ارتفعت المبيعات الخاصة بكتاب حنّة آرنت "أصول الشمولية" (1951) بشكل كبير عندما فاز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، قالت دوريات غربية بعضها أكاديمي مثل جامعة (دورهام) في مقال نشر في 5 يناير الجاري 2026، إنه "بعد ما يقرب من عام على الإدارة الثانية لترامب – وبعد مرور خمسين عامًا على وفاة آرنت في ديسمبر 1975 – يبدو أن الوقت مناسب لإعادة قراءة الكتاب ورؤية ما يمكن أن يكشفه عن عام 2025."
وقال موقع (كونفرسيشن): إن "الادعاء بأن الشعبوية الترامبية أصبحت بالفعل شمولية أمرًا مبالغًا فيه ومثيرًا للذعر، فإن الجزم بأنها ليست كذلك قد يكون مطمئنًا أكثر من اللازم، وكلا الموقفين يمكن أن يضعف قدرة الناس على الاستجابة لمتطلبات اللحظة".
وأشارت الدوريات إلى أن "سياسات دونالد ترامب ساهمت في تعزيز الشعبوية اليمينية في الولايات المتحدة."
أبرز أفكار مقال (جامعة دورهام-بريطانيا) هو عن كيف أصبحت أفكار حنة آرنت (مؤلفه الكاتب يهودية وألمانية الأصل امريكية الجنسية) حول تفكك الحقيقة، وصعود الجماهير المنعزلة مفيدة لفهم الشعبوية اليمينية في الغرب.
ويرى الكاتب أن الكتاب ساعد في تفسير الهجوم على المؤسسات، والاستقطاب الحاد والدعاية السياسية، لافتا إلى أن المقارنة ليست اتهامًا بالشمولية، بل محاولة لفهم الظروف التي قد تضعف الديمقراطية وكيف يمكن أن تتحول الديمقراطية إلى بيئة خصبة للسلطوية إذا تآكلت الحقيقة.
موقع The Conversation في 24 ديسمبر الفائت هو الأصل في إعادة قراءة أصول الشمولية في ضوء السياسة الأمريكية بعد 2025، يركز على مفهوم آرنت حول “تحطيم الواقع الموضوعي”، ويربطه بانتشار المعلومات المضللة.
وناقش كيف تُستخدم الأيديولوجيا لتقسيم المجتمع، وكيف يصبح المواطنون أكثر اعتمادًا على “زعيم مخلّص”، وكيف يؤدي الخوف إلى قبول إجراءات استثنائية، وكيف يربط بين الشعبوية والاستعداد النفسي للشمولية، دون القول إن النظام الحالي شمولي.
وفي أبريل الماضي، نشر مركز حنة آرنت مقالا بعنوان ( Temptations of Tyranny ) أصول الشمولية أو الطاغية ناقش فيه “إغراءات الطغيان” في السياسة الأمريكية واستخدم أفكار (آرنت) حول تفاهة الشر وخطر القائد الكاريزمي وحلل المقال في تلخيص الكتاب ميل بعض التيارات المحافظة إلى قبول “السلطوية الناعمة” بسبب الخوف من المؤسسات الليبرالية أو تبرير منها لتجاوزات السلطة التنفيذية مركزا على أن "الحرية تُحمى عبر تعدد مراكز القوة وليس عبر “الزعيم المنقذ” وقصدت بمراكز القوة (المشاركة المحلية، لا عبر تركيز السلطة في يد فرد واحد)
وبحسب الناشطة والمحللة نيفين ملك على فيسبوك تشرح حنة آرنت في كتابها "أصول الشمولية"، كيف تنشأ الأنظمة الشمولية، والأفكار اللي طرحتها مش مجرد تاريخ قديم، بل إنذار حيّ ممكن نشوفه يتكرر اليوم.
كيف تعمل الشمولية، وكيف نلمسها في عالمنا الآن:
– الجماهير المعزولة: لما الناس يفقدوا روابطهم الاجتماعية ويغرقوا في عزلة رقمية أو خلافات سياسية وانقسامات أيدلوجية، بيصيروا أسهل للاستغلال من طرف الخطاب الشعبوي أو الأفكار المتطرفة.
– الدعاية كواقع بديل: الأخبار الكاذبة و"الحقائق البديلة" اللي تنتشر على الإعلام ومنصات التواصل تخلق عالم موازي، يخلي الناس محتارين بين الحقيقة والخيال.
– الخوف المستمر: مش لازم يكون إرهاب بالسلاح، أحياناً الخوف من فقدان الأمن أو الوظيفة أو المستقبل يكفي ليخلي المجتمع أكثر طاعة وخضوع.
– انهيار الخصوصية: مع المراقبة الرقمية وجمع البيانات وتضييق حرية التعبير، صار صعب على الفرد يحتفظ بمساحة شخصية مستقلة، بعيداً عن السلطة أو الشركات الكبرى.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1435850734568164&set=a.202349374584979
وترى آرنت أن الشمولية ليست مجرد ديكتاتورية متطرفة، بل نظام سياسي جديد بالكامل يقوم على السيطرة الكاملة على الإنسان، ليس فقط في المجال السياسي، بل في حياته الخاصة، أفكاره، وحتى خياله. وتؤكد أن الشمولية لا تظهر فجأة، بل تتشكل عبر سلسلة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تضعف المجتمع وتجعله قابلًا للهيمنة.
وتبدأ آرنت بتحليل تفكك الطبقات الاجتماعية التقليدية في أوروبا الحديثة، وظهور جماهير واسعة من الأفراد المعزولين الذين فقدوا الروابط الاجتماعية والسياسية، هذا التفكك خلق بيئة خصبة لظهور حركات سياسية تعد بالانتماء والهوية، وتقدم تفسيرًا مبسطًا للعالم، الجماهير المنعزلة، كما تقول آرنت، تصبح أكثر قابلية للتلاعب وأكثر استعدادًا لتصديق الدعاية.
وتعتبر آرنت أن الأيديولوجيا هي قلب النظام الشمولي، فهي تقدم قانونًا تاريخيًا مزعومًا يفسر كل شيء، وتمنح السلطة مبررًا لفرض سيطرتها، في النازية، كانت الأيديولوجيا قائمة على "قوانين العرق"، وفي الستالينية على "قوانين التاريخ" الماركسية، الأيديولوجيا هنا ليست مجرد أفكار، بل أداة لتبرير العنف وإلغاء الفرد لصالح "المسار التاريخي".
وترى آرنت أن الإرهاب ليس وسيلة طارئة، بل جوهر النظام الشمولي، فهو يستخدم لتدمير الروابط الاجتماعية، وإخضاع المجتمع بالكامل، في الأنظمة الشمولية، يصبح الإرهاب منهجيًا، يستهدف حتى الموالين للنظام، لأن الهدف ليس القضاء على الخصوم فقط، بل خلق مجتمع خالٍ من أي إمكانية للمقاومة.
تؤكد آرنت أن الشمولية تقوم على تحطيم الواقع الموضوعي، فالدعاية لا تهدف إلى إقناع الناس بقدر ما تهدف إلى إرباكهم، بحيث يفقدون القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب. وعندما تنهار الحقيقة، يصبح الناس أكثر اعتمادًا على السلطة لتحديد ما يجب أن يصدقوه.
والكتاب مقسّم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، تُعدّ بمثابة أعمدة تفسير آرنت للشمولية وهي معاداة السامية (Antisemitism)وتناول: تطور معاداة اليهود في أوروبا وكيف تحولت من كراهية اجتماعية إلى أداة سياسية ودورها في تمهيد الطريق للنازية.
والثاني كان الإمبريالية (Imperialism) وتناول: توسع القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر وانهيار الدولة القومية وظهور البيروقراطيات العنيفة وكيف أدى ذلك إلى خلق جماهير معزولة قابلة للهيمنة.
أما الثالث فتناول الشمولية (Totalitarianism) النازية والستالينية كنموذجين والأيديولوجيا كأداة للسيطرة والإرهاب المنهجي وتدمير الحقيقة وتحويل الإنسان إلى "كائن زائد عن الحاجة".
وأضافت آرنت (قبل وفاتها في ديسمبر 1975) لاحقًا مقدمة جديدة في طبعة 1958 للكتاب الذي يعد من أهم 10 كتب سياسية في القرن العشرين حيث لا يقدم تاريخًا فقط، بل نظرية كاملة لفهم كيف تنشأ الأنظمة الشمولية.
كما صدرت مقالات في واشنطن بوست ونيويورك تايمز وذي اتلانتك ناقشت استخدام الدعاية السياسية والتشكيك في المؤسسات وخلق “واقع بديل” ومهاجمة الإعلام وتصوير الخصوم كتهديد وجودي ووربطت هذه الظواهر بما وصفته آرنت عن تفكك الحقيقة وعزلة الجماهير وهذه المقارنات كانت فكرية وليست اتهامات سياسية مباشرة.
مما كتب باحثون في العلوم السياسية وأكاديميين في جامعات مثل برنستون Princeton ويال Yale وهارفارد Harvard تحليلات تقول: إن "بعض الظواهر في السياسة الأمريكية الحديثة تشبه الشعبوية السلطوية (الشمولية) وتآكل المعايير الديمقراطية وتسييس الأجهزة الأمنية والقرارات الاقتصادية ذات الطابع القومي ويستشهدون بآرنت لتفسير كيف تتشكل بيئة قابلة للسلطوية رغم "تأكيدهم" أن الولايات المتحدة ليست نظامًا شموليًا".
وتحدث باحثون في ألمانيا وفرنسا، عن الاستقطاب الحاد والخطاب القومي والقرارات الاقتصادية الحمائية، وبين ما تسميه آرنت "تهيئة الجماهير للانقسام".