أول لقاء رسمي لعمر سليمان مع المعارضة بعد تعيينه نائبًا للرئيس مبارك كان يوم الأحد 6 فبراير 2011، أي بعد أيام قليلة من اندلاع ثورة 25 يناير وموقعة الجمل، حيث اجتمع مع ممثلين عن الأحزاب السياسية وشباب الثورة، في إطار ما سُمّي بالحوار الوطني.
وفي 29 يناير 2011، وبعد تصاعد الاحتجاجات الشعبية، أعلن مبارك تعيين اللواء عمر سليمان نائبًا له لأول مرة منذ توليه الحكم.
هذه الخطوة جاءت في محاولة لامتصاص غضب الشارع وإظهار استعداد النظام للحوار مع القوى المعارضة.
وكان مقر اجتماع عمر سليمان مع أصناف من المعارضة في مقر المخابرات العامة بالقاهرة بأطراف منها؛ ممثلون عن الأحزاب السياسية، ولجنة الحكماء، وشباب الثورة، إضافة إلى لقاء منفصل مع جماعة الإخوان المسلمين.
وكانت الموضوعات المطروحة؛ الإصلاحات الدستورية، والتعامل مع المطالب المشروعة لشباب 25 يناير، وإيجاد مخرج للأزمة السياسية.
وجاءت تصريحات سليمان خلال اللقاءات غير سياسية وأثارت غضب الثوار، إذ بدا وكأنه يتحدث من موقع النظام لا من موقع الوسيط، وكثير من القوى الثورية اعتبرت أن الحوار لا يعكس جدية في الاستجابة لمطالب الشارع، وأن الميدان هو السبيل الوحيد لتحقيق أهداف الثورة.
والاجتماع كان أول ظهور علني لسليمان في دور سياسي مباشر بعد سنوات من العمل في الظل كرئيس للمخابرات العامة.
لكنه كشف أيضًا عن محدودية قدرته على التواصل مع الشارع الثائر، إذ اعتُبر جزءًا من النظام الذي يسعى إلى الالتفاف على الثورة بدلًا من الاستجابة لمطالبها.
ولذلك كان مفاجئا أن يعلن سليمان تنحي مبارك من منصب رئاسة الجمهورية في 11 فبراير 2011، في بيان مقتضب عبر التلفزيون المصري، قائلا: إن "الرئيس حسني مبارك قرر التخلي عن منصب رئيس الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد".
ووفقا لسليمان فإن هذه الاستقالة جاءت "في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد".
وفور إعلان سليمان قرار مبارك تنحيه عن السلطة لوح ملايين الثوار المصريين بالأعلام، وغنوا "الشعب أسقط النظام" ،وبكوا وهتفوا وعانق بعضهم البعض في هذه اللحظة التاريخية من تاريخ مصر والعالم العربي.
وتأتي استقالة مبارك بعد تظاهرات عارمة قدرت بالملايين جابت شوارع مصر وميادينها العامة يوم الجمعة، في حين طور الثوار أساليبهم بمحاصرة مؤسسات حيوية كبرى ومن ضمنها قصر العروبة الرئاسي بمصر الجديدة والتلفزيون الحكومي وقصر رأس التين بالإسكندرية.
وكان الثوار، قد أحكموا قبضتهم منذ يومين على رئاسة الوزراء ومجلسي الشعب والشورى.
كما جاءت الاستقالة بعد وقت قصير من الإعلان عن أن الرئيس المخلوع وأفراد أسرته غادروا القاهرة إلى وجهة مجهولة رجحت جهات كونها شرم الشيخ.
وكانت حالة غضب شديد قد سيطرت على المعتصمين بميدان التحرير البارحة، وفي مختلف أنحاء مصر بعد سماعهم خطاب مبارك الذي أعلن تفويضه عمر سليمان صلاحياته الرئاسية، وإلغاء حالة الطوارئ "عندما تسمح الظروف الأمنية"، دون أن يقدم استقالته من منصبه كما توقع المصريون يوم أمس.
عمر سليمان يدعو الثوار للعودة لديارهم
ورفض الثوار بشدة بيانا لعمر سليمان -جاء بعد خطاب مبارك بوقت قليل- دعا فيه الثوار إلى العودة إلى "ديارهم".
وكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة أصدر بيانه رقم واحد الذي أشار فيه إلى التزامه بالدفاع عن مطالب الشعب المشروعة، وبقاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في حال انعقاد.
وصدر صباح الجمعة بيان ثان للمجلس الأعلى قال فيه: إنه "سيضمن الانتقال إلى الديمقراطية بما فيها تنظيم انتخابات رئاسية "حرة"، ورفع حالة الطوارئ بمجرد أن تسمح الظروف الحالية وضمان إجراء انتخابات رئاسية وصفها بالحرة.
وتعهد الجيش بـ"ضمان" إصلاحات تعهد بها مبارك والفصل في الطعون الانتخابية وإجراء التعديلات التشريعية اللازمة.
الأيام الأخيرة
وينقل الصحفي سلامة عبد الحميد عبر @salamah ما ذكره كتاب "الأيام الأخيرة لنظام مبارك" (الدار المصرية اللبنانية، 2012) للصحفي عبد اللطيف المناوي مدير التلفزيون الذي عينه مبارك، يوضح أن الجنرالات لم يكونوا راغبين في التخلي عن السلطة، ويعرض نموذجين من تصرفات قادة عسكريين في اليوم السابق لتنحي مبارك، النموذج الأول هو حوار مباشر بين مبارك ومدير الاستخبارات العامة عمر سليمان على متن الطائرة إلى شرم الشيخ، حيث سأله سليمان إن كان بحاجة لضمانات أو للخروج من البلاد، فأجاب مبارك بأنه لم يرتكب خطأ ويريد أن يعيش في مصر حتى نهاية حياته، النموذج الثاني كان اتصالًا هاتفيًا بين مبارك ووزير الدفاع حسين طنطاوي فور وصوله إلى شرم الشيخ، حيث قال مبارك، إنه فوّض المسؤولية كاملة للجيش، لكن طنطاوي رفض قائلًا: "ليس هذا ما نريده"، قبل أن يطلب مبارك منه التنسيق مع سليمان لإعلان النبأ.
المناوي، الذي كان وقت الثورة رئيسًا لقطاع الأخبار في التلفزيون المصري، اختار هذين الحوارين ليظهر أن طنطاوي لم يكن طامعًا في السلطة، في محاولة لطمأنه الشارع الذي كان يهتف "يسقط حكم العسكر"، لكن هذه النماذج تكشف أيضًا احترام طنطاوي وسليمان لمبارك حتى اللحظة الأخيرة، وتؤكد أن مبارك تلقى تطمينات بأنه لن يُسجن أو يُعامل بشكل غير لائق، وهو ما تحقق بالفعل لاحقًا عبر محاكمة وُصفت بأنها هزلية مقارنة بتوقعات محاكمة رئيس أسقطه شعبه.
باختصار، الكتاب يعكس ازدواجية الموقف: من جهة محاولة إظهار المؤسسة العسكرية كغير طامعة في الحكم، ومن جهة أخرى إبراز شبكة التطمينات التي ضمنت لمبارك معاملة مغايرة لما توقعه الثوار.
https://x.com/salamah/status/2015829402706456599
الآن، لا يوجد اسم محدد لشخصية بارزة أخرى ذكرت علنًا نفس تفاصيل الحوارات التي أوردها عبد اللطيف المناوي في كتابه "الأيام الأخيرة لنظام مبارك" بالنص المباشر، لكن هناك كتابات ومذكرات لشخصيات سياسية وإعلامية عاصرت تلك الفترة دعمت الفكرة العامة التي طرحها المناوي، وهي أن المؤسسة العسكرية لم تكن راغبة في الظهور بمظهر الطامع في السلطة، وأن مبارك حصل على تطمينات بعدم التعرض له أو سجنه.
على سبيل المثال، الذراع الأمني مصطفى بكري في كتابه "مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان" أشار إلى أن مبارك كان على يقين بأنه لن يُسجن وأن المؤسسة العسكرية ستتعامل معه باحترام، وهو ما يتقاطع مع ما أورده المناوي عن حوار مبارك مع عمر سليمان وحسين طنطاوي.
الباحث عمار علي حسن في مقالاته عن الثورة المصرية ذكر أن المجلس العسكري كان حريصًا على إظهار نفسه كحامٍ للثورة لا كبديل سلطوي، وهو ما ينسجم مع رواية المناوي عن رفض طنطاوي الاستحواذ المباشر على السلطة.
الصحفي الموال للانقلاب ياسر رزق في كتابه "سنوات الفرص الضائعة" تناول أن مبارك كان مطمئنًا إلى أن الجيش لن يسيء معاملته، وأنه سيظل في مصر حتى وفاته، وهو ما يعكس نفس مضمون الحوار الذي نقله المناوي.
ترشيح عمر سليمان
وترشح اللواء عمر سليمان للرئاسة في أبريل 2012 جاء كخطوة مفاجئة بعد سقوط نظام مبارك، إذ كان يُنظر إليه باعتباره "حقيبة أسرار" الرئيس المخلوع ورجل الظل الذي أدار ملفات حساسة طوال سنوات حكمه، ظهوره في المشهد السياسي بعد الثورة أثار دهشة وامتعاض كثيرين، لأنه مثّل بالنسبة لقطاع واسع من الشارع المصري وجهًا مكشوفًا للثورة المضادة، أي محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم بوجوهه الأمنية.
واستبعدت اللجنة العليا للانتخابات سليمان من السباق الرئاسي بدعوى عدم استيفائه شرط الحصول على تأييد 15 محافظة، لكن هذا القرار كان في جوهره استجابة لضغط شعبي واسع رفض عودته إلى السلطة.
فالمصريون الذين خرجوا في ثورة يناير كانوا يعتبرونه أحد أبرز رموز النظام الذي ثاروا عليه، ورأوا في ترشحه تحديًا مباشرًا لمطالبهم في التغيير.
واستبعاده بحسب مراقبين، لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل جاء متوافقًا مع المزاج العام في الشارع الذي رفض أن يتصدر شخصية أمنية مرتبطة بمبارك المشهد السياسي بعد الثورة، لقد مثّل ترشحه اختبارًا لمدى قدرة النظام القديم على العودة، وجاءت تنحيته بمثابة تأكيد أن الثورة ما زالت قادرة على صد محاولات الالتفاف عليها.
وفاة عمر سليمان
في 19 يوليو 2012 (بعد انسحابه من سباق الرئاسة بشكل مفاجئ) أعلنت مصر وفاة اللواء عمر سليمان، نائب الرئيس المخلوع حسني مبارك والمدير السابق لجهاز المخابرات العامة، عن عمر يناهز 76 عامًا في الولايات المتحدة إثر أزمة قلبية أثناء إجراء فحوصات طبية، وكالة أنباء الشرق الأوسط أوضحت أنه كان يعاني من مرض في الرئة ومشاكل في القلب، وأن حالته الصحية تدهورت فجأة قبل ثلاثة أسابيع، ما استدعى نقله إلى مستشفى في كليفلاند بولاية أوهايو حيث فارق الحياة.
سليمان كان يوصف بأنه رجل الظل لمبارك و"حقيبة أسراره"، إذ تولى إدارة ملفات حساسة في السياسة الخارجية المصرية، وكان بمثابة العيون والآذان للرئيس، في 11 فبراير 2011، تصدى لأصعب مهمة في حياته حين أعلن أمام العالم نبأ تنحي مبارك تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية.
وفي عام 1995 نصح مبارك باستخدام سيارة مصفحة خلال زيارته إلى أديس أبابا، وهو ما أنقذ حياته بعد تعرض موكبه لهجوم مسلح أدى إلى مقتل السائق، هذا الموقف عزز مكانة سليمان كأحد أكثر المقربين من الرئيس.
وطوال سنوات حكم مبارك، كان اسم سليمان يتردد كنائب محتمل، خاصة مع ترك منصب نائب الرئيس شاغرًا. وفي 2010 ظهرت حملة مفاجئة تطالب بترشحه للرئاسة، لكنها انتهت سريعًا وبشكل غامض.
ولم يختف سليمان عن الأضواء بعد تنحي مبارك، إذ استُدعي للشهادة في محاكمة القرن حول تورط الرئيس في قتل المتظاهرين. كما تحدثت وسائل إعلام أميركية عن تعرضه لمحاولة اغتيال فاشلة بعد تعيينه نائبًا، وهو ما أكده وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط رغم نفي السلطات المصرية.
ولد سليمان عام 1934 في قنا بصعيد مصر وسط عائلة ميسورة، وانضم للقوات المسلحة عام 1954، وتلقى تدريبًا عسكريًا في الاتحاد السوفياتي، كما حصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة عين شمس وماجستير من جامعة القاهرة، تولى رئاسة جهاز المخابرات عام 1991، ومن خلال علاقاته الجيدة مع الأميركيين أوكلت إليه ملفات خاصة، أبرزها النزاع الفلسطيني–الصهيوني، حيث رعى اتفاقات وشارك في جهود وقف إطلاق النار بين كيان الاحتلال وحماس عام 2009.