مجدي الشبعاني / يكتب :هل يملك العالم الإسلامي مشروعه الخاص للأمن والاستقرار؟

- ‎فيمقالات

 

لم تعد الأزمة في العالم الإسلامي أزمة صراعات متفرقة، بل أزمة غياب الإطار الذي يضبط هذه الصراعات ويمنع تحولها إلى اقتتال مفتوح. فالمشكلة لم تعد في تعدد بؤر التوتر، بل في غياب منظومة مشتركة تحكم العلاقة بين الدول الإسلامية وتضبط سلوكها عند الاختلاف.

 

والأخطر من ذلك أن هذا الفراغ لا يرتبط فقط بتعقيدات الواقع السياسي، بل يعكس غياب تصور مؤسسي جامع، حيث تُدار العلاقات بين الدول الإسلامية خارج إطار مرجعي ملزم، رغم توفر مرجعية دينية وقيمية قادرة -نظريا- على إنتاج هذا الإطار.

 

وفي هذا السياق، تبدو المفارقة واضحة: العالم الإسلامي يمتلك من الثوابت ما يؤهله لبناء نظام إقليمي منضبط، لكنه لم يحول هذه الثوابت إلى قواعد حاكمة. فهناك جملة من المبادئ المستقرة في الشريعة الإسلامية يمكن أن تشكل أساسا لهذا النظام، من أبرزها: حرمة الدم، وتحريم الاقتتال الداخلي، وتقديم الصلح، وحفظ المصالح العامة، ومنع الفتنة، وهي كلها قواعد ليست أخلاقية فحسب، بل قابلة للتحول إلى التزامات سياسية بين الدول.

 

    تبرز إمكانية قيام إطار تنسيقي بين دول تمتلك ثقلا عسكريا وسياسيا وجغرافيا متنوعا، مثل مصر وتركيا والسعودية والجزائر وباكستان، بحيث تشكّل هذه الدول نواة أولية لقوة استقرار إسلامية متوازنة

 

 

غير أن هذه الثوابت بقيت خارج دائرة التفعيل المؤسسي، في وقت تمتلك فيه الدول الإسلامية أطرا تنظيمية يمكن البناء عليها، مثل منظمة التعاون الإسلامي، التي تمثل الإطار الأوسع للعمل الإسلامي المشترك، إضافة إلى مؤسسات أخرى يمكن أن تُفعّل في هذا الاتجاه، كالمجالس الوزارية المشتركة، ومنصات التنسيق الأمني، والهيئات الفقهية التي يمكن أن تضفي مشروعية معيارية على أي ميثاق جامع. المشكلة أن هذه الأطر، رغم وجودها، لم تتحول إلى أدوات حقيقية لإدارة الأزمات أو منعها، بل بقيت في كثير من الأحيان إطارا شكليا لا يواكب حجم التحديات.

 

من هنا، يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل يمكن للعالم الإسلامي أن ينتقل من حالة الفراغ إلى بناء مشروعه الخاص للأمن والاستقرار، يقوم على ميثاق ملزم وقوة ضامنة؟

 

المشكلة في العالم الإسلامي ليست في تعدد الصراعات.. بل في غياب النظام الذي يمنعها. ولعل الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها بوضوح أن هذا الفراغ لم يُفرض بالكامل من الخارج، بل ساهمت في إنتاجه طبيعة العلاقات بين الدول الإسلامية نفسها، حين غلبت الحسابات السياسية الضيقة على أي تصور جماعي منظم، كما أن هذه العلاقات لم تُبنَ تاريخيا على إطار مؤسسي مستقر، بل على توازنات ظرفية سرعان ما تنهار عند أول اختبار. فتحولت الخلافات إلى صراعات، وتحولت الصراعات إلى ساحات مفتوحة للتدخلات.

 

في هذا السياق، يبرز الغياب الأول: غياب الميثاق. فرغم وحدة المرجعية الدينية، تُدار العلاقات بين الدول الإسلامية اليوم وفق توازنات آنية لا وفق إطار قيمي ملزم. هذا الغياب أفضى إلى سيولة في العلاقات، حيث يسهل الانتقال من التعاون إلى التوتر، ومن التوتر إلى القطيعة، دون وجود مرجعية حاكمة تُعيد الأمور إلى نصابها.

 

وفي حين أن الشريعة الإسلامية، في مقاصدها الكلية، تقدم أساسا صلبا لبناء هذا الإطار؛ فهي تحرّم الاقتتال الداخلي، وتقدّم الصلح على النزاع، وتحفظ الدماء، وترجّح المصلحة العامة على الصراعات السياسية، غير أن هذه المبادئ بقيت في دائرة الخطاب، ولم تتحول إلى نظام تعاقدي ملزم بين الدول.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ميثاق إسلامي للعلاقات بين الدول، لا بوصفه إعلانا أخلاقيا، بل إطارا قانونيا-سياسيا يضبط السلوك ويقيّد الانزلاق نحو الصدام، ويمكن أن يكون ذلك تحت رعاية منظمة التعاون الإسلامي مع تطوير آلياتها تدريجيا من إطار تنسيقي إلى إطار أكثر إلزاما؛ ميثاق يقوم على حظر استخدام القوة بين الدول الإسلامية، وإلزامية التحكيم والوساطة، وتحييد المدنيين والبنية الحيوية، وتجريم التحريض الذي يقود إلى النزاع. هذا الميثاق ليس نهاية الطريق، بل هو نقطة البداية لتأسيس نظام إقليمي منضبط.

 

لكن الميثاق، مهما كان متماسكا، يظل هشا إذا لم توجد قوة تحميه. وهنا يظهر الغياب الثاني: غياب القوة. فالعالم الإسلامي لا يفتقر فقط إلى القواعد، بل إلى آلية جماعية قادرة على فرض هذه القواعد عند الحاجة. وقد أثبت الواقع أن الاتفاقات يمكن أن تُنتهك، وأن الوساطات قد تفشل، وأن الأزمات قد تتصاعد بسرعة تفوق قدرة السياسة على احتوائها.

 

لذلك، لم تعد الحاجة إلى ميثاق فقط، بل إلى قوة إسلامية مشتركة للاستقرار، لا تُنشأ للحرب بل لمنعها، ولا تُستخدم للتصعيد بل لضبطه. وظيفة هذه القوة ليست القتال، بل الفصل بين الأطراف عند التصعيد، وتثبيت التهدئة، وحماية الممرات الحيوية، والتدخل الوقائي قبل الانفجار. إنها انتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الضبط الاستباقي للصراع، ومن إدارة الأزمات إلى منعها.

 

وهنا تتكامل الصورة: فالميثاق دون قوة يظل إعلان نوايا، والقوة دون ميثاق تتحول إلى أداة صراع جديدة. التحدي الحقيقي إذن ليس في اختيار أحدهما، بل في بناء العلاقة بينهما، بحيث يحدد الميثاق القواعد، وتضمن القوة احترامها. عند هذه النقطة فقط يمكن الحديث عن بداية تشكّل نظام إقليمي إسلامي حقيقي، يقوم على الاستقرار لا على التوازن الهش.

 

وفي هذا السياق، لا يكفي الحديث عن “قوة” بصيغة عامة، بل يقتضي الأمر التفكير في نواة واقعية يمكن أن تحمل هذا المشروع. وهنا تبرز إمكانية قيام إطار تنسيقي بين دول تمتلك ثقلا عسكريا وسياسيا وجغرافيا متنوعا، مثل مصر وتركيا والسعودية والجزائر وباكستان، بحيث تشكّل هذه الدول نواة أولية لقوة استقرار إسلامية متوازنة.

 

إن أهمية هذا التصور لا تكمن فقط في قدراته العسكرية، بل في ما يحققه من توازن داخلي داخل المجال الإسلامي نفسه، حيث يسهم في تقليص حالة التشظي، ويحدّ من ظاهرة تعدد مراكز التأثير غير المنضبطة، التي تتحرك أحيانا خارج أي إطار جامع، وتُستثمر في تغذية الانقسامات.

 

    العالم الإسلامي اليوم أمام خيارين واضحين: إما الاستمرار في إدارة الأزمات داخل فراغ تنظيمي مفتوح، أو الانتقال إلى بناء مشروعه الخاص للأمن والاستقرار

 

 

كما أن وجود قوة بهذا المستوى من التنسيق يبعث رسالة واضحة مفادها أن العالم الإسلامي قادر على إنتاج أدواته الذاتية لضبط التوازن، بدل أن يبقى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الخارجية أو رهينة لاختلالات داخلية. وهذا من شأنه أن يعيد تشكيل بيئة الصراع في المنطقة، ليس عبر التصعيد، بل عبر إرساء معادلة ردع متوازن تمنع الاستفراد بأي طرف، وتحدّ من توظيف الانقسامات لصالح مشاريع الهيمنة.

 

وعلى هذا الأساس، فإن هذه القوة لا تُفهم بوصفها أداة اصطفاف، بل كآلية لإعادة التوازن، وكخطوة نحو نقل العالم الإسلامي من حالة التشتت إلى حالة القدرة على إدارة خلافاته ضمن إطار منضبط، يحدّ من الانزلاق إلى الصراع، ويعزز مناعته الجماعية في مواجهة التحديات.

 

قد يبدو هذا الطرح طموحا في ظل الانقسامات الراهنة، لكن البديل عنه هو ما نعيشه بالفعل: صراعات مفتوحة، وتدخلات خارجية، واستنزاف مستمر. وإذا استمر هذا الفراغ، فإن هذه الصراعات لن تبقى ضمن حدودها الحالية، بل ستتحول إلى نمط دائم يعيد إنتاج نفسه ويستنزف المنطقة بأكملها.

 

والتجارب الدولية تثبت أن أي نظام إقليمي مستقر لم ينشأ دفعة واحدة، بل بدأ بفكرة، ثم تحوّل إلى ميثاق، ثم إلى آليات تنفيذ. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن بناء هذا المشروع؟ بل: كم ستكلفنا حالة غيابه إذا استمرت؟

 

وقد لا يبدأ هذا المشروع بخطوة كبرى، بل بخطوة صغيرة ذات دلالة: إعلان مبدئي لميثاق عدم الاقتتال بين عدد محدود من الدول، يتبعه تدريجيا بناء آلية تنسيق أمني مشترك تتطور مع الزمن. فالمشروعات الكبرى لا تبدأ مكتملة، بل تنمو حين تتوفر الإرادة.

 

في النهاية، يقف العالم الإسلامي اليوم أمام خيارين واضحين: إما الاستمرار في إدارة الأزمات داخل فراغ تنظيمي مفتوح، أو الانتقال إلى بناء مشروعه الخاص للأمن والاستقرار؛ مشروع يقوم على ركيزتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى: ميثاق يحكم العلاقات وفق الشريعة ومقاصدها، وقوة تحمي هذا الميثاق وتمنع انهياره.

 

فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على تنظيم هذه الموارد داخل نظام يحميها من نفسها قبل غيرها. وفي لحظة تاريخية تتآكل فيها الأطر الدولية، قد يكون أخطر ما يواجه العالم الإسلامي ليس قوة خصومه.. بل استمرار غياب المشروع الذي يحميه من نفسه قبل غيره.