متى عاش المصريون أصلاً في رفاهية حتى يُطلب منهم التقشف؟
أعلنت حكومة الانقلاب ، أمس الثلاثاء، بدء إجراءات واسعة لـ"ترشيد الإنفاق" داخل مؤسسات الدولة، مبررة القرار بالتطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. غير أن القرار أثار موجة تساؤلات وانتقادات، في ظل واقع اقتصادي صعب يعيشه المصريون منذ سنوات، حيث يرى مراقبون أن الحديث عن التقشف يأتي في بلد لم يعرف أغلب مواطنيه الرفاهية أصلاً.
تقشف جديد فوق معاناة قديمة
قالت الحكومة في بيان إنها بدأت فوراً تنفيذ إجراءات لخفض استهلاك الوقود والكهرباء داخل الجهات الحكومية، مع مراجعة أنماط تشغيل المشروعات والخدمات التي تعتمد بشكل كبير على السولار والمازوت والبنزين، مع التأكيد على عدم المساس بالخدمات الأساسية للمواطنين.
كما أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قراراً بترشيد الإنفاق في الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات الاقتصادية، إضافة إلى توجيه المحافظين بمتابعة يومية لاستهلاك الكهرباء.
لكن معارضين يرون أن الحديث عن التقشف يبدو منفصلاً عن واقع الشارع المصري، حيث يعاني ملايين المواطنين بالفعل من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية منذ سنوات، خصوصاً منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في 2014، وهو الذي اعتاد مخاطبة المصريين بعبارة "اصبروا عليا" في كل موجة إجراءات اقتصادية جديدة.
الحرب ذريعة جديدة لرفع الأسعار
تزامن إعلان ترشيد الإنفاق مع قرار حكومي برفع أسعار الوقود مرة أخرى، في خطوة بررتها السلطات بالظروف "الاستثنائية" التي تمر بها أسواق الطاقة العالمية بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
وتعد هذه الزيادة واحدة من سلسلة زيادات متكررة في أسعار الوقود خلال السنوات الأخيرة، حيث رفعت الحكومة الأسعار أربع مرات خلال عامين فقط، في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي المرتبط بقرض صندوق النقد الدولي البالغ ثمانية مليارات دولار.
ويرى منتقدون أن الحرب في المنطقة أصبحت مبرراً جديداً لتمرير زيادات في الأسعار، ستنعكس بدورها على تكلفة النقل والسلع والخدمات، وهو ما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين.
تهديد بإحالة التجار للقضاء العسكري
وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتوقع، أعلنت الحكومة أنها تدرس إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، لمنع استغلال الظروف الاستثنائية في رفع الأسعار.
غير أن خبراء اقتصاد يرون أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بجشع بعض التجار، بل بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل نتيجة قرارات حكومية متتالية بزيادة أسعار الوقود والطاقة.
الخبز المدعم.. الخط الأحمر
من جانبه، أكد وزير التموين شريف فاروق أن الحكومة لن ترفع سعر الخبز المدعم رغم زيادة الوقود، مشيراً إلى أن رغيف الخبز سيظل بسعر 20 قرشاً.
ويمثل الخبز المدعم أحد أكثر الملفات حساسية في مصر، حيث يعتمد عليه عشرات الملايين من المواطنين يومياً، وأي تغيير في سعره قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية واسعة.
التضخم يواصل الارتفاع
في الوقت نفسه، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل التضخم السنوي في المدن ارتفع إلى 13.4% في فبراير، مقارنة بـ11.9% في يناير، مع زيادة شهرية بلغت 2.8%.
وسجلت أسعار الأغذية والمشروبات ارتفاعاً بنسبة 4.6%، وهو ما يعكس الضغوط المتزايدة على ميزانيات الأسر المصرية، خاصة مع تزامن الزيادة مع شهر رمضان الذي يرتفع فيه الاستهلاك عادة.
سؤال الشارع: تقشف لمن؟
وسط هذه التطورات، يطرح كثير من المصريين سؤالاً أساسياً: ما معنى إعلان التقشف في بلد يعيش فيه قطاع واسع من المواطنين أصلاً تحت ضغوط اقتصادية حادة؟
فبينما تتحدث الحكومة عن "ترشيد الإنفاق"، يقول منتقدون إن المواطن المصري يعيش منذ سنوات حالة تقشف قسري، مع تآكل الدخول وارتفاع الأسعار وتراجع مستوى المعيشة.
وفي ظل موجات الغلاء المتتالية، يخشى كثيرون أن تتحول الحرب في المنطقة إلى مبرر جديد لزيادة الأسعار والضرائب، في وقت لم يعد فيه لدى المواطن العادي ما يمكن تقشفه أصلاً.