ارتفعت أسعار اليوريا عالميًا من 516 إلى 683 دولارًا للطن خلال أيام، وتوقفت أكبر منشأة لإنتاج اليوريا في قطر بعد استهداف منشآت الغاز الطبيعي المسال، بينما خفّضت دول خليجية إنتاج الكبريت، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة الفوسفاتية. هذه التطورات دفعت دولًا مثل الهند وباكستان وبنجلاديش إلى تقليص إنتاجها المحلي أو إغلاق مصانعها بسبب نقص الغاز، ما زاد الضغط على السوق العالمي.
وتُعد مصر من أكبر منتجي الأسمدة في الشرق الأوسط، وتملك طاقات إنتاجية ضخمة في اليوريا والأمونيا والأسمدة الأزوتية. لكن ارتباطها بالسوق العالمي يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار الدولية. ومع ارتفاع الأسعار عالميًا، ارتفعت أيضا أسعار الأسمدة في السوق المحلي، خاصة في السوق الحر، حيث تجاوزت أسعار بعض الأنواع 20 ألف جنيه للطن، ووصل سعر شيكارة الأسمدة في السوق السوداء إلى أكثر من 5600 جنيه.
والأسعار في السوق السوداء تشهد قفزات كبيرة لتعبر عن أسعار تفوق الأسعار الرسمية للطن فوفق تقرير 8 مارس 2026:
نترات النشادر 33.5% مخصوص: 22,333 جنيه للطن
نترات النشادر 33.5% عادي: 16,550 جنيه للطن
سلفات النشادر 20.6% مخصوص: 20,541 جنيه للطن
وهذه الأسعار الرسمية تختلف عن أسعار السوق السوداء التي تُباع فيها الشيكارة بأسعار أعلى بكثير.
ورغم أن الإنتاج المحلي يغطي الاحتياجات الأساسية، فإن الشركات المصرية تميل إلى التصدير عندما ترتفع الأسعار العالمية، ما يخلق فجوة في السوق المحلي ويزيد الضغط على المزارعين. هذا الوضع يهدد بارتفاع تكلفة الزراعة، وبالتالي ارتفاع أسعار المحاصيل، في وقت يعاني فيه السوق المصري أصلًا من ضغوط تضخمية.
مضيق هرمز
تسببت الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز في واحدة من أخطر الهزات التي يشهدها سوق الأسمدة العالمي منذ أزمة روسيا–أوكرانيا. فالممر البحري الذي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة الأسمدة النيتروجينية أصبح شبه مشلول، ما أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار عالميًا، وانعكس ذلك على دول عديدة تعتمد على الخليج في وارداتها أو في استقرار السوق العالمي.
هذه التطورات لم تبقَ بعيدة عن مصر، رغم كونها منتجًا كبيرًا للأسمدة، كما تزامنت مع تحولات لافتة في إمبراطورية ناصف ساويرس، أحد أبرز المستثمرين في هذا القطاع عالميًا.
إعادة تموضع في لحظة اضطراب عالمي
في خضم هذه الأزمة، أعلن ناصف ساويرس تنحيه عن منصب الرئيس التنفيذي لشركة OCI Global، إحدى أكبر شركات الأسمدة في العالم، بعد أكثر من عقدين من قيادتها. ورغم أن البيان الرسمي أشار إلى “التزامات مهنية أخرى”، فإن مراقبين ربطوا الخطوة بمحاولة إعادة إحياء صفقة الاندماج مع أوراسكوم كونستراكشون، التي تعطلت سابقًا بسبب مخاوف تتعلق بنفوذه داخل مجلس الإدارة.
هذه الخطوة تأتي ضمن سلسلة تحركات استراتيجية لساويرس، شملت بيع أصول ضخمة في قطاع الميثانول بقيمة 2 مليار دولار، ورفع إجمالي عائدات التخارج إلى 11.6 مليار دولار. كما تأتي في سياق توسع نفوذه في الإمارات، حيث نقل مكتب أعمال عائلته إلى أبوظبي، وعمّق شراكته مع “أدنوك” في مشروع “فيرتيغلوب”، أحد أكبر منتجي الأسمدة في المنطقة.
وفي تطور لافت، رشّحت شركة Adidas ساويرس لرئاسة مجلس إدارتها بدءًا من مايو المقبل، ما يعكس انتقاله إلى مرحلة جديدة من النفوذ العالمي، بعيدًا عن الإدارة التنفيذية المباشرة في قطاع الأسمدة.
تحولات استراتيجية في لحظة حساسة
تزامن خروج ساويرس من قيادة OCI Global مع أزمة عالمية في سوق الأسمدة يطرح تساؤلات حول توقيت القرار. فبينما تتعرض الصناعة لضغوط غير مسبوقة، يبدو أن ساويرس يعيد تموضعه نحو قطاعات أكثر استقرارًا وربحية، مثل البنية التحتية الأميركية والرياضة العالمية، مع الحفاظ على نفوذه الاستثماري في الإمارات.
هذه التحركات تعكس قراءة مبكرة للتغيرات في السوق العالمي، وربما استعدادًا لمرحلة جديدة تتطلب إعادة هيكلة أعمق في قطاع الأسمدة، الذي يواجه الآن تحديات جيوسياسية وبيئية واقتصادية متشابكة.
وأدى التصعيد العسكري في الخليج إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن في مضيق هرمز، وهو ما حذّر منه خبراء الأمن الغذائي باعتباره تهديدًا مباشرًا لسلاسل الإمداد الزراعية. تقارير دولية أكدت أن إغلاق المضيق لا يهدد النفط فقط، بل يهدد الأسمدة التي تعتمد عليها الزراعة الحديثة، إذ تشكل الأسمدة النيتروجينية وحدها أساسًا لنحو نصف الإنتاج الغذائي العالمي. وقد وصف خبراء الوضع بأنه “لا يمكن أن يحدث في توقيت أسوأ”، نظرًا لتزامنه مع مواسم زراعية حساسة في آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية.
وحذرت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي من أن الأزمة قد تكون مدمرة للأمن الغذائي العالمي، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والنقل سيقود إلى ارتفاع أسعار الأسمدة، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء. وأكدت أن الفئات الأكثر هشاشة ستكون الأكثر تضررًا، خصوصًا في إفريقيا وجنوب آسيا، حيث تمثل الأسمدة ما يصل إلى نصف تكلفة الإنتاج الزراعي.
كما أشارت تحليلات اقتصادية إلى أن أسعار الأسمدة النيتروجينية قد تتضاعف إذا استمرت الحرب، وأن أسعار الفوسفات قد ترتفع بنسبة تصل إلى 50%، ما يعيد العالم إلى مستويات أزمة 2022 أو يتجاوزها. هذا السيناريو يهدد بتراجع إنتاج محاصيل رئيسية مثل الذرة، التي تعتمد بشكل كبير على الأسمدة النيتروجينية.
الأسمدة في الخليج
وتساهم دول الخليج بنحو 45% من إنتاج اليوريا عالميًا، ما يجعل أي استهداف للبنية التحتية هناك عاملًا مباشرًا في تضخيم الأزمة. الهجمات على منشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر أدت إلى توقف الإنتاج في أحد أكبر مواقع إنتاج اليوريا في العالم، بينما خُفّض إنتاج الكبريت في مناطق أخرى من الشرق الأوسط. هذه التطورات تشير إلى أن الأزمة قد لا تكون مؤقتة، بل قد تتحول إلى أزمة هيكلية إذا طال أمد الحرب أو توسعت الهجمات.
ويبدو أن الأزمة الحالية ليست مجرد ارتفاع في أسعار الأسمدة، بل تهديد مباشر لسلاسل الإمداد الزراعية العالمية. ومع استمرار الحرب على إيران وتعطل مضيق هرمز، تتزايد المخاوف من موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء، قد تكون أعنف من أزمة 2022. وفي هذا السياق، تبدو تحركات ناصف ساويرس جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لخريطة صناعة الأسمدة عالميًا، في وقت تدخل فيه الأسواق مرحلة من عدم اليقين العميق.