فجوة تتسع: 3.529 تريليون جنيه ضرائب موازنة 2026/2027.. ومراقبون: المواطن يدفع فاتورة الفشل ب3 أنماط!

- ‎فيتقارير

تكشف الموازنة العامة المصرية للسنة المالية 2026/2027 عن فجوة مالية ضخمة بين الإيرادات والمصروفات، إذ يقترب العجز الاسمي من 1.1 تريليون جنيه قبل الدخول في التفاصيل الأعمق، هذا العجز ليس مجرد خلل محاسبي، بل هو فاتورة مؤجلة ستعود إلى المواطن في صورة فوائد أعلى، ضرائب أوسع، خدمات أضعف، أو تضخم يلتهم ما تبقى من دخله.

ورغم إعلان الحكومة خفض العجز الكلي إلى 4.9% مقارنة بـ 6.1% في العام السابق، فإن السؤال الحقيقي ليس في الرقم، بل في كيفية تحقيقه: هل جاء الخفض من زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار؟ أم من عصر الضرائب، وتأجيل المستحقات، وخفض الاستثمار العام، ونقل الأعباء إلى خارج الصورة؟

ضرائب تتضخم… وإنتاج يتراجع

وتعتمد الموازنة بشكل متزايد على الضرائب كمصدر رئيسي للإيرادات، فقد قفزت تقديرات إجمالي الضرائب إلى 3.529 تريليون جنيه مقارنة بـ 2.654 تريليون جنيه في العام السابق، بزيادة تقارب 875 مليار جنيه خلال عام واحد فقط.

وتستهدف الحكومة تحصيل 2.785 تريليون جنيه ضرائب مباشرة في 2026/2027 مقابل 2.202 تريليون في العام الحالي، أي بزيادة ضخمة تقترب من 583 مليار جنيه.

ورغم تأكيد الحكومة أن الزيادة ستأتي من “توسيع القاعدة الضريبية”، فإن المواطن لا يفرّق بين ضريبة جديدة ورسم جديد وغرامة جديدة وزيادة في فاتورة خدمة عامة، ما دام الأثر النهائي واحدًا: يد الدولة تمتد إلى جيبه قبل أن تمد له خدمة حقيقية.

هذه الزيادة تعني أن الضرائب وحدها تقترب من 70% من الإيرادات العامة، وهو ما يعكس اتجاهًا خطيرًا: دولة تتوسع في التحصيل أسرع من توسعها في الإنتاج، وتطلب من المواطن أن يدفع مقدّمًا عن خدمة قد لا تأتي.

الضرائب كمرآة للعلاقة بين الدولة والمجتمع

تُعد الضرائب أصدق تعبير عن شكل العلاقة بين الدولة وفئات المجتمع المختلفة، حين تعتمد الدولة على ضرائب الاستهلاك، فهي عمليًا تُحمّل الفقراء ومحدودي الدخل العبء الأكبر. أما حين تعتمد على الضرائب التصاعدية على الأرباح والثروات الكبيرة، فهي تعيد توزيع جزء من الدخل لصالح القاعدة الاجتماعية الأوسع.

لكن النموذج الضريبي الذي تتبناه السلطة يعكس انحيازًا واضحًا نحو تحميل الطبقات الشعبية والمتوسطة العبء الأكبر، بينما تظل الضرائب على الثروة والأرباح الرأسمالية محدودة للغاية.

وهذا ما يجعل النظام الضريبي المصري أقرب إلى نظام جباية منه إلى نظام مالي عادل.

ضرائب الدخل والأرباح

بلغت ضرائب الدخل والأرباح 1.347 تريليون جنيه، لكن توزيعها يكشف الكثير.

تعتمد الدولة بشكل مفرط على ضرائب شركات الأموال التي بلغت 730.5 مليار جنيه، أي أكثر من نصف حصيلة المجموعة. ويتوزع هذا الرقم بين ضرائب قطاع البترول والشريك الأجنبي، وإيرادات قناة السويس التي تُعامل كشركة أموال، إلى جانب الشركات الكبرى.

في المقابل، تظهر ضرائب المرتبات التي بلغت 332.6 مليار جنيه كعبء مباشر على العاملين والموظفين، رغم أن أجورهم ضعيفة للغاية ولا تكفي لتغطية نفقات الأسر.

هذا يعني أن الدولة تستقطع جزءًا كبيرًا من دخول الفئات التي تعاني أصلًا من تآكل القدرة الشرائية، بينما تظل الضرائب على الثروة والأرباح الرأسمالية هامشية.

ضرائب الممتلكات

بلغت الضرائب على الممتلكات 473.9 مليار جنيه، وتشمل ضرائب المباني ورسوم نقل الملكية وضرائب أذون وسندات الخزانة.

ورغم أن هذا النوع من الضرائب يُفترض أن يكون أداة لتحقيق العدالة الضريبية، فإن الواقع يكشف أن الدولة تتوسع في الاعتماد على ضرائب الأصول المالية والرسوم المرتبطة بنقل الملكية، بينما تظل الضرائب الحقيقية على الثروة الكبيرة والأرباح الرأسمالية أقل بكثير من المعايير الدولية.

وهذا يعكس اختلالًا واضحًا في فلسفة العدالة الضريبية.

ضرائب السلع والخدمات

تُعد هذه المجموعة الأكبر، إذ بلغت 1.399 تريليون جنيه.

وتتصدر ضريبة القيمة المضافة هذه المجموعة، إذ بلغت 751.9 مليار جنيه، بينما بلغت الضرائب على الواردات 489.2 مليار جنيه، وهو ما ينعكس مباشرة على ارتفاع تكلفة المعيشة.

وتشمل هذه المجموعة أيضًا ضرائب على الخدمات مثل الفنادق والمطاعم والاتصالات، إضافة إلى ضرائب التبغ والسجائر التي بلغت 140.8 مليار جنيه.

هذه التركيبة تكشف أن الدولة تعتمد بشكل مكثف على الضرائب المفروضة على الاستهلاك اليومي للمواطنين، بغض النظر عن مستوى دخلهم، ما يجعل العبء الضريبي موزعًا بشكل غير عادل.

الدولة “محصل كبير” لا “مدير اقتصاد”

يرى السياسي والصحفي السابق أيمن نور أن الدولة المصرية تحولت إلى “محصل كبير” أكثر منها “مدير اقتصاد”.

ويؤكد نور أن “الضريبة في الفلسفة المالية الحديثة ليست عقوبة على الحياة، بل مساهمة في بناء خدمة عامة”، لكن في الحالة المصرية تتحول الضريبة إلى عبء لا يقابله عائد اجتماعي حقيقي.

ويشير نور إلى أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي في مصر تدور حول 13% إلى 14%، بينما تتجاوز 30% في الاقتصادات المتقدمة، لكن الفارق الحقيقي ليس في الرقم بل في العائد الاجتماعي.

ويصبح العجز أكثر خطورة عندما نقرأه بجوار الفوائد، تشير تقديرات مالية موثوقة إلى أن مدفوعات الفائدة تلتهم ما يقارب 70% من الإيرادات العامة، وهو ما يحول الموازنة فعليًا إلى موازنة خدمة دين لا موازنة تنمية.

وفي ظل هذا الوضع، يصبح أي حديث عن إصلاح اقتصادي دون إصلاح ضريبي شامل مجرد محاولة لتجميل أرقام لا تعكس الواقع.

ويرى مراقبون أن الموازنة الجديدة تكشف أن الدولة اختارت الطريق الأسهل: زيادة الضرائب على الاستهلاك والمرتبات بدلًا من إصلاح هيكلي حقيقي يعيد توزيع العبء الضريبي بشكل عادل، وبينما ترتفع الأسعار والضرائب والديون، يبقى السؤال: من يدفع فاتورة الدولة؟   وفي ضوء الأرقام، يبدو أن الإجابة واضحة: الفقراء والطبقة المتوسطة هم من يتحملون العبء الأكبر، بينما تظل الثروات الكبيرة أقل مساهمة بكثير مما يجب.