بينما تتحدث الحكومة عن “استقرار السوق”، يدفع ملايين المصريين ثمن علاج لا يملكونه، في واحدة من أقسى موجات الغلاء الصحي في تاريخ البلاد.
كشفت بيانات رسمية صادرة عن مجلس الوزراء المصري، اليوم الخميس، عن ارتفاع أسعار الأدوية بنسبة 42% خلال عام 2025، في وقت يعاني فيه ملايين المرضى من عجز كامل عن توفير العلاج، وسط اتهامات مباشرة للنظام الحاكم بتحويل الدواء من حق إنساني إلى سلعة استثمارية تدر المليارات على السلطة وشركائها.
وبحسب ما أعلنه رئيس هيئة الدواء على الغمراوي، بلغ حجم تداول الدواء في السوق المحلية نحو 4 مليارات عبوة بقيمة 438 مليار جنيه خلال 2025، مقارنة بـ3.5 مليارات عبوة بقيمة 309 مليارات جنيه في 2024، وهو ما يعكس قفزة سعرية غير مسبوقة، لا تتناسب مع دخول المواطنين ولا مع الانهيار المعيشي المتواصل.
حكومة تطمئن ومرضى يسحقون
وجاءت تصريحات الغمراوي خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بحضور وزير الصحة خالد عبدالغفار وعدد من المسؤولين، لمتابعة “توافر الدواء”، في مشهد اعتادته الحكومة: لغة أرقام وطمأنة رسمية، مقابل واقع ميداني يزداد قسوة.
فالزيادات المتلاحقة في أسعار الأدوية، والتي اقتربت من 50% خلال شهور قليلة، دفعت آلاف المرضى – خاصة مرضى السرطان والأمراض المزمنة – إلى تقليل الجرعات أو التوقف عن العلاج نهائيًا، في ظل غياب أي شبكة حماية حقيقية، أو دعم دوائي فعال.
بيع الصحة.. من المستشفى إلى “البيزنس”
وتأتي أزمة الدواء في سياق أوسع من تفكيك ممنهج للقطاع الصحي الحكومي، حيث يواجه وزير الصحة خالد عبد الغفار انتقادات حادة، بسبب سياسات وُصفت بأنها خصخصة مقنّعة، شملت فتح الباب أمام بيع وتشغيل المستشفيات الحكومية لصالح مستثمرين خليجيين، وتحويل المرافق العامة إلى أدوات ربح، لا إلى مؤسسات علاج.
ويرى معارضون أن هذه السياسات لم تكن منفصلة عن مسار الترقي السياسي، الذي انتهى بتعيين عبد الغفار نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، في مقابل تنفيذ برنامج اقتصادي ـ صحي يخدم السلطة، لا المرضى.
من التعليم إلى الدواء نفس المنهج
ولم تتوقف الانتقادات عند ملف الصحة، إذ يُحمّل خالد عبد الغفار – خلال توليه وزارة التعليم العالي سابقًا – مسؤولية الاستيلاء على توسعات الجامعات الحكومية وتحويلها إلى جامعات أهلية بمصروفات تفوق الجامعات الخاصة، ما حرم أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة من التعليم، وكرّس نموذج “الدفع مقابل الحق”. سوق سوداء ودواء مهرّب وعلى عكس الرواية الحكومية، لا يزال سوق الدواء يعاني من نقص حاد في أصناف حيوية، خاصة أدوية الأورام والضغط والسكري والقلب، في وقت انتشرت فيه تجارة الأدوية المهربة، التي تُباع خارج الصيدليات بأسعار مضاعفة، دون رقابة أو ضمانات سلامة.
كما فاقمت أزمة الدولار وتراكم مديونيات هيئة الشراء الموحد تجاه شركات الأدوية من حالة الشلل، وهددت بتوقف التوريد للمستشفيات الحكومية، التي باتت عاجزة عن تلبية أبسط الاحتياجات العلاجية.
الدواء بين يد السلطة.. والمريض بلا خيار
وتحتكر هيئة الشراء الموحد، بقرارات رئاسية، استيراد المواد الخام والأدوية، وتدبير العملة الصعبة، لتصبح البوابة الوحيدة للسوق، وهو ما يراه منتقدون احتكارًا رسميًا فتح الباب لرفع الأسعار، وتقليص المعروض، وتحويل صحة المصريين إلى ملف أمني ـمالي، لا إنساني.
وفي المحصلة، لم تعد أزمة الدواء مجرد خلل اقتصادي، بل سياسة ممنهجة يدفع ثمنها الفقراء بأجسادهم، في ظل نظام يراكم الأرقام والمليارات، بينما يترك المرضى يواجهون مصيرهم: إما العلاج بثمن لا يُطاق، أو الموت في صمت.
وكان بيان صادر عن مجلس الوزراء المصري، اليوم الخميس، قد كشف عن زيادة أسعار الأدوية بنسبة 42% في عام 2025، وفق ما صرح به رئيس هيئة الدواء علي الغمراوي بشأن تداول أربعة مليارات عبوة دواء في السوق المحلية بقيمة438 مليار جنيه (9.28 مليارات دولار)، خلال العام الماضي، مقارنة بنحو 3.5 مليارات عبوة بقيمة 309 مليارات جنيه خلال عام 2024، بنسبة نمو بلغت 12% في إجمالي عدد العبوات،و42% في القيم المالية لأسعارها.
حديث الغمراوي جاء في اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مع عدد من المسؤولين لمتابعة مدى توافر الأدوية والمستلزمات الطبية في السوق المصرية، وموقف سداد مستحقات شركات الأدوية وذلك بحضور وزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار، ورئيس مجلس إدارة هيئة الشراء الموحد هشام ستيت، ومساعد وزير المالية لشؤون الموازنة العامة علي السيسي.
وذكر الغمراوي في الاجتماع أن الصادرات المصرية من المستحضرات والمستلزمات الطبية ارتفعت خلال 2025مقارنة بعام 2024، مشيراً إلى عدم وجود نقص في الأدوية، خصوصاً في سلاسل الصيدليات الكبرى التي كانت سابقاً تشهد ازدحاماً كبيراً، بينما "لا تشهد أي زحام حالياً، إلا في الأيام التي تصرف فيها الأدوية الشهرية للمرضى"، على حد قوله.
كما استعرض موقف السوق الدوائية عالمياً، التي تُقدر قيمتها بنحو 1.9 تريليون دولار، مستطرداً بأن سوق الدواء المصري يبرز بصفة أسرع سوق في الشرق الأوسط من حيث معدلات النمو، بفضل أهميته الاستراتيجية للتوسعات التي تحدث في الإقليم.
وعلى خلاف ما أورده البيان الحكومي من رسائل طمأنة للمواطنين، لا يزال سوق الدواء في مصر يعاني من تراجع حاد في كثير من أصناف الأدوية والمستلزمات الطبية المهمة، ولا سيما أدوية السرطان والأمراض المزمنة والكيميائية والبيولوجية.
ويأتي نقص الأدوية عبر القنوات الرسمية في وقت تنتشر فيه تجارة الأدوية المهربة من الخارج، التي تُباع خارج الصيدليات عبر سماسرة يستغلون حاجة المرضى، رغم مخاطر توريد أدوية منتهية الصلاحية وأخرى مغشوشة.
وخلال الأشهر الأخيرة، تفاقمت أزمة توريد المستلزمات الطبية في مصر نتيجة تراكم مديونيات الهيئة المصرية للشراء الموحد (حكومية) لصالح شركات الأدوية، الأمر الذي هدد بتوقف بعض الشركات عن التوريد، ومعاناة المستشفيات الحكومية من نقص واضح في الأدوية والمستلزمات الطبية، وعلى وجه أخص أدوية علاج الأورام وأمراض ارتفاع ضغط الدم والسكري والقلب.
والهيئة المصرية للشراء الموحد مكلفة بقرارات رئاسية أن تكون الوسيط الوحيد لشراء مستلزمات إنتاج المصانع من المواد الخام، وجلب الأدوية من الموردين الأجانب لصالح الموزعين والمصانع، إذ أصبحت البوابة الوحيدة القادرة على تدبير العملة الصعبة من البنوك، والمهيمنة على تجارة الأدوية المستوردة في البلاد.
ومنح القانون الهيئة- دون غيرها – الحق في تولي عمليات الشراء التي كانت تبرمها الدولة لشراء المستحضرات والمستلزمات والأجهزة الطبية وتوفيرها لجميع الجهات والهيئات والشركات الحكومية، بما في ذلك وزارة الصحة وهيئاتها ومستشفياتها، والجامعات الحكومية ومستشفياتها، وأي مستشفيات تابعة للوزارات أو الجهات والمؤسسات التعليمية والمعاهد البحثية.