دراسة: التمدد الإماراتي خطر على حساب السيادة المصرية

- ‎فيتقارير

أكد الباحث في المعهد المصري للدراسات محمود جمال في دراسة بعنوان "الدور الإماراتي في مصر: قراءة شاملة – بين الواقع والمستقبل" أنه لا يمكن النظر إلى التمدد الإماراتي في مصر بوصفه مجرد شراكة اقتصادية، بل يجب قراءته ضمن أهداف بعيدة المدى تستهدف التأثير في دوائر صنع القرار وإعادة تشكيل معادلات السيادة.

وحذر من أنه تزداد خطورة هذا المسار بالنظر إلى ارتباط الإمارات بالمنظومة المالية العالمية وبالكيان المحتل، ما يجعل استمرار التماهي المصري مع هذا النفوذ دون رؤية وطنية مستقلة خطراً مباشراً على الأمن القومي، وتستشهد الورقة بتغريدة ضاحي خلفان عام 2012 حول دعم تقسيم مصر باعتبارها مؤشراً مبكراً على توجهات تتعارض مع المصالح المصرية.

السيادة بين الشراكة والاعتماد

وتوضح الدراسة أن العلاقة بين مصر والإمارات بعد 2013 ليست علاقة تبعية كاملة، لكنها أيضاً ليست شراكة متوازنة، فالمشهد العام يعكس حالة اعتماد اقتصادي متزايد على التمويل والاستثمارات الإماراتية، وهو اعتماد يضغط تدريجياً على هامش القرار السيادي المصري، ورغم أن الدولة المصرية لم تفقد سيادتها بالكامل، إلا أن النفوذ الإماراتي داخل قطاعات حساسة يقلّص قدرة القاهرة على المناورة في ملفات حيوية، ويجعل بعض القرارات الوطنية عرضة للتأثر بمصالح أبوظبي، ومع استمرار هذا المسار دون ضوابط، قد يتحول الاعتماد إلى هيمنة فعلية يصعب على المؤسسات المصرية احتواؤها.

ورأى أن النظام المصري يقبل هذا النفوذ بسبب الأزمة الاقتصادية الممتدة، إذ يوفر الدعم الإماراتي متنفساً ضرورياً لتخفيف الضغوط الداخلية، لكن هذا القبول يضع القاهرة في مفارقة معقدة: فهي من جهة تحتاج إلى التمويل، ومن جهة أخرى تواجه مؤسساتها السيادية ضغوطاً للحفاظ على الأمن القومي المصري الذي قد يتعارض مع التوجهات الإماراتية في الإقليم.

واعتبر أن هذه المفارقة تبرز في ملفات مثل السودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تتصادم مقاربة الدولة المصرية القائمة على حماية الدولة الوطنية مع مقاربة إماراتية تعتمد على توظيف الفاعلين غير الدولتين وإدارة الفوضى كأداة نفوذ.

وأشار إلى أن هذا التناقض يعكس غياب بدائل تمويلية وطنية، وتآكل الأدوات الاقتصادية للدولة، ما يضع مصر في حالة توازن هش بين الحاجة للدعم والحفاظ على السيادة.

طبيعة الدور: دعم أم نفوذ بنيوي؟

وأكدت الدراسة أن الدور الإماراتي لا يمكن اختزاله في ثنائية “الدعم مقابل الهيمنة”، بل هو دور مركّب تشكل في سياق إقليمي مضطرب، فمن جهة، قدمت الإمارات دعماً مالياً حاسماً بعد 2013، وساعدت في تخفيف الضغوط الاقتصادية ودعمت استقرار النظام السياسي، ومن جهة أخرى، توسعت في الأصول الاستراتيجية والموانئ والبنية التحتية والقطاع المصرفي، ما يشير إلى انتقال العلاقة من دعم مؤقت إلى نفوذ طويل الأمد يعيد تشكيل بنية الاقتصاد والدولة، معتبرا أن هذا التوسع لا يعكس مجرد استثمار، بل يعبر عن إعادة هندسة لمراكز القوة داخل الدولة المصرية.

أين تتصادم القاهرة وأبو ظبي؟

وعن العلاقة بين الطرفين قال "جمال": إنها "ليست علاقة انسجام كامل، بل علاقة توافق مشروط تصطدم عند حدود الأمن القومي المصري، ويبرز السودان كأوضح مثال على هذا التباين، حيث ترى القاهرة ضرورة الحفاظ على الدولة السودانية الموحدة، بينما تعتمد أبوظبي على دعم قوى موازية مثل قوات الدعم السريع".

وأبان انه يتكرر النموذج ذاته في اليمن والصومال وليبيا، حيث تتحرك الإمارات وفق استراتيجية إقليمية أوسع تتجاوز منطق الدولة الوطنية، هذا التباين يجعل العلاقة المصرية–الإماراتية علاقة حساسة تتطلب قراءة دقيقة للحدود بين الدعم والتأثير والسيادة.

البعد الصهيوني في المعادلة

وتكتسب العلاقة الإماراتية–الصهيونية أهمية خاصة في تقييم تأثير أبو ظبي على القرار المصري، فالتقارب المتسارع بين الطرفين، خصوصاً بعد الاتفاق الإبراهيمي، يفتح الباب أمام مشاريع إقليمية قد تمس الأمن القومي المصري.

وتوضح الدراسة أن الإمارات تتحرك في الإقليم كـ“بوابة تنفيذية” لمقاربة صهيونية أوسع تهدف إلى إضعاف الدول الوطنية وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يخدم مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، هذا البعد يجعل العلاقة المصرية–الإماراتية أكثر تعقيداً، ويزيد من الحاجة إلى مراجعة دقيقة للسياسات المتبعة.

وأبانت أن الإمارات تعتمد مقاربة هجينة تجمع بين القوة الناعمة عبر الاستثمارات والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية، والقوة الخشنة عبر دعم كيانات سياسية وعسكرية موازية داخل الدول.

وساقت المثال من تجارب اليمن وأرض الصومال والسودان وليبيا التي أظهرت نموذجاً شبه متطابق لهذه الاستراتيجية، حيث يبدأ النفوذ اقتصادياً ثم يتحول إلى أدوات ضغط تعيد تشكيل الدولة الوطنية، حيث تعتبر الدراسة أن إسقاط هذا النموذج على الحالة المصرية احتمال لا يمكن تجاهله، خاصة مع التوسع الإماراتي في الأصول الاستراتيجية داخل مصر.

 

https://eipss-eg.org/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%b4%d8%a7%d9%85%d9%84%d8%a9-%d8%a8/

التقييم الاستراتيجي الشامل للدور الإماراتي في مصر بعد 2013

وعن منهج تقييم العلاقة طرح الباحث سؤالاً مركزياً حول طبيعة الدور الإماراتي في مصر: هل هو شراكة استراتيجية متكافئة أم نفوذ متنامٍ يقترب من صيغة “الاحتلال الناعم”؟ واعتمد التقييم على تحليل التداخل بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، وعلى اختبار الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن شراكة، وبين الممارسة الفعلية التي تكشف عن مستويات متزايدة من التأثير في القرار المصري، هذا المدخل يوضح أن فهم الدور الإماراتي يتطلب قراءة شاملة تتجاوز الدعم المالي إلى دراسة بنية النفوذ المتشكل داخل الدولة المصرية.

التقييم الاقتصادي: دعم مالي أم إعادة تموضع نفوذ؟

وأضاف أن الإمارات قدمت دعماً مالياً مهماً ساعد مصر على تجاوز لحظات اقتصادية حرجة، لكن طبيعة هذا الدعم تكشف عن تحول من منطق “إنقاذ الدولة” إلى منطق “إعادة تشكيل ملكية الدولة”، فبدلاً من الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل، اتجهت أبوظبي نحو الاستحواذ على أصول استراتيجية قائمة، مثل الموانئ وشركات الأسمدة وشركات الحاويات، إضافة إلى صفقات كبرى مثل مشروع رأس الحكمة.

واستشعر أن هذا التحول يعكس انتقالاً من دعم الاقتصاد المصري إلى إعادة توزيع النفوذ داخل بنيته، كما يبرز التوتر بين مصالح الإمارات الاقتصادية ومصالح المؤسسة العسكرية المصرية، وهو توتر يضع السيسي في موقع الموازنة بين طرفين يمتلك كل منهما أدوات ضغط مؤثرة على القرار الاقتصادي والسيادي.

التقييم السياسي: بين دعم الاستقرار والتأثير في القرار

وقال: إن "الإمارات لعبت دوراً محورياً في تثبيت النظام السياسي المصري بعد 2013، وقدمت غطاءً إقليمياً ودولياً ساعد القاهرة على تجاوز مرحلة انتقالية حساسة، ومع مرور الوقت، تحول هذا الدعم إلى نفوذ سياسي بنيوي مرتبط بملفات الاقتصاد والإعلام والتحالفات الإقليمية، ما منح الإمارات قدرة غير مباشرة على التأثير في مسار القرار السياسي المصري".

وأوضح أنه رغم ذلك، لا تزال الدولة المصرية تحتفظ بجزء من استقلال قرارها، لكنها تعمل ضمن معادلة دقيقة تحاول فيها الموازنة بين الحاجة للدعم الإماراتي والحفاظ على خطوط حمراء سيادية، وهي معادلة تعكس هشاشة البيئة الاقتصادية والسياسية التي تتحرك فيها القاهرة.

التقييم الأمني والعسكري: تقاطع مصالح وحدود صدام

وتتلاقى مصر والإمارات في ملفات مثل مكافحة الإسلام السياسي وبعض مسارات الأزمة الليبية، ما يعكس شراكة أمنية في نطاقات محددة، لكن هذا التقاطع لا يلغي وجود تناقضات بنيوية في ملفات أخرى مثل السودان واليمن والقرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر، حيث تختلف أولويات الطرفين رغم وجود مصالح مشتركة.

ويبرز التركيز الإماراتي على النطاقات الساحلية المصرية، مثل الساحل الشمالي الغربي وموانئ خليج السويس، بوصفه جزءاً من استراتيجية تجمع بين النفوذ الاقتصادي والأمني، هذا التمدد يمنح الإمارات قدرة على التأثير في الممرات البحرية الحيوية، ويخلق نفوذاً طويل الأمد يتجاوز الاستثمار إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالدولة المصرية.

إذن تكشف الدراسة أن الدور الإماراتي في مصر يعكس تحوّلاً أوسع في النظام الإقليمي العربي، من منطق الدولة إلى منطق الشبكات، ومن السيادة الصلبة إلى النفوذ المرن، وتؤكد أن الأهداف الإقليمية للإمارات تتعارض في عدة ملفات مع الأمن القومي المصري، وأن استمرار هذا المسار دون مراجعة استراتيجية يشكل تهديداً مباشراً لوحدة الدولة واستقلال قرارها. وتخلص الورقة إلى أن أي نظام يدير شؤون المصريين، يجب أن يبني علاقاته الخارجية على مبادئ الأمن القومي المصري، لا على مصالح النظام السياسي.