في نتاج طبيعي لفخ الديون الذي دحرج فيه المنقلب السفيه السيسي مصر، بخيانة منقطعة النظير، باتت مصر غير قادرة على سداد ديونها، بل عاجزة عن مستلزمات حياة شعبها، من دواء وغاز وكهرباء وطعام وشراب، فاتبعت سياسة “تلبيس الطواقي” بسداد الديون بديون جديدة، إلى أن وصل الأمر إلى عدم وجود من يستدين منه السيسي من جديد، فاتجه إلى بيع أصول الدولة المصرية، على الرغم من خطورته، إلى أن وصل الأمر لتقنين الأمر، وكأنه بات قدرا مقدورا على مصر في ظل حكم العسكر، بتشكيل لجنة مهمتها الإشراف على بيع الأصول الاقتصادية المصرية، وذلك ما يعيد مصر لعهود الاستعمار، بفرض الانتداب عليها، من قبل أصحاب البلد الجدد الذين اشتروا فيها كل شيء، من أراض ومصانع وشركات ومشاريع، وذلك استجابة من السيسي لشروط المحتل الاقتصادي الجديد القديم، صندوق النقد الدولي، الذي يمارس سياسة التعطيش مع السيسي ووقف شرائح قرضه لحين تنفيذ إملاءاته، ولا عزاء للشعب المصري.
وقد تجلت سياسات الفشل الاقتصادي، في إعلان الحكومة عن تشكيل لجنة وزارية مهمتها، تصفية الأصول، زاعمة أنها بهدف تحقيق عائدات سنوية للخزينة العامة للدولة.
ويريد السيسي بيع أصول سنويا بما قيمته 25 مليار جنيه ، من عائدات التخارج خلال الأعوام المقبلة، وهو ما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي، لخفض دين أجهزة الموازنة، بحسب وثيقة خطة الحكومة الجديدة خلال الـثلاث سنوات المقبلة.
وقد مارس السيسي خلال الفترة الأخيرة مقامرات عديدة، على حساب الأصول المصرية، من بيع أراض استراتيجية وحيوية، كرأس الحكمة والوراق وأراضي القاهرة القديمة، وماسبيرو وأراض الساحل بالشمالي وأراض بالعياط بالجيزة، لصالح الإمارات والسعودية، علاوة على شركات الشحن البحري والموانئ المصرية وأشهر المستشفيات الخاصة المتميزة ومعامل التحاليل ومراكز الأشعة، وشركات الحديد والصلب والكوك والألومنيوم ومصانع الأسمدة والشركات الزراعية وشركات الأغذية وغيرها، دون أن تعود عوائد تلك الأصول على عجلة الاقتصاد المصري، بل ذهبت لسداد ديون السيسي، والذي يتوسع فيها يوميا، بمشاريع فنكوشية لا تدر أي دخل على المصريين، بل تذهب لمشاريع من عينة القصور الرئاسية والطائرات الفخمة للرئاسة وأكبر ساري علم، وأكبر مسجد وأكبر كنيسة، والبرج الأيقوني وبرج
فوربس….وغيرها.
في مقابل تلك المشاريع عديمة الجدوى أو المردود الاقتصادي، يتوسع السيسي في كل السياسات الانتقامية من الشعب المصري، كتأجير المستشفيات الحكومية ورفع أسعار الخبز وأسعار السجائر والضرائب والرسوم والتعليم وغيرها.
أبعد من الدولارات
ويأتي تشكيل لجنة تصفية أصول مصر، على الرغم من استلام السيسي نحو 57 مليار دولار، من بيع رأس الحكمة للإمارات ، خلال الشهور الأخيرة، وتعهدات أوربية ودولية، بمساعدات مالية وقروض..
وهو ما يشير إلى نوايا النظام العسكري لتصفية الأصول المصرية ونزع مصادر قوة الدولة المصرية منها، وهو ما يمثل خيانة عظمى بحق المصريين.
كما أنه في مطلع الشهر الجاري، أعلنت دول الاتحاد الأوروبي عن تعهدات استثمارية لحكومة مصر بقيمة 70 مليار يورو بعد توقيع 29 اتفاقية ومذكرات تفاهم خلال مؤتمر الاستثمار الأوروبي المصري مع شركاء أوروبيين وغير أوروبيين.
ومن ضمن دلالات إنشاء اللجنة، اتجاه السيسي وحكومته الجديدة، لبيع ما تبقى من أصول الدولة، وهذا يؤكد أن هذه المرحلة ليست مرتبطة بالاحتياج الفعلي للأموال، لأنه دخل مصر أكثر من 57 مليار دولار أغلبها دخل بالفعل، والاحتياطي النقدي في زيادة وهناك تراجع في حجم الدين الخارجي، ما يعني أننا إزاء مرحلة جديدة من تصفية القطاع العام ومحاولة اجتذاب أكبر قدر من السيولة لخطط، ربما لا تكون لها علاقة بالاحتياج الفعلي للدولة، وفق تقديرات اقتصادية.
مخاطر جمة
وتهدد مخططات بيع الأصول الدولة المصرية وتحرمها من إيراداتها المستقبلية.
كما تقضم عمليات بيع الأصول حقوق المواطنين، مثل الوصول إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية وخدمات الصحة والتعليم ، بل ترفع أسعار الطعام والشراب والأدوية وجميع مستلزمات الحياة، التي ستؤول مصانع إنتاجها إلى الملاك الجدد والمحتلين الاقتصاديين لمصر.
وتذكر اللجنة المصريين بلجان الانتداب البريطاني والحماية الأجنبية المفروضة على مصر، من قبل نادي باريس والدائنين الدوليين، أيام الخديوي إسماعيل.
إذ تثير مخاوف كل الوطنيين والخبراء المصريين، وفي انتقاد شديد الحدة للقرار، أعلن السياسي المعارض، يحيى حسين عبد الهادي، براءته من عمليات بيع الأصول.
وقال في منشور له في صفحته على “فيسبوك”: ” أَمَا وقد خَلَعَت السُلْطةُ وريقةَ التوت التي كانت تُداري بها تَفريطَها في أصول الدولة تحت مُسَّمَياتٍ كاذبةٍ مخادعةٍ، وأعلنَتْها صريحةً أخيراً أنها بصدد تصفية الأصول، يُصبح من العَبَثِ مخاطبة البائع الفاقد للأهلية والمصداقية، ولكن يجبُ إعلامُ وإعلانُ كل من اشترى أو يفكر في أن يشترى أَيَّاً من هذه الأصول أننا بُرَءاءُ من هذه السُلطةِ وكُلِّ بيوعاتها”.
عمولات من تحت الترابيزة
كما يبقى الخطر الأكبر ماثلا في عمليات بيع أصول الدولة التي تفتقر إلى أي ضوابط أو رقابة حقيقية، حيث يتم تمرير جميع القرارات المتعلقة بهذه الصفقات دون اعتراض يذكر، باستثناء بعض الآراء الصادرة عن النشطاء السياسيين والخبراء الاقتصاديين، وذلك بعد التعديلات الدستورية غير المعقولة، التي أدخلها السيسي على قانون المناقصات العامة وألغى الرقابة على عقود الحكومة وحصن قراراتها، بالمخالفة لكل قواعد المنطق الاقتصادي، كما بات كل شيء يتم بالأمر المباشر، وتم نزع صلاحيات المجالس النيابية التي بات أغلب أعضائها ألعوبة بيد الأجهزة المخابراتية والأمنية، بما يسهل عمليات الفساد الاقتصادي الكبير، لدرحة أن تحصل الإمارات أموالها التي دفعتها في إحدى شركات الأسمدة، من عوائد تشغيل الشركة في عامين اثنين فقط، وهو ما يكشف حجم الفساد، وربما العمولات التي تدفع خارج المعاملات الرسمية “من تحت الترابيزة”، على حساب أموال المصريين وأصولهم التي بنوها بالدم والعرق منذ عقود، ويأتي اليوم السيسي الفاشل ليبيعها بأرخص الأثمان، لكي يقيم أوكتاغون وأبراجا أيقونية وقصورا رئاسية لا يستفيد منها سوى حاشيته الضيقة.
فخ الديون
ووفق اقتصاديين، فإن استمرار نهج الدولة في بيع الأصول، يمثل امتدادا طبيعيا وإفرازا منطقيا لإغراق مصر في الديون وتعريضها للإفلاس نتيجة خطط وسياسات وقرارات الحكومة الخاطئة.
ويبقى أن التفريط في أصول الدولة، وهي أصول للمواطنين، لا تزال عشوائية ولا تقدم أي حلولا للأزمة الاقتصادية، ولا تواجه المشاكل المستعصية مثل ارتفاع معدلات الفقر والتضخم والغلاء وارتفاع الأسعار والبطالة وعدم تمكين القطاع الخاص وشباب رجال الأعمال ورواد الأعمال، ولذلك تسعى للمزيد من القروض بلا أي خطط لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري وتحويله إلى اقتصاد إنتاجي وإصلاح ما أفسدته بأيديها طوال السنوات الماضية.
ووفق الخبير العالمي د.محمود محي الدين، فإن ربط الاستدانة بالقدرة على السداد هو الكفيل بقدرة الدولة الاقتصادية على السداد والتنمية وتحقيق الاستثمارات الفعلية، وهو أمر لا يتوافر حاليا في مصر.