كانت واحدة من أكثر الليالي حساسية في الأيام الأولى لثورة يناير، ليلة 30 يناير 2011 ، فمع تصاعد الغضب الشعبي واقتراب المتظاهرين من مؤسسات الدولة، شهدت القاهرة أحداثًا فارقة.
وأبرز ما جرى كان اقتحام مقر وزارة الداخلية في لاظوغلي، حيث حاول محتجون الدخول إلى المبنى الذي كان يرمز إلى جهاز الأمن المركزي والأمن الوطني.
في تلك اللحظة، تدخل الجيش بشكل مباشر لحماية ضباط الأمن الوطني الذين كانوا داخل المبنى.
الروايات المتداولة تشير إلى أن قوات الجيش أمنت خروجهم من الوزارة عبر مدرعات عسكرية، في مشهد عكس انتقال السلطة الفعلية من الشرطة التي انهارت أمام ضغط الشارع، إلى الجيش الذي بدأ يتولى زمام الأمور.
وهذا الحدث بحسب ناشطين كان له دلالات كبيرة: أولًا، أنهى عمليًا هيبة وزارة الداخلية التي كانت تُعتبر الذراع الأمنية الأقوى للنظام، ثانيًا، أظهر أن الجيش بدأ يلعب دور الحامي لمؤسسات الدولة ورجالها، حتى لو كانوا من جهاز أمني مكروه شعبيًا. وثالثًا، رسّخ فكرة أن المؤسسة العسكرية هي التي ستدير المرحلة الانتقالية بعد سقوط الشرطة، وهو ما تحقق لاحقًا مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
واقتحم متظاهرون مقر وزارة الداخلية في لاظوغلي، وتدخل الجيش لحماية ضباط الأمن الوطني وإخراجهم بمدرعات عسكرية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا بين الثوار الذين رأوا في هذا الإجراء حماية لرموز القمع، بينما اعتبره آخرون خطوة ضرورية لمنع الفوضى.
ومع انهيار قبضة الشرطة بعد "جمعة الغضب" في 28 يناير، اتجهت مجموعات من المتظاهرين إلى لاظوغلي، المعروف بسمعته السيئة كمقر للتعذيب والتحقيقات الأمنية، المبنى كان رمزًا لسطوة جهاز أمن الدولة، لذلك مثّل اقتحامه لحظة رمزية قوية للثوار.
وفي الميدان اعتبر كثير من الثوار أن تدخل الجيش لحماية ضباط الأمن الوطني خيانة لمطالب الثورة، إذ كان هؤلاء الضباط في نظرهم مسؤولين عن سنوات من القمع والتعذيب، الهتافات في التحرير ركزت على رفض "حكم العسكر" ورفض حماية رموز النظام.
ووصف الناشطون الثوريون ما جرى بأنه "إنقاذ للجلادين"، وأكدوا أن الجيش لم يقف في صف الشعب بل في صف النظام، وهو ما عزز الشكوك حول نوايا المجلس العسكري لاحقًا.
بعض الأصوات رأت أن تدخل الجيش كان ضروريًا لمنع انفلات أمني شامل، إذ كان اقتحام المبنى قد يؤدي إلى حرق ملفات أو قتل ضباط، ما يفتح الباب أمام فوضى يصعب السيطرة عليها.
العادلي فتح السجون
ومساء 29 يناير 2011، أي بعد يوم "جمعة الغضب"، حدث تطور خطير ارتبط باسم وزير الداخلية بعهد المخلوع آنذاك حبيب العادلي، كثير من المصادر الشرطية والحقوقية والسياسية أكدت أن العادلي أعطى أوامر بفتح السجون، خصوصًا في شمال القاهرة والدلتا، ما أدى إلى خروج آلاف السجناء، بينهم جنائيون وسياسيون.
وعن خلفيات القرار، كان الهدف إحداث حالة من الفوضى الأمنية لإخافة الشارع وإظهار أن غياب الشرطة سيؤدي إلى انهيار الأمن العام واستخدم هذا الإجراء كرسالة سياسية: "إما النظام أو الفوضى"، التي رددها مبارك في خطاباته الأخيرة، في محاولة لوقف زخم الثورة.
وانتشرت أعمال نهب وسرقة (منظمة بمساندة رجال مثل صبري نخنوخ) في بعض المناطق، ما عزز صورة الانفلات الأمني، واضطر الجيش للتدخل سريعًا لتأمين الشوارع والمنشآت الحيوية بعد انهيار الشرطة.
واعتبر الثوار في الميدان أن فتح السجون كان مؤامرة من النظام لإجهاض الثورة عبر نشر الرعب والفوضى.
والهتافات في التحرير ركزت على تحميل النظام مسؤولية الانفلات الأمني، واعتبروا أن ما جرى جزء من خطة منظمة لإخافة الناس ودفعهم للعودة إلى بيوتهم، لكن النتيجة جاءت عكسية حيث زاد الغضب الشعبي، وارتفعت المطالب برحيل مبارك والعادلي معًا.
مقتل اللواء البطران
وفي ليلة 29 يناير 2011 كانت من أكثر الليالي دموية وارتباكًا في الأيام الأولى للثورة، إلى جانب قرار وزير الداخلية حبيب العادلي بفتح السجون، وقعت أحداث بارزة ومنها مقتل اللواء محمد البطران، رئيس مباحث سجن القطا، قُتل في تلك الليلة أثناء أحداث اقتحام السجون.
وظهرت روايات متعددة: بعضها قال إن البطران رفض تنفيذ أوامر فتح السجون، فتمت تصفيته داخليًا، بينما أخرى أشارت إلى أنه قُتل برصاص خلال الفوضى التي صاحبت اقتحام السجون.
وظل مقتله رمزًا على أن فتح السجون لم يكن مجرد انفلات، بل قرار سياسي أمني متعمد لإحداث الفوضى.
خروج الإخوان من سجن وادي النطرون
في نفس الليلة مساء السبت 29 يناير 2011، تم اقتحام سجن وادي النطرون، وخرج منه عدد كبير من السجناء، بينهم قيادات من جماعة الإخوان المسلمين ومن من أبرز الخارجين كان الدكتور محمد مرسي، الذي أصبح لاحقًا أول رئيس منتخب بعد الثورة، ثم أو رئيس تقتله الفئة الباغية في قاعة محاكمات صورية.
وخروج مرسي والمهندس خيرت الشاطر وقيادات الإخوان من السجن شكّل نقطة تحول في مسار الثورة، إذ أعاد الجماعة إلى قلب المشهد السياسي بعد أن كانت محاصرة أمنيًا رغم دورها الفاعل في صمود الثورة مع يوم 28 يناير جمعة الغضب.
وفتح السجون ومقتل البطران وخروج الإخوان واقتحام لاظوغلي مثّلوا معًا لحظة انفلات أمني مقصود، هدفه إظهار أن الثورة ستقود إلى الفوضى والنتيجة جاءت عكسية حيث زاد الغضب الشعبي ضد النظام، واعتُبر ما جرى دليلاً على أن السلطة تستخدم كل الوسائل للبقاء، حتى لو كان الثمن انهيار الأمن.
واعتبر مراقبون أن خروج الإخوان قيادات الإخوان (نحو 40 قيادي بالإخوان) الذين اعتقلوا عشية 25 يناير 2011 منحهم فرصة للعودة إلى الساحة السياسية بقوة، وهو ما انعكس لاحقًا في 5 استحقاقات الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
ألش خانجي @Alsh5anah علق قائلا: "مش عارف التعبير ده صح ولا غلط، لكن ده كان الواقع خصوصا بعد ٢٨ يناير ٢٠١١ : هيبة الموت اهتزت في قلوب الناس، بعض الناس ممكن تقول إنه انتشار القتل والهرج، لكن لا ، كان اختيار واعي – في قمة الوعي – من الثوار".
وأضاف، "لن أنسى ليلة ٣٠ يناير وأفواج من الشباب مصرين على اقتحام وزارة الداخلية، وأفواج الشباب تتزاحم دخولا وخروجا تتزاحم أفواج من الجثث محمولة على الأكتاف لحد نهار ٣٠ يناير، كان لسه فيه مجموعة ضباط شرطة مزنوقين زي الفئران في الوزارة خلصوا ذخيرتهم على الشباب.
فاكر كويس جدا لما دخلت الميدان مدرعات جيش كان واقف على كبوت واحدة منهم ضابط جيش لابس طاقية تشبه الكاوبويز بيسأل: فين "المعرضة" وزارة الداخلية؟ فين ولاد "العرض" والشباب دلوه .. بعدها قالوا الجيش سيطر على وزارة الداخلية وعرفنا بعد كده أنهم دخلوا يهربوا الفيران اللي كان الشباب زانقينهم.
وتابع: "في البداية كان صوت الرصاص بيخوف ويفرق الناس وبعد كده بقى بيجمعهم ، الشاهد إن واحد من الفيران دول كان خارج بسيارته ولسبب ما توهم إنه يقدر يجري بها ويقطع الميدان بالعرض، الشباب وقفوا السيارة ورفعوها ونزلوه منها، لا يزال صوت الرصاصة اللي ضربها في الهوا لتفريق الشباب في أذني وأكاد أجزم إن صوت الكف اللي أخده وصوت راسه وهي بترن في صاج السيارة كان أعلى من صوت الرصاصة، أكل الكف وخبط في صاج السيارة ورجع واقف مرة ثانية كأن راسه كرة سلة 🏀 .. وتبع المشهد ضحكات لم تتوقف من أهل الله في الميدان. ".
واعتبر أن عبارة: "الشعب ركب يا فندم " المشهورة في تسجيلات قوات الأمن المركزي في ٢٨ و٢٩ يناير كانت أبلغ وصف لواقع الميدان، الشعب كان راكب، وكان دفع ثمن الركوبة دم".
https://x.com/Alsh5anah/status/2015511209408442686