يثير التصعيد الأخير في سياسات الحكومة المصرية تجاه اللاجئين السوريين تساؤلات عميقة حول دوافع هذا التحول المفاجئ، لا سيما أن السوريين شكّلوا، خلال العقد الماضي، أحد أكثر مجتمعات اللجوء اندماجًا في الاقتصاد المصري، وأسهموا في خلق فرص عمل، وتنشيط قطاعات المطاعم والصناعات الصغيرة والتجارة والخدمات، دون أن يشكّلوا عبئًا ماليًا مباشرًا على الدولة.
ورغم هذا الدور الاقتصادي، عبّرت عشر منظمات حقوقية مصرية ودولية عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«سياسة ترحيل مُقنَّع» تستهدف السوريين تحديدًا، معتبرة أن ما يجري لا يمكن تفسيره بوصفه تطبيقًا إداريًا طبيعيًا لقواعد الإقامة، بل نمطًا من الضغط المنهجي لدفع اللاجئين إلى مغادرة البلاد تحت وطأة الخوف وعدم اليقين القانوني.
من التنظيم الإداري إلى العقاب الجماعي
وفق البيان الحقوقي المشترك، شهدت الأشهر الأخيرة تغييرات مفاجئة في قواعد الإقامة، وتعطيلاً ممنهجًا لتجديدها، وربطها بمسارات شبه مغلقة (اللجوء الأممي، الدراسة، الاستثمار)، إلى جانب مواعيد إدارية تمتد لعامين، ما دفع عشرات الآلاف من السوريين إلى حالة «عدم انتظام قانوني» صنعتها الدولة نفسها.
وتحوّل هذا الفراغ القانوني ميدانيًا إلى حملات تفتيش وكمائن أمنية في أحياء ذات كثافة سورية بالقاهرة والجيزة والإسكندرية، وصولًا إلى توقيف عائلات كاملة في الغردقة، بمن فيهم مسجّلون لدى مفوضية اللاجئين أو يحملون مستندات رسمية تثبت محاولاتهم لتقنين أوضاعهم.
احتجاز بلا سند قانوني
اللافت، بحسب المنظمات، أن النيابة العامة تقرر في عدد من الحالات إخلاء سبيل المحتجزين لغياب أي نص تجريمي، غير أن الإفراج لا يُنفّذ فعليًا، إذ يستمر الاحتجاز الإداري لدى جهات أمنية، مع ضغوط مباشرة على العائلات لحجز تذاكر سفر تمهيدًا للإبعاد، في التفاف واضح على السلطة القضائية.
تناقض مع الالتزامات الدولية والدستورية
ترى المنظمات أن هذه السياسات تنتهك التزامات مصر بموجب:
اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين وبروتوكول 1967
مبدأ عدم الإعادة القسرية
العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
الدستور المصري الذي يمنح المعاهدات الدولية قوة القانون
كما يتعارض التوسع في الاحتجاز الإداري مع المعايير الدولية التي تعتبره إجراءً استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا كملاذ أخير.
لماذا الآن؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المشهد: لماذا الآن؟
تربط المنظمات هذا التصعيد بسياق أوسع، يشمل:
تنامي خطاب رسمي وإعلامي يصوّر اللاجئين كـ«عبء» أو «تهديد»
تمرير إطار تشريعي للجوء يكرّس مقاربة أمنية على حساب الحقوق
تقليص أنشطة مقدمي الخدمات للاجئين
محاولة تحميل الأجانب كلفة الأزمة الاقتصادية بدل معالجة جذورها البنيوية
وفي هذا الإطار، يبدو السوريون هدفًا «سهلًا»: بلا ظهير سياسي، وبلا حماية قانونية فعالة، رغم اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي.
توظيف أمني لا قضاء مستقل
إدراج خبر القبض على رجل أعمال سوري في مطار القاهرة – مع تسريبه إعلاميًا – يعزز هذا الانطباع، إذ جرى تقديمه كنموذج، في سياق متزامن مع حملات موسعة، بما يوحي بمحاولة تعميم الاشتباه وربط الوجود السوري بسردية الجريمة والتهرب، بغضّ النظر عن قرينة البراءة أو استقلال القضاء.
الخلاصة
ما يجري لا يبدو مجرد «تشديد إداري»، بل تحولًا سياسيًا-أمنيًا في التعامل مع ملف اللاجئين السوريين، يهدد بتقويض منظومة الحماية الدولية في مصر، ويحوّل فئة ساهمت في الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي إلى كبش فداء لأزمة أعمق.
وهو مسار، إن استمر، لا يضر السوريين وحدهم، بل يضع الدولة المصرية نفسها في مواجهة التزاماتها الدستورية والدولية، ويعمّق مناخ الخوف وعدم الأمان داخل المجتمع ككل.