تنفيذا لإملاءات صندوق النقد الدولي بإلغاء التعليم المجاني تتبنى حكومة الانقلاب أساليب تعجيزية للحيلولة بين الطلاب وبين الالتحاق بالتعليم الجامعي الحكومي المجاني، ودفعهم دفعا للالتحاق بالجامعات الخاصة أو ما تسميه بالجامعات الأهلية التي أنشأتها حكومة الانقلاب كخطوة لخصخصة التعليم .
وفي محاولة لتشجيع الطلاب وأولياء الأمور على الالتحاق بالجامعات الخاصة والأهلية، تسمح حكومة الانقلاب بالقبول في كليات هذه الجامعات بمجاميع أقل بكثير من الجامعات الحكومية.
هذا ما شهدته المرحلة الأولى للقبول بالجامعات من تباين كبير بين الكليات الحكومية ونظيرتها الخاصة والأهلية، فبينما يقبل الطب الحكومي من مجموع لا يقل عن 93.17%، يتيح تنسيق الجامعة الخاصة والأهلية فرصة للطالب الحاصل على مجموع 74%، للالتحاق بكلية الطب.
أيضا تقبل كليات الهندسة الحكومية من مجموع 88.65%، بينما الخاصة والأهلية تنخفض إلى 65%، والصيدلة الحكومية من 91.7% مقابل 71% بالجامعات غير الحكومية، والتي ينخفض بها تنسيق كليات الإعلام إلى 53%، في حين لا يقل التنسيق الحكومي عن 83%.
يشار إلى أن مصروفات الجامعات الخاصة بكلية الطب البشري تشهد ارتفاعا متواصلا ، وفي هذا السياق حددت جامعة “6 أكتوبر” مصروفات العام الدراسي الجديد بنحو 140 ألف جنيه ، وارتفعت التكلفة في الجامعة الحديثة للعلوم والتكنولوجيا إلى 160 ألف جنيه ، في حين وصلت مصروفات جامعة حورس إلى 230 ألف جنيه.
في المقابل، طرحت الجامعات الأهلية أسعارا تنافسية لدراسة الطب مقارنة بنظيرتها الخاصة، ففي جامعة المنصورة بلغت المصروفات 130 ألف جينه، بينما ينخفض المبلغ بجامعة بني سويف إلى 110 آلاف جنيه.
وتتفاوت الرسوم الدراسية بشكل كبير بين الجامعات الأهلية فيما بينها، فقد أعلنت جامعة النيل الأهلية تكلفة الالتحاق بكلية الهندسة، حيث تصل إلى 145 ألف جنيه ، بينما تنخفض التكلفة إلى أقل من النصف في جامعة الزقازيق الأهلية، فلا تزيد على 60 ألف جنيه.
الطلاب الوافدون
في زمن الانقلاب لا يقتصر انخفاض درجات القبول بالكليات على الجامعات الأهلية والخاصة، بل تدخل الكليات الحكومية في مضمار المنافسة ، لجذب الطلاب غير المصريين بزعم الحصول على العملة الصعبة .
وتتيح الجامعات الحكومية للطلاب الأجانب فرص الالتحاق بها بتنسيق منخفض جدا مقارنة بنظيره المحدد للطلاب المصريين نظير مبالغ مالية تتراوح بين 2500 و6 آلاف دولار.
وقبل 5 أعوام، أعلنت وزارة التعليم العالي بحكومة الانقلاب التوجه نحو استقبال مزيد من الطلاب الأجانب بالجامعات المصرية في إطار مبادرة “ادرس في مصر” ورفعت نسبة الوافدين من 5% من إجمالي عدد الطلاب الملتحقين بالجامعات لتصبح 25%.
ومع هذا التوجه أصبحت قاعات الدراسة بكليات الطب الحكومية تضم طلابا مصريين حاصلين على مجموع لا يقل عن 93% بالثانوية العامة وطلابا وافدين حاصلين على مجموع لا يزيد على 75%.
طبقية تعليمية
من جانبه أرجع الدكتور محمد فتح الله الخبير بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي زخم الإقبال على كليات القطاع الطبي والهندسي بالجامعات الخاصة والأهلية رغم ارتفاع أسعارها، إلا أن الأسر المصرية تطمح إلى إلحاق أبنائها بكليات القطاع الطبي والهندسي، التي تُعرف بكليات القمة، إذ يضمن خريجوها الوظائف والاحترام المجتمعي .
وأشار فتح الله في تصريحات صحفية، إلى توجه حكومة الانقلاب خلال السنوات الأخيرة لمنافسة الجامعات الخاصة عبر تأسيس الجامعات الأهلية، موضحا أنها انتهجت الاستراتيجية نفسها حيال التعليم ما قبل الجامعي، إذ أنشأت مدارس خاصة تحت إشراف إدارة المشروعات بوزارة تعليم الانقلاب .
وشكك في جودة التعليم غير الحكومي، مستدلا بالتصنيفات الدولية، إذ يتراجع ترتيب الجامعات الخاصة والأهلية مقابل تقدم الجامعات الحكومية، لافتا إلى أن تصنيف شنغهاي الدولي، أدرج ، 8 جامعات حكومية مصرية ضمن أفضل ألف جامعة في العالم لعام 2024، ولم تدخل أي جامعة خاصة أو أهلية ضمن التصنيف.
وقال فتح الله : “تضمن تصنيف “كيو إس” 15 جامعة مصرية، من بينها 5 جامعات خاصة وأفرع لجامعات دولية، ضمن أفضل 1400 جامعة لعام 2024″.
وحذر فتح الله من تنامي أمراض مجتمعية، بسبب ما أسماها “الطبقية التعليمية”، مثل الحقد الطبقي وفقدان الهوية، موضحا أن الفائدة الوحيدة لهذا النوع من التعليم أنه يستوعب أعدادا كبيرة من الطلاب في ظل عجز حكومة الانقلاب عن إنشاء جامعات مجانية تسع كل خريجي الثانوية العامة.
تكافؤ الفرص
واعتبر الدكتور كمال مغيث الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية منح الطالب الأجنبي الأفضلية للالتحاق بالجامعات الحكومية على حساب الطالب المصري انتهاكا لمبدأ تكافؤ الفرص الذي من المفترض أن يبنى عليه أي مشروع تعليمي وطني.
وقال مغيث في تصريحات صحفية: إن “حكومة الانقلاب وجدت في الطلاب الأجانب حلا لمواجهة الصعوبات المالية التي تعاني منها الجامعات الحكومية، إذ يدفعون مبالغ مالية كبيرة بالعملة الصعبة نظير الخدمة التعليمية من دون مراعاة كون الوافد يحتل المقعد التعليمي الخاص بالمصري” .
وأوضح أن المنطق الربحي في التعامل مع الطلاب الأجانب بالجامعات الحكومية تُدار به الجامعات الخاصة، مشيرا إلى أن الجامعات غير الحكومية أخلّت بمبادئ المواطنة وتكافؤ الفرص والعدالة التربوية.
ورفض مغيث إطلاق اسم “الجامعات الأهلية” على الكيانات التعليمية التي تم تأسيسها مؤخرا، قائلا: إن “أول جامعة مصرية أنشئت عام 1908 كانت جامعة أهلية وتبرع لتشييدها رموز بالحركة الوطنية ووجهاء وأمراء، أما ما تم تأسيسه مؤخرا، فعبارة عن كيانات هادفة للربح فقط وليست أهلية”.