نقطة اللاعودة .. 15 عامًا على “جمعة الغضب” يوم خرجت مصر عن صمتها

- ‎فيتقارير

في 28 يناير 2011، كتب المصريون أحد أكثر الأيام كثافة وتأثيرًا في تاريخهم الحديث، يومٌ خرج فيه الشعب من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، من العواصم إلى القرى والنجوع، ليهتف بصوت واحد: "الشعب يريد إسقاط النظام".

 

لم تكن "جمعة الغضب" حدثًا محصورًا في ميدان التحرير وحده، بل كانت انتفاضة وطنية شاملة. القاهرة، الإسكندرية، السويس، المحلة، المنصورة، الزقازيق، أسيوط، سوهاج، قنا، الأقصر، أسوان، سيناء والدلتا، جميعها شهدت خروجًا كثيفًا غير مسبوق، كسر حاجز الخوف الذي راكمه النظام على مدى عقود.

الجماهير خرجت بلا قيادة مركزية واضحة، لكن بوحدة هدف نادرة: إسقاط نظام حسني مبارك، بعد سنوات من القمع، والفساد، وتزوير الإرادة الشعبية.

 

كان هذا الهتاف أحد أكثر الشعارات تعبيرًا عن لحظة التحول. لم يعد الشارع خاضعًا، ولم تعد السلطة قادرة على السيطرة. الهتاف لم يكن مجرد كلمات، بل إعلان صريح بانتهاء زمن الهيبة المصطنعة، وبداية استرداد المجال العام من قبضة الدولة الأمنية.

 

الإخوان في قلب المشهد

في القلب من هذا المشهد، لعبت القوى الشعبية والسياسية أدوارًا متباينة، لكن جماعة الإخوان المسلمين كانت الأبرز من حيث التنظيم والحشد.

ورغم أن الشرارة الأولى للثورة انطلقت من حركات شبابية مستقلة، فإن 28 يناير شهد نزولًا رسميًا ومنظمًا لجماعة الإخوان المسلمين، التي دفعت بثقلها الشعبي والتنظيمي الكامل إلى الشارع ، ودفعت بكوادرها التنظيمية، وشبابها، وشيوخها، ونوابها السابقين، لتكون في مقدمة الصفوف منذ أول لحظة في 25 يناير عند دار القضاء العالى ، بقيادة البرلمانى المعتقل الدكتور محمد البلتاجى ، وغيره من القيادات البرلمانية والسياسية بالجماعة .

شاركت الجماعة:

 

بشبابها في الصفوف الأمامية.

 

بشيوخها وقياداتها في الحشد والتعبئة.

بكوادرها السياسية في التنسيق بين المحافظات.

وشكّل هذا النزول نقطة تحوّل كبرى، إذ انتقلت الثورة من احتجاجات شبابية إلى انتفاضة شعبية واسعة ذات عمق اجتماعي وسياسي، ما أربك النظام ودفعه إلى استخدام أقصى أدوات العنف.

 

إلى جانب الإخوان، شاركت قوى سياسية أخرى، ونقابات، وقطاعات واسعة من غير المنتمين سياسيًا، لتتشكل لأول مرة منذ عقود جبهة شعبية عريضة عابرة للأيديولوجيات.

 

هذا النزول غيّر ميزان القوة في الشارع، ووفّر غطاءً جماهيريًا وتنظيميًا ساهم في توسيع رقعة الاحتجاجات، وتأمين المظاهرات، وتنظيم الصفوف، خاصة بعد تصاعد العنف.

 

مواجهة المدرعات.. شباب في وجه الحديد

 

مشاهد تصدي الشباب للمدرعات العسكرية ومدرعات الشرطة تحولت إلى أيقونات للثورة. بأيدٍ عارية، وحجارة، وإصرار لا يلين، واجه المتظاهرون قوات مدججة بالسلاح.

 

في السويس والقاهرة والإسكندرية، اشتعلت المواجهات، وسقط شهداء، لكن الشارع لم يتراجع. كان واضحًا أن كلفة التراجع باتت أعلى من كلفة المواجهة.

 

انسحاب الشرطة.. سقوط الذراع الأمنية

 

مع تصاعد الغضب الشعبي واتساع رقعة الاشتباكات، انهارت قوات الشرطة بشكل مفاجئ مساء 28 يناير. انسحبت من الشوارع، وأُحرقت أقسام، واختفت الدوريات.

مشاهد خلع بعض أفراد الشرطة لملابسهم الرسمية، ومحاولتهم التخفي بين المواطنين، كانت تعبيرًا صادمًا عن انهيار الخوف من الدولة، وخوف الدولة من الشعب.

ذلك الانسحاب مثّل لحظة فاصلة، أنهى احتكار النظام للقوة في الشارع، وفتح الباب لمرحلة جديدة من الثورة، بكل ما حملته لاحقًا من صراعات وتدخلات.

هتافات وشهادات

من قلب الشارع، خرجت هتافات عبّرت عن جوهر اللحظة:

 

"عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"

 

"ارحل يعني امشي"

 

"يسقط يسقط حسني مبارك"

 

ويقول أحد المشاركين في تظاهرات الجيزة آنذاك:

"كنا نرى المدرعة تتقدم، فنقف أمامها. لم نكن نفكر في الموت، كنا نشعر أن الخوف انتهى".

 

شهادة أخرى من الإسكندرية:

"حين انسحبت الشرطة، أدركنا أن النظام أضعف مما كنا نتصور".

 

من 2011 إلى اليوم.. ماذا تغيّر وماذا بقي؟

 

بعد 15 عامًا، يعود سؤال 28 يناير بقوة: هل تغيّر شيء؟

 

سياسيًا، يمكن القول إن:

 

النظام الذي سقط في 2011 أُعيد إنتاجه بصيغة أكثر قسوة.

 

الدولة الأمنية عادت بشكل أعمق، مع تضييق غير مسبوق على المجال العام.

 

القوى السياسية التي صنعت مشهد 2011 إما أُقصيت أو قُمعت أو جرى تفكيكها.

 

لكن في المقابل:

 

الوعي الشعبي لم يعد كما كان قبل يناير.

 

جيل جديد، وُلد بعد الثورة أو كبر في ظلها، يرى الدولة بعين مختلفة.

 

الأزمات الاقتصادية المتراكمة تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي فجّرت الغضب في 2011.

 

لم يكن 28 يناير 2011 مجرد يوم غضب، بل لحظة وعي جماعي أدرك فيها المصريون أن النظام ليس قدرًا، وأن الخوف يمكن كسره.

 

ورغم محاولات محو الذاكرة، تبقى تلك اللحظة حاضرة في الوجدان السياسي، تذكّر بأن ما جرى لم يكن فوضى، بل تعبيرًا عن انسداد سياسي واجتماعي لا يزال قائمًا بأشكال مختلفة.

 

التاريخ لم يُغلق صفحته بعد.. و28 يناير لا يزال سؤالًا مفتوحًا.

 

28 يناير.. نقطة اللاعودة

 

بعد 15 عامًا، لا يزال 28 يناير حاضرًا في الذاكرة المصرية بوصفه يوم كسر القيد، ويوم أثبت فيه الشعب قدرته على الفعل، حتى وإن تعرّضت الثورة لاحقًا للارتداد والانقلاب.

 

كان ذلك اليوم إعلانًا واضحًا بأن الشعوب قد تصمت طويلًا، لكنها حين تتحرك، تفعل ذلك بقوة التاريخ.