في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تشهده مصر في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، ولجوئها إلى الاقتراض والاستدانة من الداخل والخارج تضطر حكومة الانقلاب إلى الخضوع لإملاءات صندوق النقد الدولي المطالبة بتعويم الجنيه أمام الدولار والعملات الأجنبية، ما يجعل المواطنين يتحملون الكوارث الناتجة عن هذه الإملاءات، حيث تتسبب في ارتفاع جنوني في أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل الحياة جحيما بالنسبة لأغلبية المواطنين الذين لا يستطيعون الحصول على متطلباتهم الأساسية اليومية.
يشار إلى أن حالة التوترات العالية المحيطة بالاقتصاد العالمي، في ظل المخاوف من زيادة التوترات بمنطقة الشرق الأوسط والتحول إلى ساحة حرب بين إيران وإسرائيل، تسببت في تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري.
وفي أسرع رد على التطورات الاقتصادية العالمية، ارتفعت أسعار الدولار مقابل الجنيه المصري لأعلى مستوياتها منذ مارس 2024 مع تخارج قوي للمستثمرين من أذون الخزانة المصرية، حيث تكون تلك الاستثمارات أكثر حساسية لأي توترات سياسية وتسارع بالتخارج للعودة إلى دولها.
استثمارات الأجانب
الخبراء من جانبهم أرجعوا اتجاه الدولار إلى الارتفاع أمام الجنيه إلى تخارج عدد كبير من استثمارات الأجانب في أدوات الدين العام، الأمر الذي شكل ضغطا على الدولار على خلفية تصاعد وتيرة التوترات الإقليمية، فضلا عن وضع صندوق النقد الدولي شروطا جديدة على نظام الانقلاب يستوجب تنفيذها قبيل المضي في المراجعة الرابعة للاقتصاد المصري المقرر لها سبتمبر المقبل منها التحرير الكامل لسعر الصرف .
وقال الخبراء : “رغم الأنباء الإيجابية التي كان من المفترض أن تدعم قوة العملة المحلية وتعزز قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها الدولارية، خاصة مع انخفاض الدين الخارجي بأكثر من 14 مليار دولار وتقلص الإلتزامات الدولارية حتى منتصف العام المقبل/ إلا أن الدولار خالف التوقعات مرتفعا عن الجنيه الذي يشهد انخفاضا على الرغم من ارتفاع التدفقات “.
وتوقعت كابيتال إيكونوميس انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار لمستوى يتراوح بين 52 و55 جنيها خلال الفترة المقبلة .
تعويم جديد
في هذا السياق توقع الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع أن يشهد سعر العملة تحريكا جديدا قريبا، مؤكدا أن سعر الصرف الحقيقي الفعال هو مؤشر يستخدم لقياس قوة الجنيه أمام العملات الأخرى، لكنه يتأثر بشكل كبير بمعدل التضخم.
وقال نافع في تصريحات صحفية: إنه “مع ارتفاع معدل التضخم الشهري، فإن الاحتمال أن يعكس السوق هذا بشكل فيه تخفيض قيمة العملة وارد، متوقعا تعويم الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي وفقا لسياسات صندوق النقد الدولي”.
وأشار إلى أن صندوق النقد الدولي يسعى، بعد موافقته على الشريحة الثالثة لمصر، لتحقيق مرونة أكبر في سعر الصرف موضحا أن البيان الصحفي المرافق للموافقة على صرف الشريحة الثالثة من صندوق النقد الدولي أكد الاستمرار في اتباع سياسة مرنة في سعر الصرف .
وأضاف نافع : نحن نسير في اتجاه مرونة سعر الصرف، وفقا لما هو متفق عليه بين البنك المركزي وصندوق النقد الدولي .
تعويم مدار
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد ذكر الله: “لا يمكن إطلاق اسم معين على ما يحدث من انخفاض حاليا بقيمة الجنيه أمام الدولار، مؤكدا أنه لا يمكن إطلاق مصطلح التعويم المدار عليه”.
وأوضح ذكر الله في تصريحات صحفية أن التعويم المدار، هو وضع الجنيه عند هامش أعلى وهامش أدنى يتحرك بينهما، وعندما يخرج عن هذا الإطار الذي يديره البنك المركزي يتدخل البنك بيعا وشراء للعملة الأجنبية، للحفاظ على قيمة الجنيه داخل الحدود المرسومة سابقا في ظل تعويم مدار.
واعتبر أن ما يحدث حاليا؛ لا يخرج عن نطاق ضغوط صندوق النقد الدولي، غير الخفية، والتي ربما كانت السبب الرئيسي مع عوامل أخرى بالتأكيد في تأجيل مراجعة الصندوق للاقتصاد المصري أكثر من مرة، ثم الافراج عن الدفعة الثالثة من القرض بقيمة 820 مليون دولار .
وأشار ذكر الله إلى أن التراجع في قيمة الجنيه مقابل الدولار والعملات الأجنبية الأخرى يعد نوعا من أنواع التوافق مع الصندوق، لافتا إلى أن البنك المركزي المصري يتقدم خطوة ويتراجع خطوة للخلف، في إطار ما يسمى بالتعويم المدار، لأنه يعتقد أن السوق لا يمكن أن يستوعب هذه الإدارة، وأنه في ظل شح الدولار ستنفلت قيمة الجنيه في أيام معدودات .
وحول تراجع قيمة الجنيه، أوضح أنه لا سقف مدروس لقيمة انخفاض الجنيه، ولا قاع معروف يمكن أن يصل إليه، مشيرا إلى أن الأمور كلها بيد البنك المركزي ، ولا توجد إدارة لهذا التعويم، لأن الإدارة تحتاج إلى احتياطيات قوية، ويمكن أن يتدخل البنك المركزي وقت اللزوم للحفاظ على سعر الصرف، لكن هذه الاحتياطيات غير موجودة حتى الآن.
وحذر ذكر الله، من أن كل انخفاض بقيمة الجنيه يؤدي لزيادة عجز الموازنة لدولة العسكر، ويؤدي إلى اضطرار حكومة الانقلاب تحت ضغط صندوق النقد الدولي إلى رفع أسعار المحروقات ورفع أسعار بعض السلع الأساسية والمواصلات وغير ذلك، وبالتالي هذا ينقل العبء مباشرة إلى المواطن العادي الذي يتضرر من انخفاض قيمة الجنيه .
أسعار السلع
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب ، أن الأزمة الحقيقية تأتي في حالة تزامن ارتفاع سعر الدولار مع شح الأعلاف في السوق، وهو ما ينذر بكارثة ، قد تكون أعنف مما شهدناه خلال عام 2017، حيث ارتفعت كل الأسعار بنسب تتراوح بين 100%، 200%.
وحول تأثير ارتفاع سعر الدولار على أسعار السلع الأساسية واللحوم والدواجن بالسوق المحلية، قال عبدالمطلب في تصريحات صحفية : “لم تحدث ارتفاعات ملوحظة بدرجة كبيرة في أسعار اللحوم والدواجن والبيض، لأنها فعليا تم حسابها من التجار على أساس سعر الدولار 70جنيها وليس 50 جنيها فقط”.
ونوّه، إلى أن ارتفاع الدولار ينتج عنه زيادة في تكاليف المواد الخام والمدخلات والعمالة، مما يتسبب في ارتفاع الأسعار رغم حسابها على سعر عالى للدولار بالسوق.