في تحرّك نادر داخل ملف المعتقلين السياسيين في مصر، تقدّم سياسيون ومحامون حقوقيون ونشطاء، الأربعاء، بمذكرة رسمية إلى النائب العام، تطالب بالإفراج عن جميع سجناء الرأي، والإفراج الفوري عن المرضى، وكل من تجاوز الحد الأقصى للحبس الاحتياطي أو لم تثبت ضدهم أدلة قانونية تبرر استمرار احتجازهم.
التحرّك، الذي جاء قبل أيام من الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير 2011، يحمل دلالات سياسية تتجاوز مضمونه القانوني، خاصة مع تزامنه مع تصاعد خطاب المطالبة برحيل عبدالفتاح السيسي، وعودة السياسة إلى المجال العام عبر حراك شبابي إلكتروني تقوده حركة «شباب Z».
توقيت ملغوم ورسائل سياسية
يرى حقوقيون أن توقيت تقديم المذكرة ليس بريئًا، إذ يأتي في لحظة تشهد تصاعدًا في الغضب الشعبي، وانسدادًا كاملًا في الأفق السياسي، وتدهورًا اقتصاديًا غير مسبوق. ويؤكدون أن أهمية الخطوة لا تكمن في توقع استجابة حقيقية من السلطة، بقدر ما تمثله من كسر لحالة الصمت المفروض منذ 2013، وإعادة تسجيل موقف قانوني وسياسي واضح: هناك مواطنون محتجزون بسبب آرائهم، وهناك قوى ترفض التطبيع مع هذا الواقع.
ومنذ أكثر من 12 عامًا، جرى إغلاق ملف المعتقلين السياسيين عمليًا، ولم يعد مطروحًا إلا باعتباره عبئًا أمنيًا يجب احتواؤه، لا قضية حقوقية تستوجب الحل. لذلك، فإن المذكرة تعيد طرح السؤال المحظور: من يحاسب على سنوات الحبس بلا محاكمة، والتدوير، والتعذيب، والإخفاء القسري؟
تحرك محسوب بلا حشد
عكس تقديم المذكرة من قبل رؤساء أحزاب وقيادات سياسية ومحامين، دون أي حشد جماهيري، إدراكًا لطبيعة اللحظة الأمنية، ورسالة مفادها تحميل السلطة مسؤوليتها القانونية أمام الرأي العام، مع تفادي إعطاء الأجهزة الأمنية ذريعة للتصعيد.
كما حمل انعقاد المؤتمر في مقر حزب الكرامة رمزية سياسية واضحة، بوصفه أحد الأحزاب المرتبطة تاريخيًا بالمعارضة المدنية وقيم ثورة يناير، في وقت تسعى فيه السلطة إلى محو أي أثر رمزي لذلك المسار.
مطالب قانونية لا سياسية
المذكرة شددت على احترام نصوص قانون الإجراءات الجنائية، خاصة التعديلات التي أقرها البرلمان في أكتوبر الماضي، والتي حدّدت سنتين كحد أقصى للحبس الاحتياطي، بما في ذلك التعديلات الأخيرة لعام 2025، مع ضرورة تفعيل البدائل القانونية للحبس الاحتياطي، والالتزام بالمراجعة الدورية لملفات القضايا كل ثلاثة أشهر.
وأكد محامون مشاركون أن المطلب الأساسي لا يتجاوز تطبيق القانون القائم، لا إصدار قرارات استثنائية أو عفو سياسي.
أسماء في الواجهة
شارك في تقديم المذكرة عدد من الشخصيات السياسية والحقوقية، بينهم: عبدالجليل مصطفى، أحمد بهاء شعبان، أحمد الطنطاوي، إبراهيم العزب، هلال عبدالحميد، وفاء المصري، صلاح عدلي، بهيجة حسين، إميل وجيه، أحمد مناع، محمد رأفت، أحمد دومة، إبراهيم الشيخ، وآخرون.
سجون بلا حقوق
التحرّك يأتي في ظل أوضاع إنسانية كارثية داخل السجون، حيث يواجه عشرات الآلاف أحكامًا مشددة ومؤبدة في قضايا وصفتها منظمات دولية مثل «هيومن رايتس ووتش» و«العفو الدولية» بأنها مسيسة، وشابتها محاكمات تفتقر لأبسط معايير العدالة.
كما تتواصل شكاوى المعتقلين وأسرهم من منع الزيارة، والتضييق في الاتصال، والإهمال الطبي المتعمد، ومنع الدواء، وسوء التهوية، والتكدس، والتعذيب البدني، ما أدى إلى ارتفاع وفيات السجون إلى 1266 حالة منذ منتصف 2013، وفق منظمة «هيومن رايتس إيجيبت».
وفي هذا السياق، برزت مناشدة الصحفي المحبوس احتياطيًا منذ 2023 محمد سعد خطاب، الذي طلب الإفراج عنه ليوم واحد فقط لحضور زفاف ابنته، كاشفًا جانبًا من القسوة اليومية التي يعيشها المعتقلون السياسيون.
بين التجاهل والمناورة
حقوقيون يرجحون أن تتعامل السلطة مع هذه الخطوة بالمنطق المعتاد: تجاهل علني، ومناورات محدودة في الكواليس، عبر إفراجات انتقائية أو قرارات إنسانية محسوبة، هدفها امتصاص الغضب لا تغيير النهج.
ويرى محللون أن فتح ملف المعتقلين بشكل شامل يظل مستبعدًا، لأنه يعني الاعتراف بأن ما جرى خلال السنوات الماضية لم يكن «حربًا على الإرهاب»، بل إقصاءً سياسيًا واسع النطاق.
حراك بلا ميدان… لكن
رغم التشكيك في قدرة هذا النوع من التحركات على إحداث اختراق فوري، إلا أن أهميته تكمن في إعادة ربط ملف سجناء الرأي بسؤال الشرعية السياسية، والتأكيد على أن الاستقرار القائم على القمع يظل هشًا مهما طال عمره.
وقد لا تغيّر المذكرة الواقع فورًا، لكنها تضيف لبنة جديدة في جدار الضغط، وتؤكد أن هذا الملف، مهما جرى دفنه، سيظل حاضرًا، يطل برأسه كلما ظنّ النظام أنه أغلقه إلى الأبد.