خلال تفقده معدلات تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الاتوبيس الترددي السريع ، قال وزير النقل والصناعة كامل الوزير : "المشروع يعد بديلاً للخط الخامس للمترو بتكلفة تقديرية أقل بكثير تصل إلى مليار دولار مقابل 6 مليارات دولار للمترو".
وانطلق "الوزير" الترقية الأسمية لـ"الاتوبيس" والفعلية بـ50 مليار دولار من المرحلة الثانية من مشروع BRT الممتدة من محطة المشير طنطاوي وحتى تقاطع الفيوم بطول 57 كم بعدد 21 محطة، من إجمالي عدد محطات المشروع بالكامل بمراحله الثلاثة والبالغة 48 محطة.
وقلل من شأن المبلغ المدفوع لتنفيذ الأتوبيس الترددي مدعيا أن التكلفة التي أدعاها بسعر السوق الحالي، وبطول 110 كم.
وأعادت تصريحات كامل الوزير الجدل الدائر حول مشروع الأتوبيس الترددي BRT على الطريق الدائري بعدما كشف عن حجم النهب الذي أعتاده منذ تسلمه قطاع النقل في مصر.
وانتشر محتوى يروّج لفكرة أن مشروع BRT، الذي لا تتجاوز تكلفته مليار دولار، يمكن أن يكون بديلًا اقتصاديًا لمشروع المترو الذي تتجاوز تكلفته ستة مليارات دولار. غير أن خبراء النقل الحضري يرون أن هذه المقارنة “مضللة” لأنها تضع وسيلتين مختلفتين تمامًا في خانة واحدة.
المترو ليس بديلًا للأتوبيس… والأتوبيس ليس بديلًا للمترو
يقول الدكتور أحمد خليل، الباحث في تخطيط النقل الحضري بجامعة القاهرة، إن المترو يُصنّف عالميًا كـ"نقل ثقيل" قادر على استيعاب ما بين 40 و60 ألف راكب في الساعة في الاتجاه الواحد، بينما لا تتجاوز قدرة أنظمة BRT المتقدمة 10–12 ألف راكب. ويضيف أن “المترو هو العمود الفقري لأي مدينة كبرى، بينما الأتوبيس—حتى في أفضل حالاته—هو مكمل وليس بديلًا”.
وتشير دراسة صادرة عن معهد النقل الحضري UITP إلى أن تكلفة إنشاء المترو عالميًا تتراوح بين 150 و300 مليون دولار للكيلومتر، ما يجعل تكلفة الخط الخامس المقترح في القاهرة (6 مليارات دولار لـ24 كم) ضمن المعدلات الطبيعية، وليس رقمًا مبالغًا فيه كما يروّج البعض.
ليس مشروع نقل حضري
يرى المهندس هاني السعيد، الخبير في هندسة المرور، أن BRT الدائري “ليس شبكة نقل حضري بالمعنى الحقيقي”، لأنه يخدم طريقًا سريعًا لا يمر داخل الأحياء السكنية، وبالتالي لا يقدّم بديلًا فعليًا للسيارات داخل القاهرة. ويضيف أن “طول الخط ليس معيارًا للجودة، فالـ110 كم على الدائري لا تعادل 10 كم داخل مدينة كثيفة”.
ماذا يمكن أن ينجزه مليار دولار في قطاع النقل في مصر؟
ووفقًا لتقديرات خبراء النقل الحضري، يمكن لمليار دولار (نحو 50 مليار جنيه) أن يغيّر شكل النقل في القاهرة الكبرى إذا استُخدم في مشروعات ذات أثر مباشر على حياة المواطنين.
1) إنشاء 40–60 كم ترام حديث داخل المدن
تشير دراسة لجامعة TU Delft الهولندية إلى أن تكلفة الترام تتراوح بين 15 و25 مليون دولار للكيلومتر.
وبالتالي يمكن لمليار دولار إنشاء شبكة ترام تخدم: مدينة نصر.. ومصر الجديدة.. والهرم.. وشبرا، وهي مناطق تحتاج إلى نقل متوسط السعة يخدم الشوارع الداخلية.
2) شراء 2000 أتوبيس كهربائي وتطوير شبكة القاهرة بالكامل
يقول الدكتور محمد فوزي، خبير النقل المستدام، إن “تطوير شبكة الأتوبيسات هو الاستثمار الأكثر تأثيرًا على المدى القصير”.
مليار دولار يمكن أن يموّل:
2000 أتوبيس كهربائي
محطات شحن
مواقف رئيسية
نظام تتبع GPS
الدفع الإلكتروني
وهو ما يعيد هيكلة النقل العام بالكامل.
3) إنشاء 200–300 كم حارات مخصصة للأتوبيسات داخل المدن
توصي دراسة للبنك الدولي بأن “الحارات المخصصة داخل المدن أكثر فاعلية من BRT على الطرق السريعة”.
تكلفة الكيلومتر 2–5 ملايين دولار، ما يسمح بإنشاء شبكة تخدم: وسط القاهرة والجيزة والمعادي وشبرا ومدينة نصر وتقلل زمن الرحلة بنسبة تصل إلى 40%.
4) تحديث خطوط الضواحي وشراء 50 قطارًا جديدًا
يشير تقرير OECD إلى أن تطوير خطوط الضواحي هو “أعلى استثمار عائد” في المدن الكبرى.
مليار دولار يمكن أن:
يحدّث 100 محطة
يشتري 50 قطارًا
يرفع الطاقة الاستيعابية لملايين الركاب يوميًا
خصوصًا على خطوط: حلوان–الجيزة، شبين–طنطا، بنها–القاهرة.
5) إنشاء خط مونوريل صغير (10–12 كم)
وفق تقديرات JICA اليابانية، تكلفة المونوريل 50–80 مليون دولار للكيلومتر.
مليار دولار يمكن أن ينشئ خطًا يخدم مناطق كثيفة مثل: مدينة نصر والهرم وشبرا
ويرى الخبراء أن BRT ليس مشروعًا سيئًا، لكنه ليس بديلًا للمترو، ولا يمكن تقديمه كحل شامل للنقل في القاهرة.
المليار دولار يمكن أن يحقق نقلة نوعية إذا وُجّه إلى: الترام والأتوبيسات الكهربائية والحارات المخصصة والضواحي والمونوريل بينما BRT الدائري يظل مشروعًا ذا أثر محدود لأنه يخدم طريقًا سريعًا وليس المدينة نفسها.
كيف وجهت تركيا المليارات
الباحث مؤمن أشرف قارن بين ما أعلن عنه "الوزير" بشأن المليار دولار ضمن كلفة مشروع الأتوبيس الترددي وما نفذته شركة بايكار بتخصص تقريباً 15٪ من إيراداتها للبحث والتطوير.. ده معناه حوالي 250 مليون دولار في سنة 2023.. برنامج تطوير محرك وطني للمسيرة اكنجي معلن رسميا إن تكلفته 300 مليون دولار على 5 سنين.. ولو حللنا الأرقام المعلنة هنوصل لتقديرات بين 400-600 مليون دولار لتطوير المسيرة أكنجي..
وأوضح أن "..المليار دولار بتاعت الاوتوبيس كانت تمول برنامج بحجم المسيرة أكنجي مرتين تقريباً.. أو تمول بحث وتطوير لمحرك مسيرة عسكري لمدة 5 سنين تقريباً اضربه في 3 مرات.. يعني تبني قدرة تكنولوجية وطنية كاملة.. مهندسين.. مصانع.. اختبارات.. صادرات.. ردع.. الفرق إن مشروع زي المسيرة دي بيخلق قيمة استراتيجية وتصديرية عالية.. لكن الاوتوبيس حتى لو مفيد فهو مشروع خدمي استهلاكي..
طبعاً ده مش بديل عن ده.. وكلامي ده شعبوي جداً.. بس ده اللي ماشي دلوقتي.. المشكلة مش اننا فقرا أوي.. المشكلة ان احنا بتوع الاوتوبيس..حرفياً".
المزاج الشعبي
ورأى عامر Aamer Mohamed أن المشكلة ليست في المشروع نفسه، بل في طريقة إدارته وتمويله. ويشير إلى أن مشروعات مثل الأتوبيس الترددي “يمكن طرحها بنظام حق الانتفاع لسنوات، ثم تعود للدولة دون أن تتحمل مليمًا واحدًا”. ويضيف أن الأولوية – من وجهة نظره – يجب أن تكون للمشروعات الدفاعية والاستراتيجية، خصوصًا إذا كانت الدولة ترغب في تعزيز نفوذها في إفريقيا، قبل أن يختم بنبرة إحباط: “ولكن تقول لمين”.
وقال معلقون إن الجانب المالي يكشف مآرب أكبر للعسكر وبحسب أسامة Osama Hassan الذي سخر من أن “الرقم يشمل الرشوة والفساد والمحسوبية والعمولات اللي هتسافر على بنوك سويسرا”، في إشارة إلى اعتقاده بأن التكلفة المعلنة لا تعكس التكلفة الحقيقية.
واستعاد علاء Alaa Ali نكتة سياسية قديمة عن مسئول عربي يضاعف تكلفة المشاريع بلا تنفيذ فعلي، معتبرًا أن المشروعات القومية الكبرى في مصر “تندرج تحت هذا النوع من الفكاهة السوداء”.
وكتب عمرو Amr Ibrahim أن المليار دولار “مش كله للأتوبيس”، بل يتوزع – ساخرًا – على “الشاي بتاع كل اللي داخل في الليلة من أول الرئيس لحد وكيل الوزارة”، في إشارة إلى شبكة المصالح والعمولات.
واختصر هشام Hesham Wahby رؤيته بجملة واحدة: “اللي في دماغهم السبوبة”.
وقدّم نوح Noah Al-Alfi رؤية أكثر توازنًا، معتبرًا أن الأتوبيس الترددي “بيحل مشكلة وبيوفر وسيلة نقل بسعر كويس وغير مؤذٍ للبيئة”. لكنه يرفض فكرة التضحية بمشروعات أكبر من أجل أخرى أصغر، ويشبّه ذلك بـ“بيع كاميرا علشان تجيب عدسة”.
وربط حسن نور بين مشروع BRT ومشروعات أخرى يرى أنها ذات طابع استعراضي، مثل “أكبر ساعة في العاصمة الإدارية”، معتبرًا أن الهدف النهائي هو “نبيعها أو نأجرها… المهم حسابنا في البنك”.
كما أشار Mohamad Mahmoud إلى أن تكلفة الفساد قبل 2014 كانت 600 مليار جنيه، متسائلًا عن حجمها اليوم.
انتقادات فنية وهندسية للمشروع
وقدّم هشام أيوب Hesham Ayoub نقدًا تقنيًا مفصلًا، معتبرًا أن الأتوبيس الترددي “اقتطع حارة عريضة من نهر الطريق الدائري”، ما تسبب في زحام شديد. ويرى أن المشروع لن يحقق الربط المباشر مع خطوط المترو الحالية والمستقبلية، على عكس مترو الخط الخامس الذي كان مخططًا له أن يتقاطع مع جميع الخطوط ويحقق انتقالًا سلسًا للركاب.
ويضيف أن الخيار الأفضل كان “ترامًا كهربائيًا سريعًا”، لأنه أكثر اعتمادية ويحتاج إلى حارة أضيق، ويخدم القاطنين حول الطريق الدائري بشكل أفضل.