مع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق غزة وتسليم آخر جثمان لجندي إسرائيلي، عاد ملف "اليوم التالي" للحرب إلى الواجهة، لكن هذه المرة من بوابة إعادة الإعمار، بعد إعلان جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره، ما وصفه بـ"الخطة الوحيدة المعتمدة" لإعادة إعمار قطاع غزة، في تجاهل صريح للرؤية المصرية التي حظيت بتوافق عربي وإسلامي واسع.
إعلان كوشنر، الذي جاء خلال منتدى دافوس، لم يكن مجرد طرح اقتصادي أو عمراني، بل حمل في طياته دلالات سياسية عميقة، تعكس محاولة أميركية–إسرائيلية لإعادة تشكيل غزة وفق منطق السوق والاستثمار، لا وفق احتياجات السكان أو تعقيدات الصراع.
لم يكن تجاهل جاريد كوشنر للخطة المصرية لإعمار غزة سهوًا ولا اختلافًا في الرؤى، بل خطوة متعمدة ضمن مشروع أميركي– صهيوني يسعى لتحويل القطاع من قضية تحرر إلى صفقة عقارية، ومن أرض مقاومة إلى منتجع استثماري على البحر المتوسط.
كوشنر، الذي لم يُخفِ يومًا نظرته التجارية للصراع الفلسطيني، خرج من دافوس ليعلن أن لديه "الخطة الوحيدة المعتمدة"، متجاهلًا دولة بحجم مصر، وتوافقًا عربيًا وإسلاميًا، وكأن غزة بلا تاريخ وبلا شعب وبلا جغرافيا سياسية.
الولايات المتحدة، التي دعمت انقلاب عبد الفتاح السيسي، لا تريد منه اليوم سوى دور وظيفي: ضبط الحدود، حصار المقاومة، ومنع الانفجار، أما حين يتعلق الأمر بالقرار السياسي أو مستقبل غزة، فالمطلوب إقصاء القاهرة، لا إشراكها.
رؤية عقارية بدل حل سياسي
الصور التي عرضها كوشنر لغزة المستقبل، بناطحات سحاب زجاجية ومتنزهات على البحر المتوسط، بدت أقرب إلى مشروع عقاري فاخر منها إلى خطة إنقاذ لمنطقة خرج أكثر من مليوني إنسان فيها من تحت الركام، وهو ما ينسجم مع فلسفة كوشنر المعروفة، التي تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها "فرصة استثمارية" أكثر من كونها قضية تحرر وحقوق.
في المقابل، تقوم الخطة المصرية، التي أقرّتها القمة العربية في القاهرة في 4 مارس 2025، على مبدأ الإعمار المتدرج، والحفاظ على النسيج الاجتماعي، وربط الإعمار بتسوية سياسية تضمن عدم تكرار العدوان.
لماذا تم تجاهل القاهرة؟
تجاهل كوشنر للرؤية المصرية لا يمكن فصله عن سعي واشنطن لتقليص الأدوار الإقليمية المستقلة، واحتكار إدارة الملف الفلسطيني عبر قنوات أميركية–إسرائيلية مباشرة، كما يعكس انزعاجًا من كون الخطة المصرية تمثل مظلة عربية جامعة، تُقيّد محاولات فرض حلول أحادية.
ويرى دبلوماسيون مصريون سابقون أن طرح كوشنر لا يرقى إلى مستوى "القرار"، بل هو محاولة لفرض أمر واقع إعلامي وسياسي، قبل انعقاد أي مؤتمر دولي لإعادة الإعمار.
مصادر مصرية مطلعة تؤكد أن أي حديث عن إعمار غزة بمعزل عن مصر هو "تصور غير واقعي"، إذ تمر كل مفاتيح الإعمار عبر سيناء، سواء لوجستيًا أو أمنيًا أو سياسيًا، كما أن القاهرة تنظر إلى الملف باعتباره جزءًا من أمنها القومي، وليس مشروعًا استثماريًا عابرًا.
السيسي من عبء إلى أداة
بعد أن كاد نظام السيسي يترنح قبل 7 أكتوبر، جاءت الحرب على غزة لتمنحه "قبلة حياة" أميركية–إسرائيلية، أعادت تأهيله بوصفه شريكًا أمنيًا لا غنى عنه، لكن هذا الدور الوظيفي لا يمنحه حق الشراكة السياسية، بل يضعه في خانة المنفّذ، لا المقرّر.
إعمار أم تصفية؟
خطة كوشنر ليست إعمارًا، بل استكمال للحرب بوسائل ناعمة:
طرد السياسة.
تهميش المقاومة.
تحويل الأرض إلى سلعة.
أما مصر، فرغم كل ما يؤخذ على نظامها، تبقى عقدة الجغرافيا والتاريخ، ولا يمكن تجاوزها إلا في أوهام مراكز التفكير الأميركية.
ما يطرحه كوشنر ليس بديلاً عن الخطة المصرية، بل محاولة لدفنها.
وما يجري ليس صراع خطط، بل صراع على من يملك غزة: