أثار الحريق الهائل الذي اندلع في استديو مصر بالهرم — أحد أعرق الصروح الفنية في البلاد — قبل أيام قليلة من إعلان المنقلب السفيه السيسي عن مشروع مدينة الإنتاج الإعلامي الجديدة في العاصمة الإدارية، موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط الإعلامية والسياسية حول توقيت الواقعة، وما إذا كانت تعكس مساراً متعمداً لإعادة هندسة صناعة الإعلام في مصر.
الحريق الذي التهم ديكور مسلسل "الكينج" بالكامل، لم يكن مجرد حادث عرضي بالنسبة لكثير من المتابعين، بالنظر إلى حجم الاستديو وقيمته التاريخية، وبالذات لحدوثه في مرحلة تشهد فيها المنظومة الإعلامية تغييرات جذرية، تشمل نقل بعض المؤسسات، وإحلال أخرى، وتفكيك مراكز نفوذ قديمة لصالح ترتيبات جديدة تُدار من داخل العاصمة الإدارية.
مدينة الإنتاج في أكتوبر… على خط النار أيضاً؟
التساؤلات اتسعت أكثر بعد حديث مصادر إعلامية عن "مخاوف داخلية" من أن يشهد مجمع مدينة الإنتاج الإعلامي في 6 أكتوبر حوادث مشابهة أو تحركات مفاجئة تمهّد لإضعافه أو تفريغه، في وقت تتردّد فيه تكهنات حول احتمالات بيع أجزاء من المدينة أو نقل ملكيتها جزئياً إلى مستثمرين خليجيين، سواء من الإمارات أو قطر، ضمن صفقات أوسع في إطار الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
ورغم عدم وجود معلومات رسمية تؤكّد هذه الفرضيات، فإن التزامن بين الحريق الكبير وبين الإعلان السياسي عن "مدينة إعلامية جديدة" في العاصمة الإدارية، أعاد إحياء فرضية خلق مبررات موضوعية لتقليص دور مدينة الإنتاج في أكتوبر، أو حتى الدفع نحو إغلاق أقسام منها بحجة تهالك البنية التحتية أو “صعوبة التطوير”.
العاصمة الإدارية… مركز القوة الجديد
طرح السيسي لمشروع إعلامي ضخم داخل العاصمة الإدارية لم يكن مفاجئاً في ظل توجه الدولة لنقل كل مراكز السلطة — السياسية والأمنية والإدارية — إلى المدينة الجديدة، التي يصفها معارضون بأنها “عاصمة الخراب” نظراً للأعباء الاقتصادية التي تسبّبت فيها.
لكن الجديد هو اتساع القيود على الأصوات المنتقدة لهذا التوجه، وهو ما تجلى في اعتقال الناشط القبطي شريف الصيرفي — أحد أبرز داعمي النظام سابقاً — بعد انتقاده المشروع ووصفه بأنه إهدار للمال العام. اعتقال الصيرفي يعزز الانطباع بأن النظام يتعامل بحساسية مفرطة تجاه أي صوت يشكك في جدوى "العاصمة الإعلامية الجديدة".
أسئلة مفتوحة
حتى الآن، لا توجد أدلة قاطعة تربط بين الحريق وبين خطط النظام الإعلامية، لكن سلسلة الوقائع المتلاحقة تفتح الباب أمام أسئلة مشروعة:
هل يسعى النظام لإضعاف المؤسسات الإعلامية القديمة تمهيداً لحصر الإنتاج داخل العاصمة الإدارية فقط؟
هل هناك مفاوضات غير معلنة لبيع أو خصخصة أجزاء من مدينة الإنتاج الإعلامي في 6 أكتوبر؟
وهل يمكن أن نشهد خلال الأسابيع المقبلة حوادث جديدة أو قرارات مفاجئة تُبرر عملياً نقل النشاط بالكامل إلى العاصمة الإدارية؟
أسئلة كثيرة… ولا إجابات رسمية حتى الآن. لكن ما هو مؤكد أن الخريطة الإعلامية في مصر تعاد كتابتها من جديد، وأن ما حدث في استوديو مصر قد يكون مجرد مقدّمة لفصل أكثر سخونة.