أثارت إحدى حلقات مسلسل رأس الأفعى موجة واسعة من السخرية والانتقاد بعد وقوع صنّاع العمل في خطأ تاريخي فادح، حين قدّموا إيحاءات تتهم الدكتور محمود عزت بالتخطيط لحادثة المنشية ومحاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1954. وكانت المفارقة التي فجّرت الجدل أن محمود عزت من مواليد 1944، أي أنه كان طفلًا في العاشرة من عمره وقت وقوع الحادث، ما يجعل الإيحاء الدرامي غير منطقي تاريخيًا ولا سياسيًا.
هذا الخطأ الزمني اعتبره مراقبون دليلًا على إصرار بعض الأعمال المحسوبة على الدولة على إلصاق أي تهمة بمعارض سياسي، حتى لو تعارض ذلك مع أبسط قواعد التاريخ. وذهب منتقدون إلى أن المسلسل لا يهدف إلى تقديم معالجة فنية أو توثيقية، بل يأتي ضمن سياق أوسع لتشويه الخصوم السياسيين، خاصة من يقبعون في السجون، وفي مقدمتهم محمود عزت الذي تشير تقارير حقوقية إلى تدهور أوضاعه الصحية داخل محبسه.
ويرى متابعون أن اللجوء إلى الدراما لإعادة كتابة التاريخ بهذه الطريقة يعكس حالة ارتباك واضحة، ومحاولة لإعادة تشكيل وعي الجمهور عبر رسائل سياسية مباشرة. ويشير هؤلاء إلى أن حادث المنشية نفسه ظلّ محل جدل تاريخي واسع، إذ اعتبره بعض المؤرخين مثل محمد نجيب ومصطفى محمود ومحمود فوزي «مُلفّقًا» أو «مُدبّرًا» لأهداف سياسية، وهو ما يجعل الخطأ الدرامي أكثر حساسية في سياق تاريخي لا يزال محل خلاف.
وقال حساب حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats:
«ويبقى السؤال: هل يمكن لعمل درامي أن يغيّر حقائق موثقة بالتاريخ؟ أم أن مثل هذه الأخطاء تفتح الباب أمام مزيد من التشكيك في الرواية الرسمية برمتها؟.. في معركة الوعي، تبدو الأرقام أصدق من السيناريوهات».
وسخر الصحفي سامي كمال الدين @samykamaleldeen قائلًا:
«تقريبًا هاني سرحان مؤلف رأس الأفعى كان سرحان.. طيب كلّمني أتأكد لك من قيادات الإخوان، أو اسأل محمود عزت عندك في السجن بدل إحراج الشركة المتحدة والدولة بالشكل ده».
https://x.com/samykamaleldeen/status/2025580179582578744
وقال حساب @Redpillisfuture:
«تنظيم 65 (وهو ما تروّج له اللجان لتصحيح خطئهم) كان هدفه قلب نظام الحكم، مش قتل ناصر.. أو ده اللي اتذكر في تقارير المخابرات واللي نفاها بعد كده صلاح نصر في مذكراته، وقال إن إعدام سيد قطب كان غير ضروري.. عامة أنا مش متابع المسلسل لكن علّقت بناءً على تغريدات تويتر، لأن حادث اغتيال ناصر الوحيد كان المنشية».
وأضاف الحساب:
«محمود عزت مواليد الأربعينات، وانضم للإخوان في الستينات، وكان طالبًا في كلية الطب.. حادث المنشية كان في الخمسينات، وأصلاً كان مسرحية عشان عبد الناصر يلاقي سبب قانوني لتصفية الإخوان».
وختم بقوله:
«عاوز تعمل مسلسل مفبرك اعمل، بس اجتهد شوية وركز في التواريخ.. ما هو لو اللي بيمثل أهبل، اللي بيتفرج عاقل».
https://x.com/Redpillisfuture/status/2025575683125043415
وأشار الحساب نفسه في تغريدة أخرى:
«صلاح نصر في مذكراته قال إن ناصر استغل حادث المنشية عشان يتخلص من الإخوان، وإن سيد قطب لا يستحق الإعدام.. صلاح نصر مجرم، لكن المجرم الحقيقي اللي صنع دولة المخابرات والاعتقالات هو ناصر اللي الناس الساذجة لسه مخدوعة فيه».
https://x.com/GhSh05/status//GhSh05/status/1960913476689313917
وعلّقت نسرين نعيم @nesrinnaem144:
«في مسلسل رأس الأفعى.. محمود عزت هو المسؤول عن تدبير محاولة اغتيال جمال عبد الناصر «حادث المنشية» عام 1954، رغم إن عزت مواليد 1944.. لا تغادر قبل أن تكتب سبحان الله!».
https://x.com/nesrinnaem144/status/2025396313668407646
وعلّق الصحفي نظام المهداوي @NezamMahdawi عبر هاشتاج #محمود_عزت:
«سبحان الله الذي أنصفك فيما حاولوا اغتيال شخصيتك وتاريخك.. تعرّف المصريون عليك، وقد كان كثيرٌ منهم يجهلك، فصار المسلسل وممثلوه، وحكم السيسي بأكمله، محلَّ تندّرٍ وسخرية».
وأضاف:
«أكثر من سبعين عامًا حكم فيها العسكر، وحكم الإخوان حكمًا هامشيًا لسنة واحدة، فاعتُقل قادتهم، وقُتل رئيسهم في السجن، وطورد كل إخوان مصر في الداخل والخارج.. وبعد نحو ثلاثة عشر عامًا، ما زال الإخوان “يحكمون” من خلال المسلسلات التي ينتجها السيسي كل عام».
وتابع:
«ولو أراد فعلًا محاربتهم، لاستثمر أموال تلك المسلسلات في تحسين ظروف معيشة المصريين، فيدرك الناس بأنفسهم الفرق بين حكم العسكر وحكم الإخوان».
https://x.com/NezamMahdawi/status/2025565072358027438
ظلّ حادث المنشية الذي وقع في 26 أكتوبر 1954 — والذي اتُّهم فيه الإخوان المسلمون بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر — واحدًا من أكثر الأحداث إثارة للجدل في التاريخ السياسي المصري. وبينما تبنّت الدولة الرواية الرسمية التي تؤكد وقوع محاولة اغتيال حقيقية، فإن عددًا من الكتّاب والمفكرين والمؤرخين قدّموا روايات مضادة، معتبرين أن الحادث كان مُفبركًا أو مُدبّرًا لتصفية جماعة الإخوان وإحكام قبضة السلطة.
من بين أبرز هؤلاء الكاتب الصحفي محمود فوزي، الذي تناول الحادثة في كتاباته التاريخية عن ثورة يوليو، وطرح تساؤلات حول التناقضات في مشهد إطلاق النار، وطبيعة الأدلة التي قُدمت، والدور الذي لعبته أجهزة الأمن في صياغة الرواية الرسمية. فوزي اعتبر أن الحادث كان جزءًا من «هندسة سياسية» هدفت إلى التخلص من الإخوان، وهو ما جعله من أوائل من شككوا في الرواية الرسمية.
أما المفكر مصطفى محمود، فقد تناول الحادثة في سياق نقده للحقبة الناصرية، معتبرًا أن ما جرى في المنشية لم يكن محاولة اغتيال حقيقية، بل «مسرحية سياسية» استُخدمت لتبرير حملة اعتقالات واسعة وإعدامات داخل السجن الحربي. ورأى أن الحادثة كانت نقطة تحول مفصلية في علاقة الدولة بالإخوان، وأنها فتحت الباب أمام مرحلة من القمع السياسي.
وتأتي مذكرات صلاح نصر — مدير المخابرات العامة في عهد عبد الناصر — كواحدة من أهم الشهادات التي أثارت الشكوك حول الحادث. ففي مذكراته، يلمّح نصر إلى أن الحادثة لم تكن بالبساطة التي رُويت بها رسميًا، وأن أجهزة الدولة كانت قادرة على «صناعة» أحداث سياسية لخدمة أهدافها. ورغم أنه لم يصرّح بشكل مباشر بأن الحادث مفبرك، فإن الإيحاءات التي قدمها كانت كافية ليعتمد عليها كثير من الباحثين في التشكيك في الرواية الرسمية.
أما الرئيس محمد نجيب — أول رئيس لمصر بعد ثورة يوليو — فقد كان الأكثر وضوحًا في التشكيك في الحادث. ففي مذكراته كنت رئيسًا لمصر، كتب نجيب أن حادث المنشية كان «مُدبّرًا»، وأنه استُخدم كذريعة لإقصاء الإخوان، ولإقصائه هو شخصيًا من المشهد السياسي. واعتبر أن الحادثة كانت جزءًا من صراع السلطة داخل مجلس قيادة الثورة، وأن عبد الناصر استغلها لإحكام سيطرته على الدولة.
هذه الشهادات المتعددة — من كتّاب وصحفيين ومفكرين ورجال دولة — شكّلت الأساس الذي اعتمد عليه كثير من الباحثين في القول بأن حادث المنشية لم يكن محاولة اغتيال حقيقية، بل أداة سياسية استُخدمت لإعادة تشكيل المشهد السياسي المصري في منتصف الخمسينيات.
شهود آخرون
قدّم عدد من المفكرين والباحثين — خصوصًا من داخل التيار الإسلامي أو من الدارسين لتاريخ الحقبة الناصرية — روايات مضادة تصف الحادث بأنه تمثيلية سياسية أو «مسرحية» استُخدمت لتصفية جماعة الإخوان المسلمين وإحكام قبضة السلطة على الدولة.
من بين أبرز من تبنّوا هذا الطرح المؤرخ الدكتور جابر قميحة، الذي تناول الحادثة في دراسة مطوّلة بعنوان حادثة المنشية.. الحقيقة الضائعة، وطرح فيها تساؤلات حول تسلسل الأحداث، وأداء محكمة الشعب، وطبيعة الأدلة التي قُدمت ضد المتهمين. وقدّم قميحة قراءة نقدية تعتبر أن الحادثة لم تكن محاولة اغتيال حقيقية، بل جزءًا من سيناريو سياسي مُعد مسبقًا.
كما تناولت بعض البرامج الحديثة — مثل برنامج القصة وما فيها للإعلامية ريهام عياد — هذا الجدل، وطرحت سؤالًا مباشرًا حول ما إذا كانت محاولة الاغتيال حقيقية أم «مسرحية سياسية». ورغم أن البرنامج لا ينحاز لرواية محددة، فإنه يعرض الحجج التي يستند إليها أصحاب نظرية «التمثيلية».
أبرز من أُعدموا في قضية المنشية
من بين أبرز من طالتهم أحكام الإعدام بعد حادث المنشية الشيخ محمد فرغلي، أحد قيادات النظام الخاص في جماعة الإخوان المسلمين، والذي تشير شهادات متعددة إلى أنه كان معتقلًا قبل الحادث ثم أُفرج عنه لفترة قصيرة قبل أن يُعاد اعتقاله ويُدرج ضمن المتهمين. كما أُعدم القاضي عبدالقادر عودة، أحد أهم رجال القانون في مصر، والذي كان أيضًا معتقلًا قبل الحادث ثم أُطلق سراحه في إطار تهدئة سياسية قبل أن يُعاد اعتقاله بعد حادث المنشية مباشرة.
وشملت أحكام الإعدام كذلك يوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، ومحمود عبد اللطيف — الذي اتُّهم بأنه مطلق النار — إضافة إلى هنداوي دوير الذي اتُّهم بأنه العقل التنظيمي للعملية.
وأُعدم الستة من الإخوان — ومنهم الشيخ محمد فرغلي — في 4 أو 7 ديسمبر 1954 بأمر جمال عبد الناصر بتهمة محاولة اغتياله في حادث المنشية. كان فرغلي قياديًا بارزًا في الإخوان المسلمين، وقاد كتائبهم في حرب فلسطين 1948، واتُّهم مع آخرين بالتخطيط للاغتيال، لكن الإخوان نفوا التهمة، معتبرين الحادث مؤامرة سياسية. وقد أثارت المحاكمة العسكرية جدلًا واسعًا، ويُعتقد أن الإعدام كان جزءًا من حملة لقمع الإخوان بعد انقلاب 1952. وتشير مصادر إخوانية إلى أن بريطانيا كانت قد رصدت جائزة قدرها 5000 جنيه للقبض عليه، مما يعزز الرواية السياسية لإعدامه.
أما القاضي عبدالقادر عودة — أحد أبرز رجال القانون في مصر وصاحب مؤلفات قانونية مرجعية — فقد كان أيضًا معتقلًا قبل الحادث، ثم أُفرج عنه ضمن محاولات التهدئة بين الإخوان والضباط. وبعد حادث المنشية، أعيد اعتقاله، واتُّهم بأنه «المسؤول الشرعي» عن الجماعة، وأنه وفّر الغطاء الفكري والتنظيمي للعملية، رغم غياب أي دليل مادي يربطه بالحادث. وقد أثار إعدامه صدمة واسعة في الأوساط القانونية داخل مصر وخارجها.
إذا رغبت، يمكنني تلخيص النص، أو إعادة صياغته بأسلوب صحفي احترافي، أو تحويله إلى تقرير أو مقال رأي.