شهادات حيّة من معتقلين.. BBC: الإمارات أدارت 18 سجنًا سريًا لتعذيب أحرار اليمن

- ‎فيعربي ودولي

كشف تحقيق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC أن الإمارات أدارت شبكة من 18 مركز احتجاز سري في جنوب اليمن، اختفى داخلها مئات وربما آلاف الرجال خلال العامين الماضيين في ظروف غامضة، وتعرضوا لتعذيب ممنهج وصل إلى أساليب بالغة القسوة، من بينها «الشوّاية» التي يُربط فيها المعتقل على سيخ ويدار فوق النار. هذه السجون أُقيمت داخل قواعد عسكرية وموانئ ومطار الريان في المكلا، بل حتى في فلل خاصة ونادٍ ليلي، فيما نُقل بعض المعتقلين إلى قاعدة إماراتية في إريتريا، وفقًا لوزير الداخلية اليمني.

هذا التداخل بين إحراق الملفات، واكتشاف المقابر الجماعية، والشهادات الفردية عن التعذيب، وفضح السجون السرية تحت الأرض، يرسم صورة متكاملة عن حجم الانتهاكات التي ارتكبتها الإمارات في جنوب اليمن، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لمحاسبة المتورطين وكشف الحقيقة كاملة.

مسؤولون كبار في وزارة الدفاع الأميركية أقرّوا بمشاركة قواتهم في استجواب معتقلين داخل اليمن، لكنهم نفوا أي علم أو مشاركة في التعذيب، رغم أن القانون الدولي يحظر التواطؤ في مثل هذه الانتهاكات. المتحدثة باسم البنتاغون دانا وايت أكدت التزام الجيش الأميركي بأعلى معايير السلوك، بينما نفت حكومة الإمارات وجود مراكز احتجاز سرية أو ممارسة التعذيب.

ومع ذلك، قال محامون وأقارب معتقلين إن نحو ألفي رجل اختفوا داخل هذه السجون، ما أثار احتجاجات أسبوعية لعائلات تبحث عن أبنائها. منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية طالبت بتحقيق دولي تقوده الأمم المتحدة، مؤكدة أن التعاون مع قوات تمارس التعذيب يقوّض جهود مكافحة الإرهاب. واعتبرت لين معلوف من العفو الدولية أنه من الصعب تصديق أن الولايات المتحدة لم تكن تعلم بوجود خطر حقيقي للتعذيب، بينما أشاد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس بالإمارات واصفًا إياها بـ«إسبرطة الصغيرة» لدورها في محاربة القاعدة.

التقرير أعاد إلى الأذهان برنامج السجون السرية الذي أنشأته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بعد هجمات 11 سبتمبر وأغلقه باراك أوباما عام 2009، إذ بدأت الشبكة الإماراتية في اليمن خلال إدارة أوباما وما زالت تعمل حتى اليوم. رايان غودمان، أستاذ القانون في جامعة نيويورك، قال إن هذه الممارسات قد ترقى إلى جرائم حرب. شهادات ضباط يمنيين أكدت أن أميركيين أجروا استجوابات في البحر، فيما نفى مسؤولون أميركيون ذلك. وفي النهاية، أجمع المعتقلون السابقون على أن ما عاشوه لا يُعامل به حتى الحيوانات، وأن هذه السجون تمثل واحدة من أخطر ملفات الانتهاكات في الحرب اليمنية.

قناة الشعوب الفضائية نقلت عن مصادر محلية في المكلا أن ضباطًا إماراتيين أقدموا على إحراق ملفات ضخمة تتعلق بجميع أعمالهم قبيل مغادرتهم مطار الريان، في محاولة واضحة لطمس الأدلة وإخفاء ما ارتكبوه خلال سنوات وجودهم هناك. وترافقت هذه المعلومات مع شهادات أكثر خطورة؛ إذ كشفت الناشطة رمال المصعبي في الخامس من يناير عن اكتشاف مجزرة جديدة داخل مطار الريان، حيث قامت القوات الإماراتية قبل انسحابها بتصفية جميع السجناء ودفنهم في مقبرة جماعية. وبعد نبش المقبرة ظهرت مشاهد مرعبة تكشف حجم الجريمة التي طالت مئات الأبرياء من أبناء حضرموت، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ لحقوق الإنسان ووصمة عار في تاريخ الاحتلال الإماراتي للجنوب.

أما سالم العولقي فقد قدّم شهادة شخصية مؤثرة في الثامن عشر من يناير، روى فيها كيف وقف ضابط إماراتي فوق رأسه بعد جلسة تعذيب قاسية، متبجحًا بأن الجنوب ملك لهم ولن يخرجوا منه. وصف العولقي لحظة القهر حين كان مكبّل اليدين والركلات تنهال على فمه، لكنه رغم الألم أجاب الضابط بأن اليمن بطبيعته يلفظ كل مشروع خبيث مهما طال الزمن، وأن القوة لا تخلّد احتلالًا. ومضت الأيام، كما قال، حتى جاءت لحظة الانتصار الصامت حين خرج المحتل ذليلًا وتفرقت أدواته هاربين، بينما بقي هو مثقلًا بالجراح لكن مرفوع الرأس، مؤمنًا أن الحق لا يموت وأن الظلم إلى زوال.

وفي سياق متصل، كشف الصحفي مأرب الورد عن أسرار مظلمة تتعلق بسجون تحت الأرض بإدارة إماراتية في حضرموت وشبوة. أوضح أن هذه السجون اكتُشفت بعد انسحاب القوات الإماراتية والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي، وأنها محفورة بعمق يصل إلى خمسة عشر مترًا تحت الأرض، بطول يتراوح بين ستين وسبعين مترًا لإخفائها عن الأنظار. وأكد وجود أكثر من موقع احتجاز سري داخل مطار الريان موزعة بين مناطق قريبة من البحر وأخرى بين الأشجار، مع العثور على فلاشات ومستندات وصور توثق وجودها. وتكرر النموذج نفسه في ميناء الضبة النفطي بحضرموت ومنشأة بلحاف في شبوة، حيث وُجدت مرافق احتجاز غير معلنة جرى طمس بعضها لاحقًا. وأشار إلى امتلاكه معلومات عن الشركات والمقاولين الذين نفذوا بناء هذه السجون، مع مخاوف من أن بعض المخفيين قسرًا قد يكونون دُفنوا داخلها لإخفاء آثارهم نهائيًا. وختم بالتأكيد على ضرورة فتح تحقيق دولي شامل والتنقيب عن هذه المواقع باعتبارها شاهدًا على جرائم ضد الإنسانية.

ويأتي هذا الكشف بعد أسابيع قليلة من إعلان الإمارات نهاية ديسمبر سحب قواتها بالكامل من اليمن بناءً على طلب الحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا. وفي هذا السياق، اتهم سالم الخنبشي، محافظ حضرموت وعضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، دولة الإمارات بإدارة سجون سرية وارتكاب انتهاكات في جنوب اليمن، مؤكدًا خلال مؤتمر صحفي في المكلا العثور على كميات كبيرة من المتفجرات والأشراك الخداعية في معسكر مطار الريان، تضم مادة «سي فور» وصواعق تفجير، بعضها كان مُعدًا لتنفيذ عمليات اغتيال عبر هدايا مفخخة تستهدف مدنيين، إضافة إلى أجهزة جوال استُخدمت في صنع هذه الأشراك. وأكد أن الإجراءات ستُتخذ لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، سواء عيدروس الزبيدي أو دولة الإمارات وعناصرها ومسؤوليها والعاملين معهم ممن يثبت تورطهم في هذه الجرائم.