حتى الساعة السابعة مساءً من يوم 4 يناير 2026، شهد اليوم أكبر تغيير ميداني وسياسي في اليمن منذ سنوات بعد أن استعادت الحكومة الشرعية الجنوب الشرقي بالكامل، وتراجعت قوات الانتقالي المدعوم إماراتيا، وانسحب من مواقع رئيسية بعد أن فرضت السعودية واقعاً جديداً على الأرض، في حين كان تمركز الانتقالي في عدن مثار توتر أكبر من اليوم ويتوقع أنه يمتد خلال الأيام القادمة.
واعتبر مراقبون أن الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض حققت أكبر تقدم لها منذ 2015 فاستعادت المكلا وحضرموت والمهرة خلال يومين فقط بحدث غير مسبوق وتراجع (حتى الآن) النفوذ الإماراتي بشكل واضح بعد أن أعلنت ابوظبي الانسحاب من اليمن وفتح الباب أمام تقدم سعودي–حكومي سريع.
وبعد أن فقد الانتقالي مناطق استراتيجية، يحاصر اليوم عدن مع استمرار السعودية في الغارات الجوية والدعم اللوجستي اللذين كانا حاسمين في قلب المعادلة.
بحسب وكالة الأسوشيتد برس (AP)، تمكنت القوات الحكومية المدعومة سعودياً من استعادة مدينة المكلا، عاصمة حضرموت، بعد أيام من الغارات الجوية السعودية على مواقع الانتقالي.
ودخلت قوات “درع الوطن” المدينة وسط ترحيب من السكان كما بادرت مليشيات الانتقالي للانسحاب من معسكرات رئيسية في القطن وسيئون.
وباتت أبرز المناطق التي استعادت الحكومة السيطرة عليها؛ وادي حضرموت، ومنطقة شَحَرَة، ومحافظة المهرة، ومطار سيئون الدولي، ومنشآت حكومية وخدمية رئيسية.
ووفق موقع Militarnyi، شنت الحكومة اليمنية هجوماً واسعاً بعد انسحاب القوات الإماراتية من اليمن، وتمكنت خلال يومين فقط ، من هزيمة قوات الانتقالي واستعادة حضرموت والمهرة بالكامل وتفكيك معظم وجود الانتقالي في الشرق، معتبرا أن هذا التحول السريع يشير إلى أن الانسحاب الإماراتي كان نقطة مفصلية غيّرت ميزان القوى.
وبحسب تقرير Al‑Monitor، اتهمت الحكومة اليمنية المجلس الانتقالي الجنوبي بأنه يقطع الطرق المؤدية إلى عدن، ويفرض قيوداً على الحركة داخل المدينة ويعرقل وصول الإمدادات ومن جانبه، نفى الانتقالي هذه الاتهامات، لكن التصريحات تكشف أن التوتر بين الطرفين ما زال قائماً رغم خسارة الانتقالي مناطق واسعة في الشرق.
وأكد المحلل السياسي اليمني هزاع البيل عدم وجود أي بادرة حقيقية للتهدئة من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة، على الرغم من التصريحات الرسمية التي تشير إلى غير ذلك. وأوضح البيل أن تسليم المعسكرات تم بخروج الجيش من داخلها فقط، مع دخول قوات الدرع الوطني إليها، وأن قوات الانتقالي قامت بإنشاء معسكرات محاذية لقوات الجيش، وهو ما يعتبره خطوة غير جيدة.
كما أشار إلى استيلاء قوات الانتقالي على مطار الريان ونهب المعدات والأسلحة بعد خروج القوات الإماراتية. وذكر البيل أن جهود الوساطة التي قام بها الدكتور عبد الله العليمي والشيخ عثمان المجلي لم تثمر عن نتيجة بسبب تعنت المجلس الانتقالي، وأن محافظ حضرموت سالم الخمبشي دعا إلى تصنيف أبو علي الحضرمي إرهابياً دولياً.
شبوة وسقطرى
وكانت شبوة كانت خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر المحافظات التي شهدت تنافساً مباشراً بين قوات مدعومة من الإمارات (قوات العمالقة، النخبة الشبوانية سابقاً)، وقوات مدعومة من السعودية (قوات درع الوطن، وأجنحة داخل الشرعية)، وتغير الوضع فيها أكثر من مرة فكانت الإمارات كانت صاحبة النفوذ الأكبر بين 2017–2021 ومن ثم تراجع نفوذها بعد تغييرات في قيادة المحافظة، ثم عاد جزء من نفوذها عبر قوات العمالقة، ثم تراجع مرة أخرى مع صعود قوات مدعومة سعودياً.
والآن يبدو أن شبوة ليست تحت حكم إماراتي مباشر، لكنها كانت وما زالت ساحة نفوذ إماراتي قوي عبر وكلاء محليين، وهذا النفوذ يضعف أو يقوى حسب التوازنات.
وفي سقطرى يعتبر النفوذ الإماراتي هو الأقوى منذ 2020، وحالة الجزيرة مختلفة تماماً عن شبوة، فهي تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على الجزيرة بدعم إماراتي واضح، ومنذ ذلك الوقت بنت الإمارات فيها قواعد لوجستية مع الاحتلال الصهيوني، وأدارت مشاريع خدمية وأدخلت شركات اتصالات وأصبحت صاحبة النفوذ الفعلي على الأرض، من خلال وكيلها في اليمن المحتل من ابوظبي وهم مليشيات الانتقالي المدعومة إماراتياً.
ميناء المكلا
وكانت السعودية نفذت غارات جوية على ميناء المكلا في حضرموت، مستهدفة ما قالت إنه شحنة أسلحة إماراتية موجهة لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، ضمن هذه أول مواجهة مباشرة بهذا الشكل بين حليفين رئيسيين في التحالف منذ 2015.
وذلك بعد أن سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتياً على معظم محافظة حضرموت وأجزاء واسعة من المهرة ومنشآت نفطية مهمة في الشرق وهذا التوسع أثار غضب الرياض التي ترى فيه تهديداً لوحدة اليمن.
وفق ما نشرته الجزيرة، قام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإلغاء اتفاق دفاعي مع الإمارات، وطالب بخروج القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة.
هذه خطوة غير مسبوقة، وتعكس توتراً كبيراً بين الطرفين.
السعودية أيّدت قرار المجلس الرئاسي، واعتبرت أن انسحاب الإمارات خطوة ضرورية لتهدئة الوضع.
في حين أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية؛ انسحاباً كاملاً لقواتها من اليمن، بما في ذلك وحدات مكافحة الإرهاب، بسبب “التطورات الأخيرة” وتأثيرها على سلامة قواتها.
تخوفات من تجدد الصراع
وعبرت تقارير دولية منها موقع المونيتور عن أن اليمن يشهد الآن "حرباً داخل الحرب" بين قوات مدعومة من السعودية وقوات مدعومة من الإمارات وأن هذا الصراع قد يعيد إشعال الحرب الأهلية على نطاق أوسع، ويهدد أمن البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية.
وأضافت منظمات دولية ومراكز أبحاث (CFR) تحذيرات من أن التصعيد بين الرياض وأبو ظبي قد يضعف الجبهة المناهضة للحوثيين، ويفتح الباب أمام تدخلات إقليمية جديدة، ويهدد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ويعيد هذا التصعيد إلى الواجهة الانقسام التاريخي بين شمال اليمن وجنوبه، اللذين توحدا في 22 مايو 1990، لتشكيل الجمهورية اليمنية، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق البلاد نحو جولة جديدة من الصراع الداخلي، في وقت لا تزال فيه الحرب مع جماعة الحوثي تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد اليمني برمته.
الكاتب اليمني عبد الله باعبود @abaabood اعتبر أن سحب القوات الإماراتية من اليمن لا يعني نهاية الأزمة، إذ إن جوهر الصراع سياسي وبنيوي مرتبط بتفكك الدولة وتعدد مراكز النفوذ وتضارب الأجندات الداخلية والإقليمية، ما يجعل أي انسحاب أو تهدئة دون تسوية سياسية شاملة مجرد إعادة إنتاج للأزمة.
دعوات لنبذ الكراهية
وعلى المستوى اليمني
مع بداية العام الجديد، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني د. عبد الله العليمي (@ALalimiBawzer) نداءً علنيًا دعا فيه إلى تغليب صوت العقل والحكمة، محذرًا من مخاطر التصعيد العسكري في المحافظات الجنوبية، خصوصًا حضرموت والمهرة.
وطرح العليمي رؤية تقوم على الانسحاب من مناطق التوتر، رفض التصعيد، وتغليب المصلحة العامة، مع التأكيد على أن الحكمة هي أعلى درجات القوة، وليست ضعفًا، كما يربط بين هذه الدعوة وبين ضرورة دعم السعودية لاستقرار اليمن، ويختم بنداء إنساني لشعبه بأن يكون العام الجديد بداية لسلام حقيقي.
وحذر العليمي من فتح جبهات جديدة، موضحا أن أي جبهة صراع إضافية ستنعكس سلبًا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، وستضاعف معاناة الشعب المنهك.
وتوجه بنداء صريح إلى زملائه في مجلس القيادة الرئاسي وإلى المجلس الانتقالي الجنوبي، مطالبًا بمراجعة المواقف والتصرفات، وتجنب كل ما يثير الفتنة أو يعقد الأوضاع.
ودعا إلى التراجع عن خطاب التحريض والمقامرة، وإلى انتصار صوت الحكمة والعقل لتقليل الخسائر.
وجدّد العليمي شكره وتقديره لقيادة المملكة العربية السعودية، معتبرًا أن موقفها الداعم لأمن واستقرار اليمن، وخاصة المحافظات الجنوبية، موقف مشرف ومخلص، ساهم في مختلف المنعطفات التاريخية المهمة.
https://x.com/ALalimiBawzer/status/2006779856227360933