رغم ما يعانيه القطاع الصحي في مصر من مشاكل جمة، أبرزها الاعتداءات المتتالية على الكوادر الطبية وضعف المرتبات، إلا أن إلغاء التكليف لكليات الطب والصيدلة وطب الأسنان والتمريض فتح ملفا جديدا، ربما يدق ناقوس خطر أكبر بتوجه هؤلاء المستبعدين من التكليف للسفر خارج البلاد في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من نقص حاد في الكوادر الطبية بمعظم المستشفيات والوحدات الصحية، في حين يقدم آخرون على تقديم الاستقالة، بسبب ما يعانونه من إجهاد وسوء إدارة وزارة الصحة.
إلغاء التكليف
وفي مفاجأة صدمت العديد من الطلبة خريجي التخرج بكليات الطب والصيادلة وطب الأسنان والتمريض، قال حسام عبد الغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان بحكومة الانقلاب: إن “تكليف الفرق الطبية مرتبط بالاحتياجات الصحية الفعلية، وأنه بدءا من العام المقبل 2025 فإنه سيتم تكليف الأطقم الطبية وفقا للاحتياج الفعلي للمنظومة الصحية، لافتا إلى أن هناك عجزا في تخصصات الأطباء البشريين والتمريض، بينما الصيادلة وأطباء الأسنان، لن يكون لهم احتياج العام المقبل.
ومن جانبه قال الدكتور محمد الشيخ نقيب صيادلة القاهرة: إن “هناك تكدسا واضحا لخريجي الصيدلة، لافتا إلى أن عدد خريجي الصيدلة خلال العام الجاري يبلغ 330 ألف صيدلي، بما يوزاي 5 أضعاف المعدل العالمي للاحتياج العالمي، مما يقلل الفرص المتاحة للعمل أمام الصيادلة”.
وأشار الدكتور خالد أمين عضو مجلس نقابة الأطباء، إلى أنه فيما يتعلق بأعداد الأطباء البشريين، فإن هناك عجزا نوعيا في عدد من التخصصات أبرزها؛ التخدير والعناية المركزة وطب الأسرة وغيرها من التخصصات المهمة، وتابع ، هناك أقسام كثيرة في الوحدات الصحية والمستشفيات ليس بها أطباء في تخصصات معينة، وأكد أن الهدف من قرار ربط التكليف بالاحتياجات الصحية، هو الوصول إلى منظومة طبية متكاملة ومعدلات عالمية نعمل بها.
يذكر أن اللجنة العليا تقدمت في سبتمبر عام 2022 باتفاق جميع أعضائها بتوصية للدكتور خالد عبدالغفار وزير صحة الانقلاب، بأن يكون التكليف لجميع الفئات المخاطبة بالقانون رقم (29) لسنة 1974 في شأن تكليف الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان وهيئات التمريض والفنيين الصحيين والفئات الفنية المساعدة، طبقا للاحتياجات الواردة من الجهات المذكورة بالقانون، اعتبارا من حركة تكليف عام 2025 اتساقا مع ما نص عليه قانون التكليف في هذا الصدد.
الاعتداء على الأطقم
لا يمضي أسبوع حتى ينشر خبر يتحدث عن واقعة تعدٍ جديدة على أحد الأطقم الطبية، وفجرت واقعة الاعتداء على طبيب بشري في مستشفى العبور بمحافظة كفر الشيخ غضبا واسعا بين جموع زملائه، خصوصا أنها واقعة متكررة في غياب مظلة قانونية تحمي الأطباء والمنشآت الطبية والصحية من مثل تلك الاعتداءات.
وتعود تفاصيل واقعة الاعتداء على الطبيب داخل مستشفى العبور التابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي بكفر الشيخ، لاستدعاء أحد المرضى ترافقه زوجة ابنه أشخاصا من خارج المستشفى، واعتدائهم جميعا على الطبيب والشروع في قتله وتوجيه السب والقذف له، وذلك إثر مشادة كلامية نشبت بينهما ،عندما طلب الطبيب من المريض استكمال بعض التحاليل الضرورية المطلوبة لتحديد نوع العلاج الذي سيُصرفه له.
وتلقى الطبيب تهديدات من المريض بالقتل لدى خروجه من المستشفى دهسا بالسيارة، قائلا له: “هدوسك بعربيتي وديتك عندي 50 جنيها”.
واستدعىى المريض وزوجة ابنه من الخارج، اعتدوا على الطبيب وحاولوا قتله، مما أدى إلى إصابته بكسر في كتفه الأيمن، مما تطلب جراحة إضافية و كان لا بد من تثبيته بمسامير، وتلف في الأربطة، وأصابع مكسورة، وكسر في إحدى قدميه.
علما أن الإصابات التي تعرض لها الطبيب تتطلب علاجا لا يقل عن ثلاثة أشهر، تليها رحلة أخرى مع العلاج الطبيعي، خلال هذا الوقت، ستتوقف حياة الطبيب تماما، لأنه لن يتمكن من العمل في المستشفى أو بشكل خاص، كان الطبيب أيضا يستعد لامتحان الدكتوراة، ولم يتمكن من الدخول لحالته الصحية والكسور في كتفه وأصابعه، وكذلك الشقوق في قدمه.
وعندما توجه الطبيب إلى الشرطة لتقديم بلاغ بالحادثة، تفاجأ بأن المريض قد قدم شكوى كيدية ضده، كما تم تهديد زوجته أثناء وجودها في مكتب المدعي العام، بأنها ستتعرض هي وزوجها للاضطهاد في المنزل وفي العيادة إذا لم ينشروا التقرير.
الاعتداء على الأطقم الطبية عرض مستمر
الاعتداءات الأخيرة كانت حلقة من سلسلة متكررة تجاه الأطباء مصريين، وسط مطالبات مستمرة من نقابة الأطباء بحماية كوادرها أثناء أداء عملهم بالمستشفيات.
وجاءت واقعة التعدي على طبيب كفر الشيخ بعد أيام من التعدي على طبيب بشري بمحافظة سوهاج، وسبقه انتشار فيديو يظهر محافظ سوهاج بمصر، اللواء عبدالفتاح سراج، وهو يوبخ الطبيبة سمر أنور، بسبب طلبها من أحد المرضى إحضار تذكرة دخول المستشفى قبل توقيع الكشف الطبي عليه.
وأثار الفيديو ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وأدى إلى اعتذار من رئيس وزراء الانقلاب، مصطفى مدبولي، في حوار مباشر تجاه الطبيبة سمر أنور، المعروفة بـ”طبيبة المراغة”.
وفي فبراير الماضي، شهد مستشفى المطرية التعليمي اعتداء أحد المرافقين لحالة محجوزة بالمستشفى، على طبيب الرعاية المركزة محمد سامي، أثناء عمله وأسقطه أرضا، وأحدث به إصابات منها كسر بعظام الجمجمة ونزيف بالمخ وكسر بعظمة الترقوة وكدمات متفرقة بالوجه والجسم واضطراب بدرجة الوعي، خضع على أثرها الطبيب لعملية جراحية بالمخ، بحسب “الأهرام”.
وفي أغسطس ٢٠٢٣، أعلنت النيابة العامة بمصر فتح تحقيق في واقعة اعتداء مروعة ارتكبها أهالي مريض على الطاقم الطبي بقسم العناية المركزة في مستشفى الأزهر الجامعي بدمياط شمالي القاهرة، ما نتج عنه إصابة 11 طبيبا بإصابات بالغة.
وفي ديسمبر ٢٠٢٢، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر بعد تداول أخبار عن اعتداء عدد من الأشخاص على طاقم طبي في مستشفى قويسنا المركزي في محافظة المنوفية، شمال القاهرة، فيما يُعرف بواقعة “الكرباغ”.
وبحسب وسائل إعلام محلية، وما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، فقد قام أحد المواطنين وأسرته بالاعتداء على ممرضات وعاملات في المستشفى، ما أدى إلى إجهاض إحداهن وإصابة أخريات.
وفي سبتمبر ٢٠٢٢، اعتدى أفراد يرافقون مريضا على طاقم طبي في مستشفى البنك الأهلي، في القاهرة، ما أسفر عن إصابة طبيبين بكسور وممرضين بجروح متفرقة، بحسب موقع “الحرة” .
وفي مايو الماضي، طالب نقيب الأطباء المصري، الدكتور أسامة عبدالحي، بضرورة تشديد عقوبات الاعتداء على الأطقم الطبية في المستشفيات، و ذلك خلال كلمته بحفل يوم الطبيب المصري، الذي احتفلت به النقابة.
هل الهجر والاستقالة هي الحل؟
ويطرح إلغاء التكليف واستمرار وقائع الاعتداءات على الأطقم الطبية تساؤلات ما قد يشكل هذا في هجرة الأطباء إلى الخارج، واستقالتهم من القطاع الحكومي.
وبحسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن نقابة الأطباء، فإنه خلال عام 2016، كان عدد الأطباء المستقيلين من الحكومة 1044 طبيبا، وفي 2017، كان عددهم 2549 طبيبا، وفي عام 2018، كان العدد 2612 طبيباً، وعام 2019، كان العدد 3507 أطباء، وفي 2020، كان العدد 2968 طبيبا، أما في عام 2021، فكان العدد 4217 طبيبا وطبيبة، وخلال عام 2022، بلغ عدد الأطباء الذين تقدموا بمستندات إنهاء خدمتهم من قطاع الصحة الحكومي في مصر واستخراج شهادة “طبيب حر”، التي تعني عدم عمل الطبيب بأي جهة حكومية، 4261 طبيبا وطبيبة بمعدل يومي 12 طبيبا وطبيبة.
عقوبة الاعتداء على الطبيب
نصت المادة 136 من قانون العقوبات على أنه كل من تعدى على أحد الموظفين العموميين أو رجال الضبط أو أي إنسان مكلف بخدمة عمومية أو قاومه بالقوة أو العنف أثناء تأدية وظيفته أو بسبب تأديتها، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور أو بغرامة لا تتجاوز مائتي جنيه .
ووفقا للمادة 137 من القانون: “وإذا حصل مع التعدي أو المقاومة ضرب أو نشأ عنهما جرح تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنتين أو غرامة لا تتجاوز مائتي جنيه فإذا حصل الضرب أو الجرح باستعمال أية أسلحة أو عصى أو آلات أو أدوات أخرى أو بلغ الضرب أو الجرح درجة الجسامة المنصوص عليها في المادة 241 تكون العقوبة الحبس”.
فيما نصت المادة 137 مكرر (أ) على أن يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنين كل من استعمل القوة أو العنف أو التهديد مع موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ليحمله بغير حق على أداء عمل من أعمال وظيفته أو على الامتناع عنه ولم يبلغ بذلك مقصده ، فإذا بلغ الجاني مقصده تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على عشر سنين .
وتكون العقوبة السجن في الحالتين إذا كان الجاني يحمل سلاحا، وتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة إذا أفضى الضرب أو الجرح المشار إليه في الفقرة السابقة إلى موت.