عمال المحاجر يواجهون الموت يوميا، حيث يعملون في مهنة شاقة تكلف الكثيرين منهم حياتهم من أجل توفير لقمة العيش لأسرهم في ظل الظروف الصعبة والأوضاع الاقتصادية الكارثية التي يعيشها المصريون في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي .
هؤلاء العمال يتنفسون الغبار طوال ساعات عملهم، بينما أيديهم تكسر الصخور، فيما تهددهم معدات ثقيلة حادة بتمزيق أجسادهم، وصخور بتفتيت عظامهم، وكابلات كهربائية بصعقهم، ورغم ذلك لا يتمتعون بمظلة تأمينية ولا تتوفر لهم رعاية اجتماعية أو صحية .
حكومة الانقلاب تتجاهلهم وكأنهم لا ينتمون لهذا الوطن وليس لهم حق في المطالبة بحقوقهم، بل وتتضامن مع أصحاب المحاجر ضدهم حتى يحصلوا على كل الأرباح والمكاسب، بينما العمال يكون مصيرهم الموت أو الإصابة بإعاقات دون أن توفر لهم حكومة الانقلاب حتى ثمن العلاج .
لقمة عيش
حسن أبو علي، واحد من عمال المحاجر، شاب جامعي، حاصل على بكالوريوس تربية رياضية، لم يسعده الحظ في الالتحاق بأية وظيفة في القطاع العام ولا الخاص، ولم يجد أمامه سوى العمل بأحد محاجر المنيا في تقطيع «بلوكات» الحجر ورفع الطوب.
يقول «أبوعلي»: “العمل بالمحاجر من أصعب المهن ومليء بالمخاطر، حيث المعدات الثقيلة والحادة، والغبار المنتشر في مكان العمل، ووسط هذه الأجواء، الغلطة الواحدة قد تكلف العمر كله”.
وأضاف: أتقاضى 300 جنيه في اليوم الواحد، لكني أقدم حياتي للخطر، مشدداً على أن كل العاملين لا يخضعون لمنظومة التأمين الصحي، ولا منظومة التأمينات الاجتماعية، والإصابة تهدد حياة كل عامل، وتهدد استقرار كل أسر عمال المحاجر، ورغم أنها المهنة الأشق والأصعب، لكن العمال يريدون لقمة عيش حلال.
وأكد «أبوعلي» في تصريحات صحفية أن العمال مهددون بالخطر في كل لحظة، وحياتهم على «كف عفريت» موضحا أن «الإصابة «اللي متموتش» تصيب بالعجز ، وإذا تعرض عامل لإصابة خطيرة أو حرجة، فصاحب المحجر لا يُبدي أي اهتمام نحوه، لا يعوضه مادياً ولا يدعمه معنوياً وسط غياب الرقابة العمالية من الجهات المسئولة ، ولهذا لا يهتم أصحاب المحاجر بالعمال في حالة إصابتهم، الأمر الذي يجعل عمال المحاجر في حالة خوف على حياتهم، لكن حرصهم على قوت يومهم و«لقمة العيش» تجبرهم على العمل وسط هذه الظروف من أجل الوفاء بمتطلبات أسرهم.
كابلات مكشوفة
وقال محمد أبو فتحي، عامل بأحد محاجر المنيا : العمل فى المحاجر مقسم على فترتين، الأولى من 4 فجرا وتنتهي 1 ظهرا فترة صباحية، والفترة المسائية تبدأ من 3 عصرا حتى 10 مساء.
وأوضح «أبو فتحي» في تصريحات صحفية أن أكثر ما يخيف العمال التعرض للإصابة، من الآلات الحادة التي يعملون بها بالمحجر أو من كابلات الكهرباء المكشوفة، وكل صاحب محجر لا يهمه سوى مصلحته دون نظر لحياة العامل وصحته التي قد يدفعها مقابل 300 جنيه في اليوم.
وأضاف: شقيقي كان يرأس العمال في أحد المحاجر، وتعرض عامل اسمه إيهاب لقطع 4 أصابع أثناء العمل، وعندما توجه لصاحب المحجر لإنقاذه ورعايته صحياً رفض مساعدته، وعلى الفور توجه العامل المصاب لعمل محضر لاتخاذ الإجراءت القانونية وتعويضه، وعندما علم صاحب المحجر بتحرير المحضر قام بنقل العامل إلى مستشفى ، وأجرى عملية جراحية لكنها فشلت وسببت عجزاً للعامل، ما اضطره إلى إجراء عملية جراحية جديدة لتصحيح أخطاء العملية الأولى رفض صاحب المصنع تعويضه عنها.
وروى «أبو فتحي» حكاية عامل آخر تعرض لقطع رجله من ماكينة «الموس»، وتم تركيب قدم صناعية له، ولم يعد قادرا على العمل ولم يتم تعويضه عن إصابته، وقال: «محدش بيسأل فيه حتى اليوم»، مؤكدا أن أقصى ما يعمله صاحب المحجر للعمال فى حالة إصابة أحدهم هو الإسعافات الأولية مرهم وشاش غيار.
ولفت إلى أن كابلات الكهرباء الخاصة بماكينات المحجر تكون مكشوفة وتهدد حياة العمال، في ظل وجود الغبار الناتج عن بودرة تقطيع «البلوكات»، مؤكدا أن أصحاب المحاجر يهددون العمال دوماً ويرددون على مسامعهم عبارة: «هتشتغل ولا تروح ونجيب غيرك»، وعندها يقع العامل في حيرة بين عودته للمنزل بلا طعام لأسرته أو استمراره في العمل ليضمن القوت لأولاده، وفي الغالب يختار البقاء في العمل حفاظا على لقمة عيشه.
مظلة تأمينية
وقال حسن سمارة، رئيس النقابة العامة للعاملين بالمحاجر والمناجم: إن “العمالة غير المنتظمة هم أكثر فئة متضررة، حيث لا يوجد لهم تأمينات اجتماعية أو صحية”.
وأضاف «سمارة» في تصريحات صحفية: «القانون 27 لسنة 81 للعاملين في المحاجر، نظم سن التقاعد المقررة للعاملين بمنشآت المحاجر والمناجم، وحددها بسن 55 عاماً للممارسين للأعمال المباشرة الصعبة بالمحاجر والمناجم في الشركات والمنشآت العامة أو الخاصة، والتي من بينها أعمال تكسير الصخور وأعمال التفجير، وأعمال الإنتاج المباشر بالمناجم المكشوفة والمحاجر، وعمال الخدمات الإنتاجية والصيانة بالمناجم والمحاجر والملاحات.
وأكد أن العمالة غير المنتظمة في المحاجر هم الأولى بالرعاية، ويحتاجون النظر إليهم بعين الرأفة، خاصة أنهم لا توجد لهم مظلات تأمينية على الحياة، كما أنهم «يوم عمل ويوم من غير» بخلاف العاملين بمحاجر الشركات فقد يكون لهم بدل صحراء، بدل إقامة، بدل وجبة، مع راتب ثابت ومظلة تأمينية ومعاشات.
وأشار «سمارة» إلى أن العمالة في القاهرة تختلف تماماً عن العمالة في المناطق النائية، خاصة أن أجر اليوم لعمال محاجر القاهرة ومنشآتها قد يكون أكبر نظرا لارتفاع حجم الإنتاج ودخل المنشآت، لافتا إلى أن عمال محاجر الطوب الأبيض هم الفئة الأصعب، والأكثر تعرضا للخطورة ويحتاجون لمظلمة تأمين اجتماعية وصحية.
وكشف أن العاملين المسجلين بعضوية النقابة العامة للعاملين بالمحاجر والمناجم، عددهم 12.5 ألف عضو، بينما هناك ما يتراوح بين 150 و200 ألف عامل ضمن العمالة غير المنتظمة، حياتهم على كف الرحمن، وقد لا يجدون الاهتمام والرعاية التي يتلقاها عمال الشركات والمنشآت، الأمر الذي يحتاج لنظر حكومة الانقلاب إليهم، وتوفير حماية اجتماعية لهم.