بعد تقديم نقيب المحامين عبدالحليم علام اعتذارا رسميا لأعضاء نيابة النزهة، وزيارته النائب العام بالرحاب، فُضَّ اعتصام المئات من المحامين المناصرين لزملائهم في شرق القاهرة، بعد أن طلب حارس غرفة عضو النيابة إخلاء الممر (الطرقة) من الجميع، ولأنه لم تخل بشكل كامل إلا من بعض المحامين ممن ليسوا في زيارة للتنزه بطرقات النيابة توجه بالسباب والشتائم القزعة لمن لم يستجيبوا لطلبات الحارس الموجهة من عضو النيابة، وهو ما انتهى إلى مشاجرة المحامين مع أعضاء نيابة النزهة، ثم فوجئ المئات من المحامين بالصلح.
ورغم أن زيارة عبدالحليم علام نقيب المحامين أنهت الجانب الإجرائي من الأزمة، وأخرجت المحامين المحبوسين، إلى أن حالة الغضب بين المحامين لم تهدأ، بل تصاعدت مع شعور واسع بأن ما جرى لم يكن انتصارًا حقيقيًا بقدر ما كان تسوية سياسية (تقبيل الرؤوس) جنّبت الطرفين التصعيد، لكنها تركت أسئلة العدالة والمساءلة معلّقة.
وهو ما حدث في مايو 2025 عندما سادت حالة من الغضب والاحتقان في أوساط المحامين بحلوان بمحافظة القاهرة، بعد واقعة صادمة هزت أروقة العدالة، حيث تعرضت المحامية "ياسمين ندهي" لاعتداء جسدي وصفعة على الوجه داخل مقر نيابة حلوان على يد أحد أفراد الحراسة، وفق ما أكدته نقابة المحامين الفرعية بحلوان.
ومع تداول شهادات تؤكد وجود فيديوهات تُظهر تجاوزات من جانب أحد أعضاء النيابة، عاد النقاش حول اختلال ميزان العدالة بين جناحي المنظومة: سلطة الاتهام من جهة، ومهنة الدفاع من جهة أخرى.
ماذا لو كانت واقعة النزهة في عهد مرسي؟
يرى مراقبون أنه لو كانت واقعة «محاميّ النزهة» قد حدثت في عهد الرئيس محمد مرسي، فمن المرجّح أن المشهد كان سيأخذ طابعًا مختلفًا تمامًا، لأن تلك الفترة كانت مشحونة سياسيًا إلى حد يجعل أي أزمة مهنية تتحول بسرعة إلى قضية عامة، كان مستوى التسييس سيرتفع فورًا، إذ كانت كل واقعة تُقرأ من زاوية الصراع بين مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية، ما كان سيحوّل الحدث من خلاف داخل النيابة إلى معركة حول استقلال القضاء أو تدخل السلطة في عمله.
ويرون أنه في سياق القوانين فإن نقابة المحامين ستتخذ غالبًا موقفًا أكثر صدامًا، لأن النقابة في تلك الفترة كانت أكثر جرأة في التصعيد، سواء عبر البيانات الحادة أو الدعوات لتعليق العمل أو تنظيم وقفات احتجاجية واسعة.
ومن غير المستبعد أن تتحول الأزمة إلى مواجهة مفتوحة، خصوصًا مع حساسية العلاقة بين النقابة والنيابة العامة آنذاك، ووجود شعور عام بأن كل طرف يحاول إثبات استقلاله أمام الآخر بحسب هذا الرأي.
أما النيابة العامة، فكانت ستتعامل مع الواقعة بحساسية مضاعفة، نظرًا للتوتر الذي كان قائمًا بينها بين الرئيس المنتخب وأحمد الزند ومن على شاكلته مستغلين الإعلان الدستوري، الذي جمده الرئيس مرسي لاحقا، كان من المتوقع أن تصر النيابة على إدارة التحقيق باعتباره شأنًا سياديًا لا يقبل الضغط، وربما تتشدد في الاتهامات لتأكيد استقلالها، ما كان سيعقّد الأزمة ويطيل أمدها.
ومن جانبه، فإن إعلام الإمارات الناطق بألسنة مصرية كان سيضخم الواقعة بشكل كبير، وكانت القنوات والبرامج ستتعامل مع الحدث باعتباره دليلًا على أزمة سياسية أوسع، مع اتهامات متبادلة حول “أخونة القضاء” أو “تمرد النيابة”، ما كان سيجعل الأزمة تتجاوز حدودها المهنية وتتحول إلى مادة يومية للجدل السياسي.
وكان من المحتمل أن نشهد مظاهرات المحامين اليساريين والناصريين أمام المحاكم، الذين اكتفوا في هذه الأزمة الحالية بتصريحات لمنصاتهم أو لمواقع معبرة عنهم كما في حالة العوضي والبرعي وانقسامًا بين مؤيدين ومعارضين، واستغلالًا سياسيًا من مختلف الأطراف، ما كان سيضيف طبقة جديدة من التعقيد على المشهد.
وبناءً على كل ذلك، كانت النتيجة النهائية ستأخذ وقتًا أطول للوصول إلى تسوية، لأن الأزمة كانت ستتحول إلى ملف سياسي بامتياز، وليس مجرد خلاف مهني بين محامين ونيابة. كانت التدخلات السياسية ستتزايد، وربما يُحال الملف إلى جهات أعلى، ما كان سيجعل الحل أبطأ وأكثر تعقيدًا.
المحامون خرجوا برفقة النقيب علام
ووقعت مشادة بين 3 محامين ومدير نيابة النزهة أثناء تأدية عملهم، انتهت بتحرير مذكرة وإحالتهم للتحقيق.
وقدم وفد نقابة المحامين برئاسة عبد الحليم علام ونقباء النقابات الفرعية الاعتذار عما بدر من الزملاء المحامين في واقعة نيابة النزهة، ويوجهون الشكر للمستشار محمد شوقي النائب العام وقيادات النيابة العامة على إدارة الأزمة.
ووجد المحامون أنفسهم وحدهم في دائرة الاتهام بعد تحرير محضر ضد ثلاثة منهم بتهم ثقيلة، أبرزها «إهانة السلطة القضائية» و«التعدي على موظف عام». هذا الانحياز المبكر في توصيف الأحداث فجّر غضبًا واسعًا، خصوصًا مع انتشار تفاصيل الواقعة على مواقع التواصل وتحرك أعداد كبيرة من المحامين نحو سراي النيابة ثم مكتب النائب العام للمطالبة بتحقيق مستقل.
ورغم مطالب المحامين بندب قاضٍ محايد والتحفظ على كاميرات المراقبة والتحقيق مع وكيل النيابة بوصفه طرفًا في الواقعة، بدا خطاب النقابة العامة أكثر ميلًا للتهدئة.
وقالت خُلود @lily_yyss "وكيل نيابة النزهة خرج في طرقة مليانة محاميين، و قال للعسكري "فضيلي دين أم الطرقة دي" و لما اعترض زميلان على الجملة احتجزهم، و قدم فيهم مذكرة، و عرضهم على نيابة شمال القاهرة.
النقابة قدمت اعتذار للنيابة العامة علشان طبعًا إحنا اللي ولاد ستين كلب غلطانين.
https://x.com/lily_yyss/status/2015797848428683291
والعجيب أن النقيب وأعضاء المجلس أشادوا بـ«حياد» التحقيقات، وتجاهل التجاوزات التي رصدتها الكاميرات من جانب بعض المحامين، دون أن توضح موقف وكلاء النيابة أو مدى مسؤوليتهم.
كما أثارت تسريبات عن زيارة نقيب المحامين للنيابة وتقديم اعتذار – نُفي لاحقًا – موجة غضب جديدة، إذ اعتبر كثيرون أن النقابة لا ينبغي أن تعتذر كمؤسسة لسلطة الاتهام، بل تحاسب أفرادها داخليًا وتحمي كرامة المهنة.
ورغم تأكيد أعضاء في مجلس النقابة أن مكتب النائب العام شاهد فيديوهات تُظهر أن الشرارة الأولى جاءت من جانب أحد أعضاء النيابة والحرس، فإن ذلك لم ينعكس على مسار التحقيقات، التي مالت سريعًا نحو اتهام المحامين وحدهم، هذا التباين بين ما رصدته الكاميرات وما انتهت إليه الإجراءات عزز شعورًا بأن مساءلة وكلاء النيابة تُدار في غرف مغلقة، بينما تُترك مسؤولية المحامين مكشوفة أمام الرأي العام والنيابة في آن واحد.
أزمة متكررة
وتكشف الأزمة عن نمط متكرر في العلاقة بين المحامين وممثلي السلطة القضائية وسبقتها أزمات مشابهة في حلوان ومطروح وغيرها، حيث يبدأ الأمر بتجاوز من عنصر في السلطة، يتبعه رد فعل غاضب من المحامين، ثم حشد واعتصام، قبل أن تنتهي الأمور بتسوية لا تمس جوهر المشكلة، غياب المساءلة المتوازنة، هذا النمط جعل كثيرًا من المحامين يشعرون بأن نقابتهم باتت تلعب دور الوسيط المهدئ، أكثر من كونها درعًا حقيقيًا للدفاع عن كرامتهم المهنية.
وبينما اعتبر البعض أن خروج المحامين «مكرمين» من مقر النيابة خطوة إيجابية، فإن قطاعًا واسعًا يرى أن الأزمة لم تُغلق فعليًا، لأن الأسئلة الكبرى ما زالت بلا إجابة: لماذا لا يُحاسب الطرفان على قدم المساواة؟ وكيف تستعيد النقابة ثقة قواعدها وتفرض احترام أعضائها داخل المحاكم والنيابات؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة، وتُرجّح أن أي واقعة مشابهة مستقبلًا ستعيد إشعال الجدل ما دام الخلل البنيوي في العلاقة بين جناحي العدالة لم يُعالَج جذريًا.
ماذا حدث في الرحاب؟
وعلى خلفية تطاول منسوب لوكيل نيابة النزهة على عدد من المحامين بمحكمة مصر الجديدة، قررت النيابة العامة المصرية نقل التحقيق إلى مدينة الرحاب، حيث مكتب النائب العام.
وكانت مطالب السادة المحامين هي :
1.انتداب قاضٍ للتحقيق ضمانًا للحياد والاستقلال.
2.التحقيق مع وكيل النيابة بصفته متهمًا في الواقعة.
3.التحفّظ على كاميرات المراقبة التي توثّق التجاوزات محل الشكوى.
4.التأكيد على أن من أخطأ يتحمّل تبعات خطئه وفقًا للقانون.
•تم التحقيق مع المحامين:
•الأستاذ/ أمين هيثم أمين السويفي
•الأستاذ/ عادل محمد عادل أبوطالب
•الأستاذ/ همّام أبو زيد
•جرى سماع أقوالهم أمام السيد/ المستشار المحامي العام الأول قبل بدء التحقيقات الرسمية.
•كما تم استدعاء شهود الواقعة لسماع شهادتهم، وهم:
•الأستاذ/ بيتر عادل
•الأستاذ/ هشام حمدي
•الأستاذ/ مصطفى حنفي
•الأستاذ/ إيليا عبد الملاك
•الأستاذ/ أحمد محمد عبد الرحمن
المحامي أيمن عطا الله Ayman Atalah أشار إلى أن " ما جرى في محكمة شمال القاهرة لم يكن واقعة عابرة ولا خلافًا فرديًا يمكن احتواؤه ببيان بارد أو تبرير شكلي، بل كان اعتداءً مباشرًا على محامين أثناء أداء عملهم من أحد أعضاء النيابة العامة داخل مكان يُفترض أنه رمز العدل وسيادة القانون، عند هذه النقطة يتوقف الكلام وتبدأ الخطورة الحقيقية، لأن الاعتداء على المحامي ليس خلافًا مهنيًا، بل مساسًا بجوهر العدالة نفسها.
وأضاف أن المحامي ليس خصمًا للنيابة، بل شريك أصيل في تحقيق العدالة، وأي اعتداء لفظي أو جسدي عليه هو اعتداء على حق الدفاع وضربة لفكرة المحاكمة العادلة التي يقوم عليها أي نظام قانوني محترم. الأخطر من الواقعة ذاتها هو ما أعقبها من حالة احتقان وغضب مشروع بين جموع المحامين، وشعور متزايد بأن كرامة المهنة تُنتهك داخل المحاكم دون ردع حاسم أو موقف يتناسب مع خطورة ما جرى.
واعتبر العبث بكرامة المحامين ليس أمرًا يمكن تجاوزه، بل هو لعب بالنار، فالمحامون ليسوا فئة هامشية ولا طرفًا يمكن تهميشه، بل هم أحد أعمدة منظومة العدالة، وأي مساس بهم ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين في القضاء وفي دولة القانون، ومن هنا يصبح تدخل القيادة السياسية ضرورة وطنية لا مطلبًا فئويًا، لأن فحص ما جرى بشفافية وجدية هو الضمان الحقيقي لعدم انزلاق الأوضاع نحو صدام داخل منظومة العدالة نفسها، خاصة أن القيادة السياسية أكدت مرارًا احترامها لدولة القانون والمؤسسات، وهي القادرة على إعادة التوازن وحماية هيبة الجميع.
وأكد أن هذا التدخل لا يُعد تدخلًا في القضاء، بل حماية له، وحماية لحق الدفاع بوصفه ركنًا دستوريًا أصيلًا، وحماية للتوازن بين أطراف العدالة، أما الصمت أو التقليل مما حدث فقد يُفهم باعتباره قبولًا ضمنيًا بتكرار التجاوزات، وهو أمر لا يليق بدولة تسعى لترسيخ سيادة القانون.
وأشار إلى أن ما كتبه تحذيرًا لا تحريضًا، ودفاعًا عن العدالة لا عن فئة، لأن الدولة التي تُهان فيها مهنة المحاماة تُوضع عدالتها كلها موضع اختبار، والحريق يبدأ دائمًا بشرارة صغيرة، لكن إطفاءه مبكرًا يظل مسؤولية الكبار.