حجب بيانات الفقراء و الفقر يتمدد .. السيسي يدفع شرائح واسعة من المصريين إلى حافة العوز

- ‎فيتقارير

تكشف تقارير مالية دولية ومحلية متطابقة أن مصر تشهد اتساعًا غير مسبوق في رقعة الفقر، وسط سياسات اقتصادية ومالية فاسدة حوّلت أعباء الدولة إلى كاهل المواطنين، ودفعت شرائح واسعة من المجتمع إلى حافة العوز، في وقت تُوجَّه فيه موارد البلاد إلى مشروعات رأسمالية لا تولد فرص عمل، ولا تحمي الطبقة الوسطى من الانهيار.

 

وبحسب هذه التقارير، لم يعد الفقر في مصر ظاهرة هامشية أو مؤقتة، بل أصبح مسارًا عامًا يهدد ما يقترب من نصف السكان، نتيجة مزيج من الفساد المنهجي، وتضخم الديون، وانحياز السلطة إلى دعم مصالح ضباط الجيش عبر شبكات مصالح ورشاوى غير معلنة، تُمرَّر "تحت الترابيزة"، ما أدى إلى تضاعف تكاليف المشروعات الحكومية إلى ما يقرب من عشرة أضعاف قيمتها الحقيقية.

 

البنك الدولي: الفقر يتسع والقدرة الشرائية تنهار

 

في تقريره السنوي الأخير عن الفقر العالمي، خصص البنك الدولي ملفًا موسعًا عن الحالة المصرية، مؤكدًا أن بيانات الدين الأسري التي جرى تحديثها حتى عام 2025 تعكس اتجاهًا مقلقًا نحو تعميق الفقر. وأشار التقرير إلى أن نسبة الفقراء تجاوزت 32.5% من السكان في عام 2022، مقارنة بـ29.7% في عام 2020، مع اتساع الفجوة بين النمو الاقتصادي المُعلن والواقع المعيشي الفعلي.

 

وأكد خبراء البنك أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتآكل الدخول الحقيقية، وضعا ملايين الأسر في حالة ضعف استهلاكي حاد، بحيث بات الفقر النقدي أقل قسوة من الفقر الحقيقي الذي يعيشه المواطنون يوميًا. ولفت التقرير إلى أن جذور الأزمة لا ترتبط بنقص الدخل فقط، بل بتآكل الأجور تحت ضغط التضخم، وهشاشة سوق العمل، وضعف التشغيل، خاصة بين الشباب والنساء، إضافة إلى تركّز النمو في قطاعات منخفضة التشغيل لا تولد وظائف واسعة أو مستدامة.

 

وأوضح البنك أن جزءًا كبيرًا من المصريين لا يستفيد من أي نمو اقتصادي، لأن الاستثمار يتركز في أصول غير منتجة أو أنشطة مضاربية تحفظ الثروة ولا تعيد توزيعها، ما يجعل الفقر نتيجة مباشرة لطبيعة النمو نفسه، لا لظروف استثنائية عابرة. وفي هذا السياق، رفع البنك "الخط الدولي للفقر المدقع" إلى 3 دولارات يوميًا للفرد، بدلًا من 2.15 دولار، لقياس أدق للفقر في دول متوسطة الدخل مثل مصر.

 

الحكومة تخفي أرقام الفقر لحماية خطابها السياسي

 

من جانبه، قال وزير التضامن الاجتماعي الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة جودة عبد الخالق، إن الفقر في مصر لم يعد مرتبطًا بالدخل فقط، بل تحول إلى "حرمان مركب" من العمل اللائق، والخدمات الأساسية، والحماية الاجتماعية. وأكد أن معدلات الفقر تتجاوز ثلث السكان، مشيرًا إلى أن الحكومة تتعمد تأخير نشر تقارير الفقر الرسمية منذ عام 2020 لأسباب سياسية، لتفادي الاعتراف باتساع الأزمة الاجتماعية.

 

وأوضح عبد الخالق أن حصاد السياسات الاقتصادية على مدار عشر سنوات كان "مرًّا"، وقاد البلاد إلى أزمات اجتماعية غير مسبوقة، مع تحول الديون من عبء على الدولة إلى عبء مباشر على الأسر، التي لجأت إلى الاقتراض لتغطية الاحتياجات الأساسية بعد تعويم الجنيه بنحو 35% منذ مارس 2024.

 

ديون الأسر.. الفقر بالقسط

 

ووفق بيانات معهد التمويل الدولي، ارتفعت ديون الأسر المصرية إلى نحو 28.2 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بزيادة تعادل نحو 1.5 تريليون جنيه منذ تعويم 2024، تُستخدم في تمويل الغذاء والاستهلاك اليومي وسداد التزامات المعيشة، ما يعكس تحوّل الفقر إلى نمط حياة ممول بالديون.

 

خبراء: أرقام الحكومة تجميلية.. والفساد يلتهم المجتمع

 

بدورها، قالت الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي إن تأخر الحكومة في إعلان مؤشرات الفقر يعود إلى خشيتها من مواجهة نتائج سياساتها المتخبطة، مؤكدة أن الأرقام الرسمية تخضع للتلاعب، وتُصاغ بما يخدم الخطاب السياسي لا الواقع الاجتماعي. وأضافت أن ثقة المواطنين في أي بيانات حكومية تراجعت بشدة، في ظل بيروقراطية تفتقر إلى الاستقلالية، وتجاهل واضح لتدهور التعليم والصحة وانتشار الرشوة والمحسوبية.

 

واعتبرت المرشدي أن مصر تعيش داخل "مثلث رعب" يبدأ بالفقر، ويمر بالديون، وينتهي بالفساد العام، متسائلة عن منطق التفاخر بالنمو وسداد القروض، في وقت تجاوز فيه الدين الخارجي 161 مليار دولار، وأصبح الدين العام يلتهم معظم إيرادات الموازنة.

 

الفقر متعدد الأبعاد.. حرمان يتجاوز الدخل

 

وفي تقرير للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، تبيّن أن 21.2% من المصريين يعانون من فقر متعدد الأبعاد، مع حرمان واسع من العمل اللائق، والتأمينات الاجتماعية، والأمن الغذائي، وتفاوت حاد بين الريف والحضر، نتيجة غياب الخدمات الأساسية، لا سيما الصرف الصحي والإنترنت.

 

اقتصاد يخدم القلة ويقصي الأغلبية

 

وحذّر الأكاديمي سيباستيان إيلي من الجامعة الأميركية بالقاهرة من هشاشة الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن الثروة تنتقل من الطبقات الدنيا إلى العليا عبر المضاربة، بينما تُحبس أموال الأثرياء في عقارات مغلقة وذهب وأدوات غير منتجة، لا تضيف قيمة حقيقية ولا تخلق وظائف، في مقابل تآكل الأجور واتساع الفجوة الاجتماعية.

 

يرى خبراء أن استمرار حجب بيانات الفقر، والانحياز للمشروعات الرأسمالية المرتبطة بمصالح الجيش، والاعتماد على الاستدانة والضرائب غير المباشرة، يضع مصر على مسار خطير من الاحتقان الاجتماعي، حيث تُدار الدولة بالأرقام لا بالإنسان، ويُستخدم الفساد كأداة لشراء الولاءات داخل المؤسسة العسكرية، بينما يُترك المجتمع يدفع الثمن فقرًا وديونًا وانسداد أفق.