قناة السويس تدفع ثمن الاضطراب الإقليمي وسوء الإدارة

- ‎فيتقارير

تعافٍ بطيء وإيرادات دون المستهدف رغم التطمينات الرسمية

بعد أكثر من عامين من الاضطرابات المتواصلة في البحر الأحمر، تجد قناة السويس نفسها عالقة بين تعافٍ هش لا يرقى إلى مستوى الأزمة، وبين واقع اقتصادي يكشف محدودية إدارة المخاطر، وتراجع القدرة على استعادة الثقة الدولية، فبينما تتحدث الحكومة المصرية عن مؤشرات تحسن، تعكس الأرقام الفعلية استمرار نزيف الإيرادات، وتآكل موقع القناة في خريطة الملاحة العالمية.

ورغم إعلان شركتي الشحن العملاقتين "ميرسك" و"هاباج لويد" استئناف عبور محدود لبعض سفنهما عبر القناة اعتبارًا من منتصف فبراير 2026، فإن هذه العودة تظل جزئية ومشروطة بحماية أمنية مشددة، ما يعكس استمرار الشكوك لدى شركات الشحن بشأن استقرار الممر الملاحي، وفشل الإدارة الحالية في تقديم ضمانات طويلة الأجل.

تعافٍ أقل من 60% وإيرادات دون مستويات ما قبل الحرب

تشير بيانات غرفة الملاحة البحرية المصرية إلى أن حركة العبور خلال يناير 2026 لم تتجاوز 60% من مستويات ما قبل أكتوبر 2023، وهو ما يؤكد أن القناة لم تستعد عافيتها الفعلية، رغم مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب في غزة، كما تظهر الأرقام أن الزيادة المعلنة في الإيرادات، والتي بلغت 18.55% خلال النصف الأول من العام المالي 2025 – 2026، لا تعكس تعافيًا حقيقيًا، بل تأتي من قاعدة منخفضة، وتظل دون متوسطات ما قبل الأزمة.

ويعزو خبراء هذا الأداء الضعيف إلى اعتماد إدارة القناة على خطاب تطميني، بدلًا من تبني استراتيجية مرنة لإدارة المخاطر، وتنويع أدوات الجذب، وتقديم حوافز قادرة على منافسة المسارات البديلة، وفي مقدمتها طريق رأس الرجاء الصالح.

التصعيد الأميركي–الإيراني يعمّق الخسائر

يلقي التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران بظلال ثقيلة على مستقبل الملاحة في قناة السويس، في ظل استمرار التوتر في باب المندب وبحر العرب، وتصاعد تهديدات الحوثيين ضد السفن المرتبطة بإسرائيل والغرب، ويرى خبراء النقل البحري أن هذا المناخ الأمني يضاعف من خسائر القناة، التي باتت رهينة صراعات إقليمية تتجاوز قدرتها على التأثير أو الاحتواء.

ويؤكد خبير النقل البحري حمدي برغوث أن استمرار هذا التوتر يفرض على شركات الشحن إعادة تقييم مخاطر المرور بالقناة، مشيرًا إلى أن غياب حلول سياسية شاملة للصراع في المنطقة يجعل التعافي الكامل أمرًا بعيد المنال، وقد يمتد التأثير السلبي حتى نهاية 2026.

تخفيضات بلا نتائج حاسمة

ورغم لجوء هيئة قناة السويس إلى تقديم تخفيضات على رسوم العبور، خاصة للسفن العملاقة القادمة من آسيا وأميركا الجنوبية، فإن هذه السياسات لم تنجح حتى الآن في إحداث اختراق حقيقي في حركة الملاحة، ويعتبر مراقبون أن هذه التخفيضات جاءت متأخرة، وافتقرت إلى رؤية متكاملة، في وقت كانت فيه شركات الشحن قد أعادت بالفعل رسم خرائطها اللوجستية بعيدًا عن القناة.

كما أن ربط العودة الكاملة للملاحة بتحسن الأوضاع الأمنية فقط، دون معالجة أوجه القصور الإدارية والمالية، يكشف محدودية التعاطي الرسمي مع الأزمة، وتحويلها إلى ملف أمني بحت، بدلًا من كونها أزمة اقتصادية واستراتيجية.

قناة السويس خارج المعادلة الكبرى

يرى محللون أن قناة السويس أصبحت إحدى ضحايا الحرب التجارية العالمية، لا سيما الصراع الأميركي–الصيني، حيث تُستخدم الممرات الملاحية كورقة ضغط في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، وفي هذا السياق، تبدو إدارة القناة عاجزة عن حماية موقعها التاريخي، أو التكيف مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

وبين تعافٍ بطيء، وثقة دولية منقوصة، وإيرادات دون المستهدف، تبرز أزمة قناة السويس اليوم باعتبارها نموذجًا لفشل إدارة المخاطر الاقتصادية في واحدة من أهم الأصول الاستراتيجية لمصر، في وقت تتزايد فيه المنافسة، وتتراجع فيه هوامش المناورة.