حوادث الغاز أصبحت مشهداً متكرراً ينتهي دائماً بضحايا، وتحقيقات، ووعود لا تمنع الكارثة التالية، وانفجار هنا، واختناق هناك، وألسنة لهب تلتهم شققاً سكنية، أو مطاعم أسفل عقارات، الحوادث تتكرر بنفس السيناريو، وبنفس الأخطاء، دون أن يتغير شيء.
في أغلب الوقائع، لا يكون الغاز وحده هو الجاني، بل سلسلة طويلة من الإهمال تبدأ بسلوكيات خاطئة داخل المنازل، وتمتد إلى غياب الالتزام بقواعد السلامة والصحة المهنية، وتنتهي عند ضعف الرقابة والمحاسبة، فكم من أسرة فقدت أحد أفرادها، بسبب تشغيل سخان في حمام مغلق بلا تهوية، وكم من شقة تحولت إلى كتلة لهب، لأن صاحبها فتح مفتاح الكهرباء فور شم رائحة الغاز، وكم من انفجار سببه خرطوم تالف أو أسطوانة لم تفحص منذ سنوات، بينما كان يمكن تفادي الكارثة بإجراء بسيط أو وعي غائب.
الأخطر أن الجهات الرقابية، المنُوط بها التفتيش والمتابعة، تتهم بالعجز أو التراخي في أداء دورها، فالحملات غالباً ما تأتي بعد وقوع الكارثة، لا قبلها، وتسجل المخالفات دون رادع حقيقي يمنع تكرارها، وفي ظل غياب المحاسبة الصارمة، يصبح الإهمال هو القاعدة لا الاستثناء.
إمبابة
في محافظة الجيزة، شهدت منطقة إمبابة انفجاراً داخل عقار سكني، نتيجة تسرّب غاز من ماسورة داخلية، أسفر عن إصابة عدد من السكان بحروق واختناقات، قبل أن يفارق أحدهم الحياة متأثراً بإصابته، وسط روايات أهالي المنطقة عن انتشار رائحة الغاز قبل الانفجار بدقائق، دون تدخل أو إنذار مبكر.
6 أكتوبر
وفي مدينة 6 أكتوبر، لقي زوجان مصرعهما اختناقاً داخل شقتهما؛ بسبب تسرب الغاز أثناء النوم، حيث تبيّن أن الشقة كانت مغلقة تماماً دون تهوية، فيما لم يتمكن الجيران من إنقاذهما إلا بعد فوات الأوان، لتسجل الواقعة واحدة من أخطر حوادث «غاز السخان» التي تتكرر سنوياً.
طريق الواحات
وشهد طريق الواحات واحدة من أعنف حوادث الغاز، بعدما أدى تسرب في خط غاز رئيسي إلى انفجار هائل، واشتعال النيران في سيارات المارة، ما أسفر عن مصرع عدد من المواطنين وإصابة آخرين بحروق بالغة، ف حادث أعاد فتح ملف تأمين خطوط الغاز القريبة من الطرق والمناطق السكنية.
المنيا
وفي المنيا، أُصيب عدد من المواطنين بحالات اختناق داخل عقار سكني؛ بسبب تسرب غاز داخل إحدى الشقق، وتم نقلهم إلى مستشفى الصدر لتلقي العلاج، بينما كشفت التحقيقات الأولية عن غياب التهوية، وعدم وجود وسائل أمان داخل المسكن.
إجراءات السلامة
وأكد الدكتور حسام عرفات، أستاذ البترول والتعدين بكلية الهندسة، ورئيس شعبة المواد البترولية بالغرفة التجارية سابقاً، أن الحديث عن حوادث الغاز يجب ألا يبدأ من لحظة وقوع الكارثة، بل من الأساس، وهو إجراءات السلامة والصحة المهنية، معتبراً أن غياب الوعي هو السبب الرئيسي وراء معظم الحوادث، قبل أي حديث عن جودة المواسير أو كفاءة البنية التحتية.
وأوضح عرفات في تصريحات صحفية، أن التوعية المجتمعية تمثل الخطوة الأولى والأهم قائلاً: "يجب تدريب المواطن، أو صاحب المنشأة وتوعيته بكيفية الاستخدام الآمن، وضرب مثلاً بعادة خطيرة منتشرة عند تغيير أسطوانة الغاز، حيث يقوم العامل أو ربة المنزل بإشعال النار حول الإسطوانة أو الخرطوم للتأكد من عدم وجود تسريب، وهي طريقة كارثية، قد تؤدي إلى انفجار الإسطوانة فوراً حال وجود أي تسريب ".
وأكد عرفات أن الأسلوب الصحيح هو استخدام إسفنجة مبللة بالماء والصابون وتمريرها على الخرطوم والوصلات، فإذا ظهرت فقاعات، دل ذلك على وجود تسريب، يجب التعامل معه فوراً دون إشعال أي مصدر للحرارة.
وقال عرفات: إن "التعامل الصحيح في هذه الحالة يكون بخنق النار ومنع وصول الأكسجين إليها، عبر إلقاء فوطة مبللة بالماء فوق مصدر الاشتعال، وليس محاولة إطفائها بالماء مباشرة، لما قد يسببه ذلك من تفاقم الحريق".
سوء الاستخدام
وأكد عرفات أن تغيير ثقافة المجتمع يجب أن يسبق أي نقاش حول مدى تحمل مواسير الغاز أو كفاءتها المسئولية، موضحاً أن هذه المواسير مصممة وفق معايير فنية سليمة منذ البداية، ولو لم تكن كذلك لما صمدت من الأساس، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام وغياب الوعي بإجراءات الأمان.
وشدد عرفات على أهمية وجود طفاية حريق في كل منزل، باعتبارها عنصراً أساسياً من عناصر السلامة، مع ضرورة تدريب ربات البيوت وأفراد الأسرة على استخدامها بسرعة وكفاءة، لأن الثواني الأولى في الحريق تكون حاسمة في منع تحوله إلى كارثة.
وبالنسبة لوجود أفران ومخابز ومطاعم أسفل المنازل، أوضح أن المسئولية تقع على عاتق الجهات الرقابية والسيادية والحماية المدنية، المنوط بها المتابعة والتفتيش الدوري.
وأشار عرفات إلى أن أصحاب هذه المنشآت يحصلون عند استخراج التراخيص على اشتراطات واضحة للسلامة، تشمل توفير الطفايات، وتدريب العاملين، وضمان التهوية الجيدة، إلا أن هذه الشروط غالباً ما تستوفي على الورق فقط.
وأكد أن كثيراً من أصحاب المطاعم والمخابز يهملون تدريب العمال على إجراءات السلامة، كما لا يتم تنظيف الشفاطات وفتحات التهوية، فتتراكم الدهون بمرور الوقت، حتى تصبح شرارة صغيرة كفيلة بإحداث كارثة.
وأضاف عرفات أن عدد طفايات الحريق يكون محدداً بوضوح، لكن البعض يكتفى بعدد رمزي توفيراً للنفقات، ثم يتساءل الجميع لاحقاً عن سبب الكوارث.
وأشار إلى أن الجميع مسئول بدءاً من المواطن، وصاحب المنشأة، وحتى الجهات الرقابية، مؤكداً أن الالتزام الجماعي بإجراءات السلامة والتدريب والتوعية أمور من شأنها الحد بشكل كبير من الحوادث.
وانتقد عرفات تهاون بعض الحملات التفتيشية، التي ترصد المخالفات ثم تغادر دون إجراءات حاسمة، ما يشجع على الاستمرار في الإهمال، مطالباً بضرورة تفعيل القانون وفرض عقوبات رادعة على المهملين .