بالكلبشات وإلى المطار .. اعتقال تعسفي وترحيل قسري للاجئين السوريين في مصر

- ‎فيتقارير

أكدت تقارير حقوقية وشهادات ميدانية تصاعد الإجراءات الأمنية في مصر بحق السوريين خلال الأسابيع الأخيرة، مع توسّع حملات التفتيش والتوقيف التي طالت حتى من يحملون إقامات سارية أو بطاقات لجوء صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين. وتوضح هذه التقارير أن نظام تجديد الإقامات أصبح أكثر تعقيدًا، مع اشتراط موافقات أمنية مرتفعة التكلفة، ما دفع كثيرين إلى الوقوع في أوضاع قانونية غير منتظمة رغم تسجيلهم كلاجئين.

ونقلت منصات التواصل الاجتماعي صورا لشباب من اللاجئين السوريين مُقيَّدين بسلسلة كلبشات، تقتادهم السلطات المصرية إلى مركز في القاهرة لإخراج موافقة الترحيل من الأمن المصري. ويتم أخدهم بنفس الطريقة إلى السفارة لإخراج ورقة المرور.

اغلاق المسارات القانونية

وأوضح الإعلامي وسيم سمور، في ردّه على منشور لمحامٍ مصري، أن الحديث عن عدم وجود “ترحيل قسري” لا يعكس الواقع الذي يعيشه كثير من السوريين في مصر. وأشار إلى أن الحكومة أعلنت مهلة لتقنين الأوضاع، لكن المسارات القانونية المتاحة شبه مغلقة (طرد غير مباشر)، إذ لا تُمنح إقامات مفتوحة إلا للدراسة أو الاستثمار، بينما أصبحت الدراسة مكلفة بالدولار، والإقامة الاستثمارية معقدة ولا تناسب معظم السوريين. كما توقفت الإقامة السياحية، وأصبحت مواعيد اللجوء تمتد لعامين أو أكثر، إضافة إلى ارتفاع الرسوم بشكل كبير وبالدولار.

وأكد سمور وجود حالات موثقة لأشخاص يحملون إقامات سارية وتم توقيفهم أو ترحيلهم، مشيرًا إلى أن بعض المحتجزين يُنقلون بين جهات أمنية عدة للحصول على “براءة موقف”، وأن أوراقهم تُفقد أحيانًا، ما يعرّضهم للتوقيف مجددًا أثناء استخراج بدائل. وأضاف أن الترحيل يتم أحيانًا بشكل مفاجئ ومن دون منح الشخص فرصة لترتيب أموره، وأن المحتجز يتحمل تكلفة تذكرة السفر، وقد يبقى محتجزًا إذا لم يستطع دفعها.

 

وتحدث سمور عن شكاوى تتعلق بالرشاوى وسوء ظروف الاحتجاز، مؤكدًا أن بعض العائلات دفعت مبالغ كبيرة لتحسين معاملة ذويها. وروى حادثة تخص شقيقه البالغ 14 عامًا، الذي يحمل إقامة طالب، حيث تم توقيفه أثناء خروجه لشراء حاجيات، ولا يزال محتجزًا منذ ثلاثة أيام دون توضيح الأسباب.

 

وشدد سمور على أن السوريين يكنّون الاحترام للشعب المصري، وأنهم عاشوا في مصر بكرامة، وعملوا واستثمروا وشاركوا في تنشيط الاقتصاد، دون أن يكونوا عبئًا على الدولة. وأكد أن المطالبة بالوضوح وتطبيق القانون بعدالة لا تعني الإساءة أو توتير العلاقات، بل تهدف فقط إلى ضمان معاملة إنسانية لا تُجرّم السوري لمجرد كونه سوريًا.

 

 

https://www.facebook.com/Wsamor.nl

وتخلُص شهادات لعدد من السوريين والسوريات إلى أن “تعامل السلطات المصرية مع الملفّ، شهد تغييراً واضحاً بعد سقوط نظام بشّار الأسد، في ظلّ المخاوف التي أبدتها القاهرة حيال السلطة الجديدة بسبب تاريخها المتشدّد، ووجود جهاديين مصريين في بنيتها التنظيمية”، فيما تعزو “منصّة اللاجئين” سبب الحملة ضدّ اللاجئين بشكل عام إلى “توسّع التعاون المصري- الأوروبي في مجالات ضبط الهجرة والحدود”، مشيرة إلى أنها جمعت معلوماتها من مصادر أوّلية مباشرة، من بينها بلاغات من عائلات المتضرّرين، وشهادات ناجيات وناجين من الاحتجاز، ومعلومات حصلت عليها من محامين يتولّون الدفاع عن الضحايا.

وفي 16 فبراير الحالي، أصدرت منظّمة العفو الدولية تقريراً بعنوان “لاجئون يُضطرّون للاختباء وسط حملة قمع تشمل اعتقالات تعسّفية وعمليّات ترحيل غير مشروعة“، وصفت فيه عمليّات اعتقال اللاجئين وترحيلهم بأنها جاءت “دونما سبب سوى وضع اللاجئين القانوني المتعلّق بالهجرة غير النظامية”، مؤكّدة أن الإجراءات المصرية “تمثّل انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، ولأحكام قانون اللجوء المصري نفسه”، ودعت المنظّمة الحكومة المصرية إلى “وقف عمليّات الترحيل لكلّ من يحقّ له الحصول على الحماية بموجب القانون الدولي”، وطالبت بالإفراج الفوري عن جميع اللاجئين وطالبي اللجوء الذين احتُجزوا تعسّفياً لأسباب تتعلّق بالهجرة ليس إلا.

دور اللجان

وتمارس اللجان الالكترونية الوجه القبيح للحملة حيث توجه الشتائم والنعوت للسوريين وكتب أسامة الجمسي Osama Algamasy مقتنصا تعليقًا لأحد السوريين يقول: "لا بد من فرز وتصنيف السوريين في مصر، ولا يجوز إيقاف الإقامات عن الجميع كما يُقال!.. " فقال "الجمسي": "..لدينا أطفال، زوجات وأزواج، حالات إنسانية، معارضون للجولاني، وأقليات دينية قد تُذبح إذا عادت إلى سوريا.. نؤيد بشدة ترحيل أنصار الجولاني، وإرسالهم ليستمتعوا بسوريا الجديدة في أحضان بني أمية.. لكننا نعلم أيضًا أن توسيع دائرة الاشتباه أسهل كثيرًا من الفرز والتصنيف الدقيق، غير أن ذلك ينتج عنه ضحايا لا ذنب لهم.".

وأضاف، "نرجو إيجاد وسيلة سريعة لتلقي شكاوى المتضررين.. وحتى دون أي خط تواصل مباشر، فنحن في زمن الذكاء الاصطناعي، ويمكن تصنيف ملفات السوريين في مصر بالعلم والإرادة السياسية.".

الإعادة القسرية

وتتحدث منصات حقوقية، بينها منصة اللاجئين في مصر والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، عن انتهاكات لمبدأ عدم الإعادة القسرية، تشمل الاعتقالات والاحتجاز دون ضمانات قانونية كافية. كما وثّقت حملات توقيف في القاهرة والجيزة والإسكندرية، إضافة إلى استهداف أماكن عمل السوريين ومحالهم التجارية. وفي الوقت نفسه، تنتشر عبر مواقع التواصل حملات تنمّر وتحريض ضد السوريين، ما يزيد من شعورهم بعدم الأمان.

 

ورغم نفي وزارة الداخلية المصرية وجود ضوابط جديدة لدخول السوريين أو إقامتهم، تشير المعطيات الميدانية إلى تشديد واضح في الإجراءات، مع استمرار المداهمات حتى أثناء عمليات تجديد الإقامة. وتبرز شهادات عائلات متضررة، بينها زوجة المرحّل عاطف خالد الصلاح، التي تحدثت عن خوف واسع بين السوريين، وتوقف كثير من الرجال عن الخروج للعمل، إضافة إلى وجود سيارات اعتقال قرب السفارة السورية.

 

وتصف الشهادات ظروف الاحتجاز بأنها قاسية، حيث يُحتجز نحو 50 شخصًا مكبّلي الأيدي، ويُصادر جزء من الطعام والملابس التي تُرسل إليهم. كما يُرحَّل بعض المحتجزين مباشرة إلى سوريا دون السماح لهم باصطحاب أموال أو متعلقات شخصية. وتروي زوجة المرحّل أن زوجها اعتُقل من مكان عمله رغم حمله أوراقًا نظامية، وأُجبر على التوقيع على ورقة بيضاء تحت التهديد، بينما لم يُرحَّل آخرون لا يملكون أوراقًا، في تناقض يعكس غياب معايير واضحة.

 

وتعكس هذه الشهادات حالة قلق متزايدة داخل الجالية السورية في مصر، في ظل إجراءات أمنية مشددة، وغياب مسارات قانونية واضحة لتقنين الأوضاع، وتزايد المخاوف من الترحيل المفاجئ دون ضمانات أو مهلة لترتيب شئون الحياة.

 

وبدأت السلطات المصرية تطبيق إجراءات تنظيمية جديدة تخص دخول السوريين إلى البلاد منذ 8 فبراير الماضي، وتنص الضوابط على عدم قبول طلبات سفر السوريين القادمين من أربع دول هي: سوريا ولبنان والأردن والعراق، ما لم يكونوا يحملون إقامة مصرية سارية.

وتؤكد المصادر الرسمية أن القرار لا يشمل جميع السوريين، إذ يُسمح بالدخول لمن: يحمل إقامة مصرية سارية. أو يقيم في دول الخليج أو أوروبا ولديه ما يثبت صلاحية إقامته هناك.

وأغلقت الداخلية المسارات غير المباشرة التي كانت تُستخدم سابقًا، مثل: طلبات “الطلاب” التي كانت تُستغل للحصول على دخول. ومسارات “لمّ الشمل” عبر مكاتب السفر. وشراء التأشيرات عبر وسطاء.

وتنفي الجهات الرسمية أن يكون القرار “إغلاقًا لباب مصر أمام السوريين”، وتصفه بأنه تنظيم للمنظومة في ظل أوضاع إقليمية متوترة.

ويعيش في مصر نحو 1.5 مليون سوري، نسبة صغيرة منهم مسجلون كلاجئين، بينما اندمج الباقون في المجتمع وفتحوا أعمالًا وأسهموا في الاقتصاد المحلي في مناطق مثل 6 أكتوبر والعبور والشروق والإسكندرية ودمياط.

يرى مراقبون أن التنظيم حق سيادي للدولة، لكن توقيته قد يؤثر على سوريين يعيشون ظروفًا معقدة، خصوصًا من يعتمدون على السفر المتكرر أو من ينتظرون إجراءات لمّ الشمل أو تجديد الإقامات.