رفض نادي القضاة المصري، الذي يترأسه المستشار أبو الحسين فتحي قايد، إصدار بيان ينعي رئيس لجنة الشؤون التشريعية السابق في البرلمان ونائب رئيس محكمة النقض، ورئيس نادي قضاة الإسكندرية سابقا، وأحد أبرز رموز تيار استقلال القضاء، المستشار محمود الخضيري، الذي وافته المنية صباح أمس الأحد، عن عمر ناهز 84 عاما، بعد صراع طويل مع المرض.
وبحسب ما أكدته مصادر قضائية بارزة لوسائل إعلام عربية، فإن أزمة حدثت بين مجلس إدارة نادي القضاة المصري وأحد أفرعه، وهو مجلس إدارة نادي قضاة الإسكندرية، بعد طلب الأخير من المجلس العام إصدار بيان ينعي المستشار محمود الخضيري، باعتباره أحد شيوخ القضاة في مصر وأحد رموزه داخل مصر وخارجها.
إلا أن مجلس إدارة نادي القضاة رفض بحجة أن المستشار الخضيري كانت له “ميول سياسية”، وأنه تم سجنه بسببها لمدة ست سنوات، فحدثت مشادات ومشاحنات بين أعضاء المجلس العام والفرعي، حيث أصر مجلس نادي قضاة الإسكندرية على موقفه، ورد على المجلس العام بأن جميع الأمور التي حدثت مع المستشار الخضيري تمت بعد أن أنهى مسيرته في العمل القضائي، ولا يحسب عليه وقتها أي شيء مارسه، حيث إن كثيرا من القضاة عملوا وزراء وأعضاء بمجلس الشعب والشورى في عهد الرئيس المخلوع الراحل حسني مبارك وفي مناصب عديدة سياسية وتنفيذية، وفي العهد الحالي أيضا، ومن ثم فإنه طوال عمله القضائي كان منضبطا ورمزا وشيخا من رموز القضاة”.
وعلى الرغم من ذلك أصر نادي القضاة العام على موقفه في رفض النعي، مما دفع مجلس إدارة نادي قضاة الإسكندرية برئاسة المستشار سعد السعدني، إلى إصدار بيان مستقل باسم نادي قضاة الإسكندرية نعى خلاله المستشار الخضيري، كما أعلن عن موعد ومكان العزاء المقرر له.
وعلى الرغم من تذرع مجلس قضاة مصر بأن الخضيري انحازز سياسيا، إلا أن تصرف المجلس قمة التسييس، والانحياز لنظام الانقلاب العسكري، الذي بات مسيطرا على القضاة بالبيادة العسكرية، عبر التلاعب بالقوانين والممارسات القضائية التاريخية االراسخة بمصر.
ونعى كثير من الكتاب والمثقفين والسياسيين المصريين الخضيري، الذي عد واحدا من أبرز زعماء حركة استقلال القضاء، وكانت له مواقف واضحة ضد نظام مبارك خلال أزمة القضاة عامي 2005 و2006، حيث طالب بتعديل قانون السلطة القضائية واستقلالها، ومنع سيطرة السلطة التنفيذية على أعمالها.
وولد الخضيري في 13 يناير 1940 بمركز طهطا في محافظة سوهاج، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 1963، وعين وكيلا للنائب العام في السنة نفسها، وتدرج في المناصب القضائية حتى أصبح نائبا لرئيس محكمة النقض.
معارضة الانقلاب العسكري
واعتقل الخضيري من منزله في مدينة الإسكندرية، في نوفمبر 2013، على خلفية معارضته انقلاب الجيش على الرئيس الراحل محمد مرسي، ثم وجهت إليه تهمة كيدية بشأن احتجاز أحد المحامين لمدة ثلاثة أيام وتعذيبه، وهتك عرضه داخل مقر إحدى شركات السياحة في ميدان التحرير، خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011، وصدر بحقه حكم نهائي بالسجن لمدة ثلاث سنوات.
وفي أكتوبر 2018، أيدت محكمة النقض حكم جنايات صادر في نهاية 2017 بسجن الخضيري ثلاث سنوات أخرى، في القضية المعروفة إعلاميا بـ”إهانة القضاء”، والتي وجهت إليه فيها اتهامات بالإساءة للقضاة في أثناء انعقاد جلسات مجلس الشعب، رغم تمتعه بحصانة برلمانية وقت ارتكاب الجريمة المزعومة.
وعانى الخضيري، في سجنه الذي استمر ست سنوات وأسبوعا، من تفاقم الأمراض المزمنة التي كان مصابا بها، ورغم حسن سلوكه في السجن، وشيخوخته، لم توافق السلطات المصرية على الإفراج عنه بنصف أو ثلثي المدة، ما أثار حنق وانتقاد العديد من المنظمات الدولية التي أبرزت حالته الإنسانية.
وتدهورت الحالة الصحية للخضيري بسبب منع الأدوية عنه داخل السجن، وعدم تلقيه الرعاية الطبية اللازمة، علما بأنه كان يعاني من عدم الرؤية جيدا، وآلام شديدة في ركبتيه تعجزه عن السير أو الوقوف إلا بمساعدة الآخرين، فضلا عن أمراض أخرى مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، وعدم انتظام ضربات القلب، حيث كان من المعتاد لسجناء سجن طرة السياسيين أن يطالعوا شبح شيخ طاعن يحاول استثمار ساعة التمريض في المشي، فلا يقدر إلا على السير لبضع خطوات، ثم يتوقف، ثم يقبل عرضا بأن يتكئ على واحد من السجناء السياسيين الشباب، ثم يقف شاكرا وعاجزا عن استكمال السير حتى وهو مستند على أحدهم، لأول وهلة، كانت ملامح الوجه الشهير قد تبدلت فصار من الصعب التعرف على صاحبها، بحكم السن الطاعن من ناحية، وبحكم ظروف القهر في السجن من ناحية أخرى، بيد أن من كان يتأمله سرعان ما يهتف مستوثقا: “المستشار الخضيري؟”.