مسئول بالطاقة الذرية : استهداف البنية النووية الإيرانية يهدد الخليج العربي

- ‎فيتقارير

حذر نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية السابق والمسئول النووي  ضمن فرق الوكالة الدولية الذرية للتفتيش على المنشآت النووية الدولية الدكتور علي عبد النبي  من أنّ 210 أطنان نفايات نووية مشعة في محطة بوشهر الإيرانية تهدّد بكارثة إقليمية إذا استهدفها القصف، في وقت تتسع رقعة الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران وتتآكل الحسابات العسكرية التقليدية، وتلوح في الأفق أخطر سيناريوهات التصعيد باستخدام الأسلحة النووية في منطقة مكتظة بالسكان والمنشآت الحساسة وشبكات الطاقة العالمية.

 

 

وكشف على عبد النبي ،في حوار لموقع العربى الجديد  عن  خطورة إقدام إسرائيل أو الولايات المتحدة على استهداف البنية النووية الإيرانية كأخطر مقامرة عسكرية تهدد منطقة الخليج العربي برمتها.

س: من واقع خبرتك الطويلة في مراقبة المشروعات النووية بمنطقة الشرق الأوسط، هل لدى إيران إمكانات لامتلاك قنبلة نووية؟

 

ج: من الناحية التقنية، يمكن لإيران أن تملك أو تكون جاهزة لصناعة قنبلة نووية، لأن لديها التكنولوجيا والخبراء الفنيين القادرين على صناعة قلب القنبلة، ولديها المصانع التي تستطيع بسهولة تجهيز جسم القنبلة خلال أيام ووضع المواد الانشطارية به. ويتبقى فقط أمامها السيطرة على تحديد موعد ومكان الانفجار بما لديها من تكنولوجيا متطورة ومستغلة حالياً في تصنيع صواريخ كروز والباليستية وتوجيهها بأنظمة خاصة بعيداً عن السيطرة الغربية.

وزير الطاقة القطري في المعرض الدولي للغاز الطبيعي المسال. الدوحة 2 فبراير 2026 (Getty)

اقتصاد دولي

 

وزير الطاقة القطري: النفط قد يبلغ 150 دولاراً ويهدد الاقتصاد العالمي

 

ولكن إيران تتبع نفس الأسلوب الذي تنتهجه إسرائيل حول مدى امتلاكها لبرنامج نووي عسكري، الذي يعتمد سياسياً على الغموض، فهي لا تنفي قدراتها ولا تؤكد ما يدور حولها من شبهات. ولكنها ستظهر بالتأكيد قدرتها على ذلك في حالة إذا ما تعرض نظامها للموت تحت القصف، عبر ضربات نووية من الجانب الأميركي أو الإسرائيلي، الذي يبدو في الأفق متوقعاً في ظل رغبة إسرائيل في تصفية كافة قدرات إيران العسكرية والنووية وإزاحة النظام الحاكم تماماً. هذه الشهوة قد تدفعهم لارتكاب أفعال مجنونة، مثل ضرب المفاعل النووي في بوشهر الواقع على الخليج العربي، باعتباره من أهم مصادر اليورانيوم والمواد المشعة اللازمة للبرنامج النووي الإيراني.

س: تعرضت المنشآت النووية داخل إيران للتدمير من قبل، ولم نرصد خطورتها خارج أو داخل إيران، فما الخطورة من التفجير المحتمل لمحطة بوشهر النووية؟

 

ج: موقع بوشهر النووي يحتوي على:

 

    مفاعل بوشهر-1، وهو يعمل تجارياً منذ سبتمبر/ أيلول 2013.

    مفاعل بوشهر-2، تحت الإنشاء، ووصلت نسبة الإنجاز فيه إلى مراحل متقدمة من الأعمال الإنشائية الكبرى، حيث كان العمل جارياً على صب الخرسانة المسلحة لمبنى المفاعل وتركيب بعض المعدات الأساسية.

    مفاعل بوشهر-3، لا يزال في مراحل الإنشاءات الأولية، إذ جرى وضع الأساسات وتحضير الموقع لإقامة المفاعل.

 

وقد اتخذت روسيا قرارها عقب اندلاع الحرب بـ"تعليق العمل" به، والذي يشمل مواقع بناء الوحدتين الثانية والثالثة (بوشهر-2 و3) وليس المفاعل الأول الذي يعمل حالياً، وذلك لتقليل وجود العمال في الأماكن المفتوحة أثناء الضربات الجوية من جانب إسرائيل والولايات المتحدة. بهذه الحالة، ستظل المحطة تعمل لإنتاج الطاقة النووية، بما فيها من وقود نووي مستخدم في تشغيل مفاعل بوشهر-1 والموجود في قلب المفاعل، أي داخل وعاء الضغط وداخل وعاء الاحتواء، ويبلغ وزن هذا الوقود نحو 72 طناً.

الغاز الروسي في أوروبا، فيلكي كابوساني في سلوفاكيا في 28 فبراير 2025 (الأناضول)

طاقة

 

وكالة الطاقة الدولية تحذر من عودة أوروبا للاعتماد على الغاز الروسي

 

يتم تغيير ثلث هذا الوقود بحجم 24 طناً سنوياً، وهو ما يطلق عليه الوقود المستنفد، الذي يخزن في أحواض ماء داخل وعاء احتواء المفاعل لتبريده من الحرارة الشديدة ولتقليل شدة الإشعاع، لمدة لا تقل عن 5 سنوات، حتى يمكن نقله من مكان لآخر.

س: لماذا أسرعت روسيا على لسان مدير "روساتوم" الروسية للطاقة الذرية أليكسي ليخاتشوف بإخلاء مسؤوليتها عمّا سيحدث في المفاعل إذا ما تعرض لضربات عسكرية؟

 

ج: هذا قرار خطير، إذ تدير شركة روساتوم الروسية المفاعل منذ لحظات إنشائه وحتى فترة انتهاء تنفيذ مراحله كافّة، وبموجب الاتفاقية مع روسيا، تلتزم إيران بإعادة الوقود النووي المستنفد إلى روسيا لمعالجته. وخلال 14 سنة من تشغيل المفاعل، تجمعت كمية من الوقود المستنفد مقدارها 336 طناً (تعادل 24 طناً × 14 عاماً). وطبقاً للاتفاقية، فقد جرى شحن 126 طناً فقط من الوقود المستنفد إلى روسيا، وتبقى 210 أطنان عبارة عن نفايات مشعة مخزنة في أحواض الماء داخل المفاعل.

 

فأصبح الموقع به:

 

    72 طناً من الوقود النووي داخل وعاء ضغط المفاعل.

    210 أطنان نفايات مشعة موجودة في أحواض داخل وعاء الاحتواء.

 

هذا الوقود شديد الإشعاع وشديد السمية. ورغم وجود مستويات من الحماية لحفظ ما بداخل وعاء الاحتواء يصعب اختراقها، إلّا أنه إذا استطاع الإسرائيليون والأميركيون استهداف هذا الوقود بضربات قنابل أو صواريخ، وتناثر الوقود النووي داخل المفاعل وانتشر في البيئة الخارجية، ستحدث كارثة نووية على المستوى الإقليمي.

 

قد يفسر تصريح ليخاتشوف "ذريعة سياسية" لتبرير سحب خبرائه وإخلاء مسؤولية روسيا عن أي كارثة تحدث في موقع بوشهر، لكن الأرقام التي أطلقها أليكسي ليخاتشوف تضع المنطقة أمام سيناريو مرعب، فصرخته لم تكن مجرد توصيف تقني، بل تحذير من "هيروشيما إقليمية" موقوتة. إلا أنني أعتبر أن تصريح ليخاتشوف لم يكن مجرد "توصيف تقني"، بل سقطة سياسية وأمنية كبرى وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية والتعاقدية. ففي حالات الحروب والنزاعات، تعتبر طرق التواصل بين الدول الحليفة، ولا سيّما في قطاع حساس مثل الطاقة النووية، من أسرار الأمن القومي. إعلان ليخاتشوف أن القيادة العليا لقطاع الطاقة النووية الإيراني أصبحت خارج الخدمة تماماً؛ لا رد على الهواتف ولا الرسائل الإلكترونية، هو كشف مجاني للخصوم عن حالة الارتباك أو انقطاع القيادة والسيطرة داخل طهران.

حوض بناء السفن قبالة ساحل مدينة الفجيرة، في مضيق هرمز، 25 فبراير 2026 (جوزيبي كاكاس/فرانس برس)

طاقة

 

مخاوف الحرب الطويلة تصدم اقتصادات الخليج وأسواق الطاقة

 

فـ"روساتوم" هي مقاول بناء وتشغيل، ومسؤوليتها تنحصر في الجوانب الفنية واللوجستية. ليس من حق رئيسها تقييم أداء "القيادة العليا" للدولة المضيفة علناً، لأن ذلك يعتبر تدخلاً سياسياً يضر بسمعة الدولة الإيرانية وقدرتها على إدارة أزماتها.

س: ما هي تأثيرات انتشار هذه المواد النووية إذا ما وقع انفجار بالضربات بالأسلحة التقليدية؟

 

ج: شدة وقسوة الكارثة تعتمد على قوة تفجير القنبلة التقليدية أو حجم الطاقة التفجيرية للصاروخ الموجه لها. فإذا كانت قوة التفجير شديدة، سوف تنتشر المواد المشعة وترتفع في الجو لمسافات كبيرة، وأخطر هذه المواد هي عنصر "السيزيوم-137" و"اليود-131" و"السترونتيوم-90". هذه المواد تظل عالقة في الجو وتترسب على التربة، وحسب شدة الرياح واتجاهها تنتشر هذه المواد. فإذا كانت الرياح شديدة وفي اتجاه الخليج العربي، سوف تحمل التيارات الهوائية هذه المواد إلى أماكن بعيدة تغطي دول الخليج، مما يحول الحادث من مشكلة داخلية حول مفاعل بوشهر إلى سحابة عابرة للحدود.

210 أطنان نفايات نووية مشعة في بوشهر تهدّد بكارثة إقليمية إذا استهدفها القصف

يؤدي استنشاق كمية ضئيلة من هذه المواد، حتى لو كانت على بعد 200 أو 300 كيلومتر من بوشهر، ومع تجمع الجرعة المشعة المستنشقة مع مرور الوقت، تتحول إلى "جرعة قاتلة". لذلك فإن تسرب أي من الـ210 أطنان من النفايات المشعة سيحول الخليج العربي إلى منطقة منكوبة بيئياً لعقود، ولا سيما أن الرياح السائدة في منطقة بوشهر غالباً ما تكون شمالية غربية فتتجه نحو الجنوب والشرق، حيث دول الكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات، التي تقع في المسار المباشر لأي سحابة إشعاعية. هذه السحابة النووية قد تصل إلى سواحل هذه الدول في غضون من 12 إلى 24 ساعة فقط.

 

وفي حال حدوث انفجار للوقود النووي بالقنابل أو الصواريخ، أو انصهار قلب المفاعل نتيجة عدم وجود تبريد من مياه الخليج، سوف تتسرب مواد مثل السيزيوم-137 واليود-131 مباشرة إلى مياه الخليج وتتلوث، بما يهدد محطات تحلية المياه التي تعتمد عليها دول المنطقة كلياً، وسوف يحدث شلل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وتحدث كارثة بيئية واقتصادية ستطاول مياه الخليج والملاحة الدولية والدول المجاورة كافة.

س: لماذا لم نشهد هذه المخاوف عندما ضُربت المنشآت النووية القريبة من طهران في يونيو/ حزيران الماضي؟

 

ج: تعرض منشآت فوردو ونطنز والمجمع النووي في طهران لضربات مباشرة، ليست بالأهمية التي يشكلها بوشهر للدول الخليجية، لوجودها داخل إيران وعلى مسافة بعيدة من مياه الخليج. والأهم من ذلك، أن هذه المنشآت تعمل بمادة سادس فلوريد اليورانيوم، التي تستخدم في أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم.

 

هذا العنصر عبارة عن مادة كيميائية شديدة السمية تسبب حروقاً شديدة عند التلامس مع الجلد، حيث يتفاعل بشدة مع الماء أو الرطوبة في الهواء لينتج حمض الهيدروفلوريك وغاز يورانيل فلوريد، وهي مواد أكّالة لكل ما تلمسه. وإذا جرى استنشاقه، يدمر الرئة ويموت الإنسان. ورغم كونها مادة مشعة، إلا أنها ضعيفة الإشعاع، والإشعاع الخارج منها عبارة عن جسيمات "ألفا"، التي لا تستطيع المرور من جلد الإنسان، لكن خطورتها تكمن في استنشاقها بكميات ولفترات زمنية.