تواصل حكومة الانقلاب خططها ومشروعاتها لاستنزاف المواطنين عبر كل الوسائل سواء فى تقديم الخدمات أو إصدار القوانين والتشريعات أو رفع أسعار السلع والمنتجات أو تخفيض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية .
فى هذا السياق جاءت آخر ابتكارات حكومة الانقلاب لسحب ما تبقى فى جيوب المواطنين، عبر مشروع قانون المرور الجديد الذى يرفع عقوبة المخالفات إلى 15 ألف جنيه، وهو ما أثار التساؤلات: هل القانون الجديد لحماية المواطنين وقائدى المركبات، أم أنه وسيلة جديدة للجباية وتحصيل المزيد من الغرامات التى تدخل إلى خزينة دولة العسكر لسد العجز المزمن فى الموازنة؟ وهل يتحول قانون المرور من إطار تنظيمى لسير حركة المرور فى الشوارع والطرق الرئيسية، إلى أداة للجباية؟
يُشار إلى أن التعديلات المقترحة، التى وافق عليها مجلس وزراء الانقلاب وتنتظر مناقشة برلمان السيسي، ترفع سقف الغرامات وتقر الحبس فى مخالفات كانت تعد فى السابق إدارية، بما يعكس تحولاً فى فلسفة التشريعات المرورية، بل والأكثر من ذلك أنه يضع الغرامة والحبس فى صدارة المشهد، مع توسيع نطاق التجريم وتشديد الجزاءات على عشرات المخالفات.
أهم التعديلات
من أبرز تعديلات مشروع قانون تعديل بعض أحكام قانون المرور رقم 66 لسنة 1973، والمعدل بالقانون رقم 121 لسنة 2008 ما ورد فى المادة 54 (فقرة أولى)، التى تنص على ضبط المركبات التى تسير دون ترخيص أو بانتهاء مدة الترخيص إدارياً، مع حجزها فى حضانة المرور لمدة لا تقل عن أسبوع ولا تزيد على 30 يوماً، فضلاً عن تحصيل الضريبة السنوية المستحقة بالكامل، وفرض ضريبة إدارية تعادل ثلث الضريبة السنوية عن مدة انتهاء الترخيص، بحد أقصى خمس سنوات.
وتقرر المادة 70 (فقرة ثانية) معاقبة قائد المركبة فى حال تغيير مسار خط السير أو تجاوز السرعة المحددة بغرامة مالية لا تقل عن ألفى جنيه ولا تزيد على 10 آلاف جنيه، مع مضاعفة الغرامة حال تكرار المخالفة خلال ستة أشهر من تاريخ الحكم بالإدانة.
وتشدد المادة 72 (فقرة ثانية) على توقيع غرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه ولا تزيد على 15 ألف جنيه فى حال إلقاء مخلفات بناء أو قمامة أو أى مواد تعيق الحركة المرورية بنهر الطريق، أو التسبب فى انبعاث أدخنة كثيفة تعوق الرؤية، أو نقل مواد قابلة للاشتعال أو حمولة غير مؤمنة، مع مضاعفة العقوبة حال العود خلال ستة أشهر.
فيما تنص المادة 77 على الحبس مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على 5 آلاف جنيه، أو بإحدى العقوبتين، فى حال قيادة مركبة دون ترخيص تسيير أو باستخدام لوحات معدنية غير أصلية أو العبث ببياناتها أو علاماتها التأمينية، كما شملت العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وغرامة مماثلة لمن يقود مركبة دون الحصول على رخصة.
وتفرض الفقرة الخامسة من نفس المادة 77 غرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تزيد على 30 ألف جنيه فى حال عدم الصلاحية الفنية للمركبة، مثل تعطل الفرامل أو الإضاءة أو انبعاث روائح كريهة، مع مضاعفة العقوبة عند تكرار المخالفة خلال ستة أشهر.
كما تضمنت المادة 75 عقوبات بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وغرامة من 300 إلى 1500 جنيه فى حالات قيادة مركبات نقل سريع بفرامل غير صالحة، أو تقديم بيانات غير صحيحة عند الترخيص، أو تعطيل رجل المرور أو التعدى عليه أثناء تأدية عمله.
خراب بيوت
فى المقابل أكد عدد من السائقين أن الغرامات المقترحة تجاوزت حدود الردع لتقترب من العقاب القاسى، لا سيما لسائقى الأجرة والنقل والتطبيقات الذكية، الذين يعتمد دخلهم على العمل اليومى دون ضمانات أو دخل ثابت.
وقالوا إن سائقا دخله فى اليوم 300 أو 400 جنيه، لو زود السرعة 10 كيلو واتصور، يدفع شغل أسبوع أو أكتر.. ده قانون خراب بيوت .
وحذر السائقون من أن القلق من الغرامات أو الحبس قد يدفع بعض العاملين بالمهنة إلى تركها نهائياً، فى ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية، ما ينذر بتداعيات اجتماعية أوسع تتجاوز الفرد إلى أسر كاملة تعتمد على هذا الدخل.
العنصر البشرى
من جانبه اعتبر الدكتور حسن مهدى، أستاذ هندسة الطرق والنقل بكلية الهندسة جامعة عين شمس أن تغليظ العقوبات فى قانون المرور الجديد يُعد خطوة مهمة، لكنه لا يكفى وحده للحد من الحوادث المرورية، مشدداً على أن نجاح القانون مرهون بالتعامل مع العنصر البشرى وتحسين تنظيم الطرق فى الوقت نفسه.
وأوضح «مهدى» فى تصريحات صحفية أن العقوبة وحدها لا تصنع انضباطاً مرورياً مستداماً، ما لم يصاحبها رفع مستوى الثقافة المرورية لدى المواطنين، إلى جانب تدريب السائقين بصورة حقيقية. وأضاف أن تجديد رخص القيادة يجب ألا يقتصر على الكشف الطبى فقط، بل ينبغى أن يشمل إعادة اختبار السائق للتأكد من إلمامه بقواعد المرور وقدرته على القيادة الآمنة، موضحا أن العنصر البشرى يظل العامل الأهم والأكثر تأثيراً فى وقوع الحوادث .
وأكد أن أخطاء السائقين والسلوكيات الخاطئة تمثل النسبة الأكبر من أسباب الحوادث على الطرق.
وفيما يخص حالة الطرق، أوضح أن بعض الطرق والمحاور لا تزال بحاجة إلى مزيد من التنظيم واستكمال الإشارات المرورية ووسائل الأمان، وهو ما قد يؤثر على تطبيق القانون بنفس الدرجة من الحزم فى جميع المناطق.
وشدد مهدى على أن تقليل الحوادث يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين تشديد العقوبات، وتحسين البنية التحتية للطرق، والاهتمام بوسائل السلامة المرورية، إلى جانب رفع كفاءة السائقين، بما يحقق الهدف الحقيقى لقانون المرور الجديد فى حماية الأرواح وضبط الحركة المرورية.
تحصيل الغرامات
وقال أحمد محسن المحامى، إن القانون بصفة عامة يهدف إلى تنظيم سلوك الأفراد داخل المجتمع، ولا يجوز أن ينفصل عن أى تغير أو تطور يطرأ على هذا السلوك أو على مكونات المجتمع الذى يحكمه، مشدداً على أن التشريع الناجح هو القادر على مواكبة الواقع المتغير والتعامل معه بمرونة وحزم فى آن واحد.
وأوضح «محسن» فى تصريحات صحفية أن المعيار الأهم فى النصوص الجزائية والعقابية هو تدرج العقوبة، مشيرا إلى أن من معايير جودة التشريعات الجنائية اتساع الفجوة بين الحدين الأدنى والأقصى للعقوبة، بما يسمح للقاضى بتقدير جسامة الفعل وظروفه، ويحقق التوازن بين الردع والعدالة.
وحول التعديلات الجديدة، أكد أن أبرز المشكلات التى قد تواجه المواطنين تتمثل فى غياب الوعى الكافى بتعديلات مشروع قانون المرور، موضحا أن نقص العلامات الإرشادية على الطرق والمحاور، على سبيل المثال، قد يؤثر سلباً على إدراك المواطنين للفلسفة التشريعية للقانون الجديد ويُضعف من تقبله مجتمعياً.
وشدد «محسن» على أن التطبيق السليم للقانون يجب أن يقوم على فلسفة منع المخالفات قبل توقيع العقوبات، لا على فلسفة تحصيل الغرامات، مع ضرورة مراعاة التدرج فى العقوبات واتساع المسافة بين حدودها الدنيا والقصوى، بما يحقق الردع دون الإخلال بمبدأ العدالة، ويُسهم فى بناء ثقافة مرورية قائمة على الالتزام والوعى وليس الخوف من العقاب فقط.