وسّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دائرة تحركاته السياسية المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، عبر توجيه دعوات متتالية لقادة إقليميين للانضمام إلى ما أُطلق عليه «مجلس السلام»، في خطوة تعكس سعي واشنطن لبلورة إطار دولي–إقليمي لإدارة القطاع سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا بعد وقف إطلاق النار.
وأعلنت وزارة الخارجية الأردنية أن الملك عبد الله الثاني تلقى دعوة رسمية من ترامب للمشاركة في المجلس، مؤكدة أن عمّان تدرس الوثائق المرتبطة بالمبادرة وفق الإجراءات الدستورية والقانونية المعتمدة، مع الإشارة إلى تقدير الأردن لدور الإدارة الأمريكية في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق مسار إعادة الاستقرار في غزة.
وجاءت الدعوة الموجهة إلى الأردن بعد دعوات مماثلة لكل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمنقلب المصري عبد الفتاح السيسي، في إطار مساع أمريكية لتشكيل نواة إقليمية فاعلة تقود المرحلة الانتقالية في القطاع.
وفي القاهرة، أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن المنقلب السيسي تلقى بالفعل دعوة رسمية للانضمام إلى المجلس، موضحًا أن السلطات المصرية تدرس المقترح من مختلف الجوانب السياسية والقانونية، مع التشديد على أن أي انخراط مصري مشروط بالالتزام الكامل باستحقاقات قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من غزة، وبدء التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وتمكين لجنة فلسطينية تكنوقراطية من إدارة الشؤون اليومية في القطاع.
من جهتها، أعلنت الرئاسة التركية أن أردوغان تلقى دعوة للانضمام إلى «مجلس السلام» بصفته عضوًا مؤسسًا، مؤكدة أن المجلس يشكل أحد أعمدة الخطة الأمريكية الشاملة التي أقرها مجلس الأمن، وتشمل أيضًا تشكيل مجلس تنفيذي لغزة، ولجنة وطنية لإدارة القطاع، وقوة استقرار دولية.
وكشف البيت الأبيض عن هيكل إداري متكامل للمجلس، يتضمن مجلسًا تنفيذيًا تأسيسيًا، ومجلسًا ميدانيًا لغزة، إلى جانب تعيين ممثل سامٍ للقطاع، وقائد لقوة دولية مكلفة بتأمين غزة وضمان إيصال المساعدات الإنسانية، كما أعلنت قطر تعيين ممثل لها في المجلس التنفيذي، في تأكيد على استمرار دورها الوسيط في الملف الفلسطيني.
قراءة في الدلالات السياسية: لماذا تركيا والأردن والقاهرة؟
تعكس دعوات ترامب اختيارًا مدروسًا لقوى إقليمية، تؤدي أدوارًا متباينة في الملف الفلسطيني:
تركيا: تمثل طرفًا يملك قنوات مفتوحة مع المقاومة الفلسطينية، وتتمتع بشرعية شعبية في الشارع العربي والإسلامي، ما يمنح الخطة الأمريكية غطاءً سياسيًا أوسع.
الأردن: يُنظر إليه بوصفه لاعبًا محوريًا في قضايا القدس والوصاية على المقدسات، فضلًا عن دوره الأمني الحساس في الضفة الغربية.
نظام الانقلاب في مصر: يُستدعى بوصفه الطرف الأكثر التصاقًا بالملف الأمني لغزة، وضامنًا لمصالح الاحتلال في ملف الحدود والتهدئة، لا سيما مع سعي واشنطن لتكليف القاهرة بأدوار أمنية غير معلنة.
ويشير هذا التشكيل إلى محاولة أمريكية لإعادة إنتاج نموذج «الإدارة غير الفلسطينية لغزة»، عبر أطراف إقليمية تتولى ضبط المشهد، تمهيدًا لإعادة السلطة الفلسطينية بشروط جديدة، تتماشى مع الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية.
ما الذي يعنيه «مجلس السلام» للقضية الفلسطينية؟
رغم الغطاء الدولي، يثير «مجلس السلام» مخاوف فلسطينية واسعة، كونه قد يشكل عمليًا وصاية دولية على غزة، تُفرغ النصر السياسي للمقاومة من مضمونه، وتحول دون ترجمة صمود القطاع إلى مكاسب وطنية.
كما أن ربط إعادة الإعمار بإطار أمني دولي، وقوة استقرار خارجية، يعيد طرح سيناريو نزع سلاح المقاومة أو تحجيمها، وهو ما تعتبره الفصائل الفلسطينية خطًا أحمر.
وتخشى أوساط سياسية فلسطينية من أن يتحول المجلس إلى أداة لإدارة الصراع بدل إنهائه، عبر تثبيت واقع سياسي جديد يُقصي الإرادة الشعبية الفلسطينية، ويعيد إنتاج مقاربات فشلت سابقًا.
موقف المقاومة وحماس: رفض الوصاية وتأكيد الحق الوطني
في هذا السياق، تنظر المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، بريبة شديدة إلى المبادرة الأمريكية، فالحركة تعتبر أن أي ترتيبات لما بعد الحرب، يجب أن تكون فلسطينية خالصة، نابعة من توافق وطني، لا نتيجة إملاءات دولية أو إقليمية.
وترى حماس أن تشكيل مجالس أو لجان بإشراف أمريكي، وبمشاركة أطراف منخرطة في حصار غزة أو التنسيق الأمني مع الاحتلال، يمثل التفافًا على تضحيات الشعب الفلسطيني، ومحاولة لإعادة ضبط القطاع بما يخدم أمن إسرائيل لا حقوق الفلسطينيين.
وتؤكد المقاومة أن وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، وإدارة غزة، يجب أن تُبنى على قاعدة إنهاء الاحتلال، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لا على صيغ انتقالية تُعيد إنتاج الهيمنة نفسها بأدوات مختلفة.
خلاصة المشهد
تكشف دعوة ترامب لتركيا والأردن ونظام الانقلاب في مصر عن محاولة أمريكية حثيثة لإعادة هندسة المشهد في غزة، لكن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهونًا بقدرتها على تجاوز عقدة الشرعية الفلسطينية، وموقف المقاومة الرافض لأي حلول تنتقص من الحقوق الوطنية، في وقت لا تزال فيه غزة عنوان الصمود، لا ساحة الوصاية.