من أجل التمهيد للانقلاب العسكري على أول تجربة ديمقراطية بتاريخ مصر، روجت الأذرع الإعلامية واللجان الإلكترونية وجبهة الإنقاذ وحملة تمرد زورا ضد الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، ونحتت المخابرات ودوائر الأمن الوطني شعار “بيع بيع يابديع”، وصدرتها للمتظاهرين في ميادين مصر وأمام قصور الرئاسة بخيانة عسكرية منقطعة النظير، وذلك في اشارة الى المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، في إشارة ضمنية أخرى إلى تحكم الإخوان في قرار الرئيس مرسي، ضمن حملة الاتهامات وتزييف الواقع لتشويه صورة الرئيس مرسي.
هذا الشعار ثبت زيفه، وأثبتت الأيام أن كل ما أُثير أيام الرئيس مرسي، كان محض افتراء، لتخويف المصريين ونشر حالة الفزع والقلق في أوساط الشعب للتمهيد للثورة على الشرعية والقانون، فلم تبع سيناء ولا قناة السويس ، كما كان يزعم السيسي وزبانيته وإعلاميوه.
والغريب أن بيع مصر يجري الآن بصورة متسارعة ، في ظل حكم العسكر والسيسي الذي لم يتوان عن تهديد الأمن القومي المصري في أهم مرتكزاته.
وقدم السيسي مصر على طبق من ذهب للسعودية في تيران وصنافير ، ورأس الحكمة للإمارات، وأراضي العياط وغرب مصر والمصانع والشركات الإنتاجية الرابحة ، كشركات الأسمدة والأسمنت والفحم والحديد ومحطات الكهرباء وأراضي وسط القاهرة ومصر القديمة وآثار مصر التي يعج بها متحف اللوفر بأبوظبي، ووصل الأمر لأرشيف التلفزيون الذي استولت عليه شركة “إيه آر تي” السعودية، وأراضي الوراق ورأس جميلة والفنادق التاريخية وأكثر من 7 موانئ مصرية وطائرات مصر للطيران التي بيعت بأقل من ثمنها بعد أيام من تشغيلها، وغيرها الكثير ، بل إن الخطر ما زال لم يأت بعد، وللأسف دون أن يتحرك أحد، أو يصف السيسي بأنه يبيع مصر، فنجد العديد من المسميات الزائفة من الحكومة والمسئولين وإعلام البغال، حيث توصم عمليات البيع ، بالاستثمار أو برنامج الطروحات، أو الخصخصة، أو إدارة الأصول المصرية.
لجنة تصفية أصول مصر
وعقب أيام من تشكيل حكومة مصطفى مدبولي الجديدة، أعلنت عن إنشاء لجنة تصفية الأصول تتبع وزارة المالية.
ووفق تقارير مؤكدة وشهادات لمسئولين رفضوا الإفصاح عن أسمائهم فإن الحكومة ماضية في مشروعها وتلقت مقترحات لبيع مبانٍ تاريخية وسط القاهرة، إلى جانب التوسع في بيع خصصها وأراضيها في مناطق حيوية للأجانب ، لبناء مشاريع استثمارية عليها، كأراضي جزيرة الوراق، وفي مناطق مطلة على نهر النيل ، بالشراكة مع مستثمرين إماراتيين.
وتختص اللجنة الجديدة بتنظيم برنامج الطروحات الحكومية، وستتولى مهمة تحديد المنشآت والشركات والأصول ذات الأولوية في البيع، وتحديد ما إذا كان ذلك سيكون من خلال طرحها في البورصة المصرية أو عبر بيعها مباشرة لمستثمرين أجانب.
كما ستكون مهمة اللجنة التأكد من العوائد التي ستحققها للدولة، وإجراء دراسات تقييمية للأصول التي سيتم بيعها لتحديد أسعارها والتعرف على العروض الخارجية المقدمة بشأن شرائها.
وتستهدف اللجنة تفعيل عمل برنامج الطروحات الحكومية بعد أن جرى تكليف الحكومة الجديدة بتسريع وتيرة عمليات تخارج الحكومة.
المقار الحكومية
ووفق مقربين من الملف الاقتصادي، فإن الأولوية خلال الفترة المقبلة ستكون لبيع مقار الوزارات بمنطقة وسط القاهرة، وأن المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد بداية هذا الشهر بمشاركة الاتحاد الأوروبي تضمن وجود عروض عديدة من جانب شركات أوروبية لديها الرغبة في الاستثمار في منطقة وسط القاهرة ومنطقة القاهرة التاريخية.
ومن المتوقع أن تتم عملية البيع على مراحل مختلفة، وأن الأولوية ستبقى للعروض المقدمة إلى المباني غير المسجلة ضمن التراث التاريخي أو الأثري، والتي ستبقى بحاجة إلى إجراءات إضافية لإمكانية التصرف فيها.
وترغب حكومة مدبولي في تسريع الاستثمارات الأجنبية المختلفة في منطقة وسط القاهرة أسوة بمقار أخرى جرى بيعها، ومن المقرر أن ترى النور كمشروعات استثمارية حديثة، مثل مقر الحزب الوطني الصادر حكم بحله قضائيا، ومبنى وزارة الداخلية القديم.
منطقة طناش
هذا بالإضافة إلى الانتهاء من بيع منطقة “طناش” المطلة على جزيرة الوراق إلى شركة إس كي جي، إلى جانب الانتهاء من طرح ما يقرب من 20 شركة بالبورصة المصرية خلال الأشهر المقبلة.
وتهدف لجنة تصفية الأصول التي تتبع وزارة المالية تحقيق 20 – 25 مليار جنيه سنويا للخزينة من عائدات التخارج خلال الأعوام المقبلة.
ديون السيسي
والغريب أن برنامج الحكومة الجديدة والهادف لتحصيل مليارات من وراء بع الأصول لا يستهدف بأي حال من الأحوال زيادة الشركات أو تأسيس مصانع وشركات جديدة تضيف قيمة رأسمالية للاقتصاد المصري، فوفق مسئولين حكوميين، فإن البرنامج الحكومي ينص على عدم استخدام الحصيلة المتحققة من بيع الأصول في إنشاء شركات جديدة تكون ملكيتها للدولة وأجهزتها أو لزيادة القاعدة الرأسمالية للشركات المملوكة للدولة.
وكان صندوق مصر السيادي قد أطلق صندوق ما قبل الطروحات في سبتمبر 2023 بهدف إعداد الشركات المملوكة للدولة للإدراج في البورصة المصرية، قبل أن يطرح الصندوق حصصا في عدد من الشركات أمام المستثمرين الاستراتيجيين.
وقبل عام ونصف تقريبا أعلنت الحكومة المصرية عن قائمة باسم الشركات التي سيتم طرحها لأول مرة بالبورصة أو لمستثمر استراتيجي: وتضمنت في ذلك الحين بنك القاهرة، وبنك المصرف المتحد، والبنك العربي الإفريقي الدولي، وشركة مصر لتكنولوجيا الإدارة والنصر للإسكان والتعمير، والمعادي للتنمية والتعمير، وشركة المستقبل للتنمية العمرانية، وشركة حلوان للأسمدة، وشركة النصر للتعدين، وشركة الحفر للبترول، والشركة المصرية للسبائك الحديدية وغيرها.
ووفق خبراء، فإن الأشهر المقبلة ستكون شاهدة على طرح 60 شركة حكومية بالبورصة، إلى 32 شركة جرى الإعلان عنهم في السابق، وذلك لتحقيق مستهدف الحكومة لجمع 5 مليارات دولار من بيع الأصول مع نهاية هذا العام.
ووفق تقديرات استراتيجية، فإن ما تقوم به الحكومة يحرم حقوق الأجيال القادمة في الاستفادة من عوائد المشروعات والأصول الحكومية، وأن فكرة إنشاء الصندوق السيادي في مصر تختلف عن غيرها من الدول إذ إنه يهدف لسداد الديون التي تسببت فيها الحكومة الحالية، وليس من أجل أن تحقق عوائد يمكن أن تفيد الاقتصاد إيجابا مستقبلا، مثلما الوضع في باقي البلدان التي تضع في حسبانها الأجيال القادمة وتعمل على توزيع ما يتحقق في الوقت الحالي من مكاسب عليها سواء من خلال بيع البترول أو ما تحققه الدول من عوائد إنتاجها المحلي مثلما الوضع بالنسبة للصين.
وتحرم الحكومة الحالية نفسها من عوائد الشركات والأصول التي تطرحها للبيع من أجل توفير دولارات تسدد بها الديون، ورغم أنها كانت تحقق أكبر استفادة مثلا من الشركة الشرقية للدخان التي كانت تدر أكبر عائد ضريبي لها، وهو ما ستكون له انعكاساته السلبية على عجز الموازنة الذي وصل إلى 1.8 تريليون جنيه، وفوائد الديون التي تزيد عن 750 مليار جنيه، فهل يتحرك أحد لوقف بيع مصر؟.