسعار السلع والخدمات؛ حيث لا تغطى المبالغ التي يحددها تكافل وكرامة، ما بين 700 و900 جنيه شهريا، ولا يمكن ان تكفي لسداد بند واحد من ابواب الانفاق المعتادة.
وتُنفق مليارات الجنيهات على برامج الحماية الاجتماعية، وأعداد المستفيدين تتغير بصورة مستمرة، فيما تتسع مظلة "تكافل وكرامة" لتضم أسرًا جديدة، بالتوازي مع خروج أسر أخرى من قوائم الدعم.
لكن خلف أرقام «التخارج» التي تعلنها الحكومة، تبرز مفارقة لافتة: نحو 2.2 مليون أسرة خرجت من البرنامج بدعوى تحسن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية أو التحاق أحد أفرادها بعمل، بينما لا تزال 4.7 مليون أسرة تحت مظلة البرنامج، في وقت تغيب فيه بيانات رسمية حديثة منشورة عن معدلات الفقر في مصر.
وهنا يبرز السؤال: هل غادرت 2.2 مليون أسرة دائرة الفقر فعلًا، أم أن الفقر بقي داخل البيوت بينما اختفت الأسماء من قوائم"تكافل وكرامة"؟
8.2 مليون أسرة استفادت منذ إطلاق البرنامج
بحسب بيانات وزارة التضامن الاجتماعي، استفادت من برنامج «تكافل وكرامة» منذ انطلاقه في يناير 2015 نحو 8.2 مليون أسرة، مقارنة بنحو 1.7 مليون أسرة كانت تستفيد من برامج المساعدات الضمانية القديمة عام 2014.
ويستفيد من البرنامج حاليًا نحو 4.7 مليون أسرة، بعدما خرج منه نحو 3.5 مليون أسرة من إجمالي الأسر التي التحقت به منذ إطلاقه.
وتقول الوزارة إن 2.2 مليون أسرة من بين الخارجين غادرت البرنامج نتيجة التحاق أحد أفرادها بعمل أو تحسن وضعها الاجتماعي والاقتصادي، بما يمثل نحو 63% من إجمالي الخارجين.
في المقابل، خرجت نحو 1.3 مليون أسرة لأسباب أخرى، من بينها الوفاة أو السفر إلى الخارج أو تغير الحالة الاجتماعية أو فقدان أحد شروط الاستحقاق.
وبذلك تُميّز الوزارة بين"التخارج" المرتبط بتحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وبين التخارج الناتج عن أسباب أخرى لا تعني بالضرورة تحسن مستوى دخل الأسرة.
يخرج مليون.. ويدخل 1.3 مليون
لا يعمل"تكافل وكرامة"باعتباره قائمة ثابتة للمستفيدين، وإنما يقوم على ضم أسر جديدة بصورة مستمرة، بالتوازي مع مراجعة بيانات الأسر الموجودة واستبعاد من لم تعد تنطبق عليهم شروط الاستحقاق.
وخلال العامين الماليين الأخيرين، بين 2024 و2026، التحقت بالبرنامج نحو 1.3 مليون أسرة جديدة، بينما خرجت منه نحو مليون أسرة، بحسب بيانات وزارة التضامن.
وتقول الوزارة إن عمليات التخارج وفَّرت نحو 11 مليار جنيه للموازنة العامة خلال العامين، من إجمالي وفر بلغ 30 مليار جنيه منذ بدء عمليات الاستبعاد والتخريج.
وتعتمد عمليات المراجعة على بيانات"السجل الاجتماعي" إلى جانب المعلومات المرتبطة بالدخل والعمل والأصول والحالة الاجتماعية وغيرها من المؤشرات التي تحدد مدى استمرار استحقاق الأسرة للدعم.
لكن آليات المراجعة والاستبعاد نفسها أثارت خلال العام الحالي عددًا من التساؤلات والشكاوى التي وصلت إلى مجلس النواب.
سجلات ضريبية وطلبات مرفوضة
في مارس الماضي، تقدم المهندس إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بسؤال برلماني بشأن وقف بطاقات «تكافل وكرامة» لعدد من المواطنين بدعوى وجود سجلات ضريبية مفتوحة بأسمائهم.
وبحسب ما ورد في سؤاله، أكد بعض المتضررين أنهم لا يمارسون أي نشاط تجاري، وأنهم لم يكونوا على علم بوجود تلك السجلات.
وأشار منصور كذلك إلى شكاوى تتعلق برفض طلبات الاستفادة من البرنامج بناءً على نتائج زيارات منزلية، رغم إفادة بعض المواطنين بعدم زيارة موظفين لمنازلهم، مطالبًا بإظهار أسباب الرفض بصورة تفصيلية، وعدم الاكتفاء بإبلاغ المواطن بأنه «غير مستحق لشروط الصرف».
وفي يناير الماضي، أثار النائب أحمد عصام الدين، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر بمجلس النواب، قضية الاستبعاد من زاوية أخرى، متقدمًا بسؤال إلى الحكومة بشأن شطب عدد من المواطنين من الاستفادة من المعاش دون إبداء أسباب واضحة، وفقًا لما ورد في السؤال، مطالبًا بتوضيح معايير الحصر والمراجعة وأسباب الاستبعاد وآليات التظلم.
تأخر الصرف وقيمة الدعم
ولم تقتصر الشكاوى البرلمانية على مسألة الاستبعاد. فقد ناقشت أماني أبو اليزيد، عضو مجلس النواب وعضو لجنة التضامن الاجتماعي، حالات قالت إنها حصلت على استحقاقات وموافقات طبية رسمية، بينما تأخر صرف المعاشات المقررة لها، مطالبة بسرعة إنهاء الإجراءات للحالات المستحقة وضمان وصول الدعم إليها.
أما النائب علاء سليمان، فطرح مشكلة مختلفة تتعلق بقيمة الدعم النقدي، منتقدًا محدودية المعاش في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ومشيرًا خلال مناقشة برلمانية إلى صعوبة تحمل المستفيدين تكاليف المرافق والاحتياجات الأساسية.
وتكشف هذه الوقائع عن تعدد المشكلات المطروحة حول البرنامج؛ من الاستبعاد استنادًا إلى بيانات يرى بعض المواطنين أنها غير دقيقة، إلى تأخر صرف الاستحقاقات، وعدم وضوح أسباب الرفض، وصولًا إلى التساؤلات حول مدى كفاية قيمة الدعم في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
من يقرر أن الأسرة لم تعد فقيرة؟
ترتبط عملية الاستبعاد من «تكافل وكرامة» بتغير ظروف الأسرة أو ظهور بيانات جديدة تؤثر في شروط الاستحقاق. وقد يكون السبب، وفق قواعد البرنامج، التحاق أحد أفراد الأسرة بعمل، أو ارتفاع الدخل، أو تغير الحالة الاجتماعية، أو امتلاك أصول لا تسمح باستمرار الدعم.
لكن بيانات وزارة التضامن نفسها تضع فارقًا بين الأسر التي خرجت نتيجة تحسن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وبين الأسر التي خرجت لأسباب أخرى.
فمن أصل نحو 3.5 مليون أسرة خرجت من البرنامج، تُصنّف الوزارة 2.2 مليون أسرة باعتبار أن أوضاعها تحسنت اقتصاديًا أو اجتماعيًا، بينما ترتبط حالات نحو 1.3 مليون أسرة بالوفاة أو السفر أو تغير الظروف الاجتماعية أو فقدان شروط الاستحقاق.
وهذا يطرح سؤالًا مهمًا حول معيار «الخروج»: هل يكفي أن تحصل الأسرة على مصدر دخل جديد لكي يُعد خروجها من البرنامج خروجًا مستدامًا من دائرة الفقر، أم أن الأمر يحتاج إلى قياس قدرة الأسرة على الاستمرار في تلبية احتياجاتها الأساسية دون دعم نقدي؟
232 مليار جنيه منذ 2015
ارتفعت موازنة برنامج «تكافل وكرامة» إلى نحو 54 مليار جنيه خلال العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 5 مليارات جنيه قبل أكثر من عقد.
وبحسب بيانات وزارة التضامن، بلغ إجمالي ما جرى إنفاقه على البرنامج منذ إطلاقه عام 2015 نحو 232 مليار جنيه.
ويتراوح الدعم النقدي بين حد أدنى يبلغ 700 جنيه ومتوسط يقترب من 900 جنيه شهريًا، مع اختلاف القيمة بحسب حالة الأسرة وعدد أفرادها والاستحقاقات المرتبطة بها.
ولا يقتصر البرنامج على الدعم النقدي، إذ يرتبط كذلك بشروط تتعلق بالتعليم والصحة. وبحسب بيانات الوزارة، بلغت نسبة المواظبة الدراسية لأبناء الأسر المستفيدة نحو 77%، فيما بلغت نسبة الالتزام بالمتابعة الصحية الدورية للأطفال نحو 92%.
وتقول الوزارة إن قواعد الاستهداف تعتمد على خرائط ومؤشرات الفقر، بهدف توجيه الدعم إلى الأسر الأكثر احتياجًا.
غياب الرقم الأحدث للفقر
لكن المشكلة الأكبر في قراءة أرقام التخارج تتمثل في صعوبة قياس النتائج في ظل غياب بيانات رسمية حديثة منشورة عن معدل الفقر في مصر.
فآخر نتائج شاملة منشورة لبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تعود إلى عام 2019/2020، عندما سجل معدل الفقر نحو 30%.
ومنذ ذلك الوقت، شهد الاقتصاد المصري تغيرات واسعة، شملت ارتفاعات متتالية في أسعار الغذاء والطاقة والخدمات، ومعدلات تضخم مرتفعة، إلى جانب تحولات كبيرة في سعر صرف الجنيه.
وفي ديسمبر 2024، تحدثت وزيرة التضامن الاجتماعي عن وجود نحو 12 مليون أسرة تعيش تحت خط الفقر، من بينها 7.4 مليون أسرة تستفيد من برامج الدعم النقدي المختلفة.
لكن من دون مؤشر فقر حديث وشامل، تظل المقارنة بين أعداد الأسر الخارجة من «تكافل وكرامة» وبين عدد الفقراء الفعليين محدودة الدلالة.
هل «التخارج» يعني الخروج من الفقر؟
بعد أكثر من 11 عامًا على إطلاق «تكافل وكرامة»، تكشف الأرقام عن برنامج واسع النطاق أنفق مئات المليارات من الجنيهات، واستفادت منه ملايين الأسر، مع استمرار عملية دخول أسر جديدة وخروج أخرى.
وتقول الحكومة إن خروج 2.2 مليون أسرة بسبب تحسن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية يمثل نجاحًا لآلية الحماية الاجتماعية وقدرتها على نقل الأسر تدريجيًا من الاعتماد على الدعم إلى الاستقلال الاقتصادي.
لكن إثبات هذا التحسن يحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد انخفاض عدد المستفيدين؛ إذ يتطلب معرفة ما إذا كانت الأسر الخارجة قادرة على الحفاظ على مستوى معيشي أفضل بصورة مستدامة، وما إذا كان مصدر الدخل الذي أدى إلى التخارج مستقرًا بما يكفي لتجنب عودتها إلى قوائم الدعم.
وبينما تدخل أسر جديدة إلى البرنامج وتخرج أخرى، يبقى غياب بيانات حديثة وشاملة عن الفقر أحد أبرز التحديات أمام تقييم النتيجة النهائية. فالسؤال ليس فقط: كم أسرة خرجت من «تكافل وكرامة»؟ بل الأهم: كم أسرة خرجت فعلًا من الفقر، وكم أسرة خرجت فقط من قائمة المستفيدين؟