أكد مراقبون أن واشنطن تسعى لتوظيف ملف حربها على إيران بوابةً إلزامية لفرض ما يُعرف بـ "الاتفاقيات الإبراهيمية" على مجموعة واسعة من الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وقطر، ومصر، والأردن، وباكستان، وتركيا. ويأتي هذا التوجه مدفوعاً برغبة أمريكية وصهيونية مشتركة لدمج دولة الاحتلال في نسيج المنطقة قوةً قائدة ومهيمنة، دون تقديم أي تنازلات حقيقية للفلسطينيين.
وأشاروا إلى أن الانضمام إلى هذه الاتفاقيات، في الوعي الشعبي العربي والإسلامي، يُعد اتفاقات تتساوق مع جرائم الاحتلال وتفريطاً كاملاً بالأمن القومي الإقليمي، ما يجعل تمدد "الحلف الإبراهيمي" أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد في ظل الظروف الراهنة.
وتشهد الساحة السياسية في الشرق الأوسط تحولات بالغة التعقيد، تتقاطع فيها التهديدات العسكرية المباشرة مع الصفقات الدبلوماسية القسرية، حيث كشفت التسريبات والتقارير الاستخباراتية الأخيرة عن مساعٍ حثيثة تبذلها الإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية للمنطقة.
ويرى مراقبون وباحثون سياسيون أن دعوة ترامب تمثل "ابتزازاً علنياً" ومحاولة تصفية كاملة للحقوق المشروعة، وسط تحديات ميدانية وشعبية تجعل من هذا المسار مغامرة سياسية هائلة غير مضمونة العواقب.
ففي قراءة تحليلية لأبعاد هذا التحرك، يرى الإعلامي معتز مطر عبر moatazmatar@ أن الهدف الحقيقي لهذه الضغوط كان موجهاً نحو منطقة الخليج العربي وثرواتها قبل إيران نفسها؛ إذ يعتمد ترامب في خطته على مساومة صريحة تضع قادة الخليج أمام خيارين كلاهما مر: إما الانضمام إلى ركب التطبيع تحت قيادة الكيان المحتل وتحمل التكاليف المالية الباهظة المترتبة على ذلك، أو مواجهة آلة الحرب الإيرانية المدمرة، وهو سياق يهدف في النهاية إلى الاستحواذ الأمريكي الكامل على النفط والثروات الإقليمية.
وفي الاتجاه نفسه، يوضح الباحث محمود جمال عبر mahmoud14gamal@ أن الإدارة الأمريكية تحاول صناعة ومحاكاة أي انتصار دبلوماسي سريع لتسويقه للداخل الأمريكي وللوبي الصهيوني، وذلك بعد إخفاقها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأساسية تجاه طهران، والاضطرار إلى خيار التهدئة بسبب الكلفة الاقتصادية الباهظة؛ حيث يسعى ترامب إلى صياغة معادلة تبرر الانسحاب من المواجهة المباشرة مع إيران من خلال الادعاء بـ "تقريب العرب من إسرائيل"، محاولاً إجبار الدول العربية على الانضمام القسري للاتفاقيات لإرضاء تل أبيب التي تعيش حالة من التوجس، وتعتبر نفسها الخاسر الأكبر من أي اتفاق أمريكي – إيراني محتمل.
الاتفاقية الإبراهيمية من المنظور الصهيوني
وتمثل "الاتفاقية الإبراهيمية"، وفقاً للقراءة الهيكلية والسياسية التي يطرحها الباحث القطري خالد الكواري، صياغة تهدف بالدرجة الأولى إلى منح دولة الاحتلال قبولاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً شاملاً وثابتاً في المنطقة، مع الإبقاء على جوهر الصراع قائماً؛ حيث يستمر الاستيطان وتهويد القدس وحصار وتدمير قطاع غزة، دون منح الفلسطينيين أي دولة حقيقية أو حقوق أساسية.
وتتضمن بنود الاتفاقية المعلنة والمستترة ركائز أساسية لإنتاج "سلام ساخن" يتجاوز المستويات الدبلوماسية الرسمية إلى ممارسات دمج كاملة تشمل فتح السفارات وتعيين السفراء، وتدشين تحالفات اقتصادية وتجارية واستثمارية واسعة النطاق لفتح الأسواق العربية أمام التكنولوجيا والشركات الصهيونية، فضلاً عن تسيير خطوط الطيران المباشر وتسهيل تأشيرات السياحة، وفتح الباب لتنسيق أمني واستخباراتي وعسكري وثيق، وصولاً إلى برامج التبادل الثقافي والتعليمي التي تستهدف تغيير وعي الشعوب العربية حيال الاحتلال، وكل ذلك يمنح الكيان مكاسب مجانية دون أي التزام بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967.
ومن جهته، يقدم الباحث أحمد حسن ahmedhasen313@ تحليلاً يعكس المفهوم الصهيوني الاستراتيجي لهذه الاتفاقيات، موضحاً أنها تجسيد دقيق للمذهب اليميني الذي يقوده بنيامين نتنياهو، والمتمثل في "الصهيونية التصحيحية" التي تؤمن بفرض السلام بالقوة وبناء المصالح المشتركة دون تقديم أي تنازلات أرضية أو سياسية، على النقيض من أطروحات اليسار الصهيوني التقليدي.
ويوضح أن هذه الاتفاقيات نجحت بالفعل، من منظور الاحتلال، في كسر العزلة الإقليمية التي فرضتها "المبادرة العربية للسلام" عام 2002، والتي كانت تربط التطبيع بحل الدولتين، ما فتح الباب عملياً لمحو القضية الفلسطينية من الأجندة الإقليمية الرسمية.
وتجني تل أبيب، بحسب أحمد حسن، حالياً ثمار هذا الاندماج أمنياً عبر تبادل المعلومات العسكرية وبيع الأسلحة، واقتصادياً من خلال قفزات هائلة في حجم التبادل التجاري مع دول مثل الإمارات، الذي تضاعف من عشرات الملايين إلى مئات ملايين الدولارات سنوياً، تزامناً مع تدفق مئات الآلاف من السياح المستوطنين، وهو ما يمنح اليمين الديني والسياسي شرعية داخلية كبيرة، ويثبت للمجتمع الصهيوني إمكانية تحقيق التمدد الإقليمي والنمو الاقتصادي دون دفع أي أثمان للفلسطينيين.
https://x.com/ahmedhasen313/status/2058983438040936592
التبعات الاستراتيجية والشعبية
وأثارت توجهات ترامب الفجة ردود فعل غاضبة ومنددة من قِبل مفكرين وسياسيين بارزين في العالم العربي؛ حيث أعرب الدكتور محمد البرادعي عن استنكاره البالغ لغياب أي ذكر للاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، أو للدولة المستقلة، أو للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الأطروحات الأمريكية الصادرة عن ترامب، معتبراً أن قبول الدول العربية لمثل هذا "اللغو" السياسي يعود إلى تسليم مصير المنطقة لرجل مدفوع بمنطق القوة الغاشمة دون أي إدراك لمعاني الحق والعدالة والسلام.
وفي السياق ذاته، وصف الكاتب والمفكر فهمي هويدي دعوة الرئيس الأمريكي إلى إلحاق الدول العربية والإسلامية بالاتفاقات الإبراهيمية بأنها "فتنة واحتيال" كامل الأركان، مذكراً بالتحذيرات الصارمة المستمرة التي أطلقها الأزهر الشريف تجاه هذه المشاريع المشبوهة التي تستهدف تصفية الوعي العربي والإسلامي وتجاوز ثوابت الأمة.
وفي زاوية نقدية أكثر راديكالية، يؤكد الفنان والناشط عمرو واكد amrwaked@ أن المساعي الأمريكية الراهنة لإرضاء الصهاينة عبر بوابة التهديد باستمرار الحرب والعدوان على إيران لن تفلح في تحقيق ما عجزت عنه الآلة العسكرية على مدار أشهر طويلة، واصفاً الاتفاقية الإبراهيمية بالصياغة "اللزجة والقبيحة" التي باتت مستحيلة التحقيق على أرض الواقع.
ويرى واكد أن التهديدات الأمريكية تعكس مأزقاً حقيقياً للمشروع الصهيوني الذي راهن بكافة أوراقه على التطبيع الإقليمي الشامل وخسر الرهان بعد أن تكشفت طبيعته الدموية وسعيه إلى إبادة البشرية أمام الرأي العام العالمي، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة انهياراً للاتفاقيات السابقة وخروج العديد من الدول منها، وتجميداً كاملاً لاتفاقيات قديمة مثل "كامب ديفيد"، مؤكداً أن الرفض الشعبي الكاسح سيلفظ أي نظام أو قائد يحاول وضع يده في أيدي الاحتلال في ظل الجرائم المستمرة.
تعقيدات ميدانية
وتواجه الطموحات الأمريكية الكبيرة جداراً صلباً من التعقيدات الميدانية والحسابات السياسية المعقدة للدول المعنية، ولا سيما المملكة العربية السعودية؛ فبالرغم من المرونة التي أبدتها الرياض في فترات سابقة تجاه مناقشة شروط التطبيع، فإن الحرب الأخيرة على إيران وما رافقها من تصعيد أمني وخلافات سعودية – إماراتية عميقة دفعت القيادة السعودية إلى اتخاذ مواقف أكثر صلابة وتشككاً حيال حكومة الاحتلال اليمينية.
وتشير المعطيات الاستخباراتية إلى أن الاجتماعات السابقة التي ضمت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بمسؤولين أمريكيين في المكتب البيضاوي شهدت توترات واضحة عندما رُفضت الضغوط المباشرة للقبول بالصيغة الإبراهيمية؛ حيث أدركت الرياض الكلفة السياسية والشعبية الهائلة والمخاطر الأمنية المحدقة التي قد تترتب على مثل هذا الانضمام، والتي وصفها مراقبون بأنها قد تصل إلى حد "الانتحار السياسي" بالنظر إلى الغليان الشعبي العربي الرافض لجرائم الإبادة المستمرة.
وتتزامن هذه الاستعصاءات الدبلوماسية مع واقع ميداني واقتصادي معقد كشفته التقارير الاستخباراتية الصادرة عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وتقييمات استخباراتية إسرائيلية جديدة نشرها موقع (mako) العبري؛ حيث تبدي هذه الجهات قلقاً بالغاً إزاء سرعة التعافي الإيراني العسكري وإعادة بناء القدرات الاستراتيجية بعد الحرب، وهي تقييمات تتناقض بوضوح مع تقديرات القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" التي كانت تحاول دفع الإدارة الأمريكية نحو خوض مزيد من الهجمات العسكرية.
وفي خضم هذه الفوضى الأمنية والعسكرية، تبرر التقارير الاقتصادية الموثقة، مثل تقرير "بلومبيرج"، حالة التريث والصلابة السعودية؛ إذ حققت المملكة مكاسب وعائدات مالية ضخمة جراء ارتفاع أسعار النفط الناجم عن التوترات الأمنية وإغلاق مضيق هرمز وتحول البحر الأحمر إلى ممر بديل، حيث قفزت إيرادات الصادرات النفطية السعودية إلى نحو 24.7 مليار دولار في الشهر الأول للحرب، ما يعزز الموقف المالي والسياسي المستقل للرياض، ويمنحها هوامش حركة واسعة لمقاومة الابتزاز الأمريكي المباشر الساعي إلى توظيف الملف الإيراني كشيك على بياض لدمج إسرائيل مجاناً في المنطقة.
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
ونقل ناشطون، منهم political0s@، عن الصحفي الصهيوني باراك رافيد، عبر موقع "أكسيوس"، مستكملاً ما كشفه السيناتور ليندسي غراهام، حول المكالمة الجماعية الصادمة التي أجراها ترامب مع قادة عدة دول عربية وإسلامية. ووفقاً للتقارير الصادرة في هذا الشأن، فإن الرئيس الأمريكي لم يتعامل مع المساعي الجارية لإنهاء الحرب مع إيران باعتبارها مجرد تسوية عسكرية أو إقليمية معزولة، بل جعلها منصة لفرض واقع سياسي جديد؛ حيث أبلغ القادة بوضوح تام أنه يريد من الدول التي لا تملك سلاماً مع تل أبيب أو لم تنضم بعد إلى "اتفاقات أبراهام" أن توقع اتفاقات تطبيع كاملة كشرط وضمانة للترتيب الإقليمي القادم.