على الرغم من اقتراب بعض رجال الأعمال من السلطة وارتباطهم بهم، وتمويلهم ودفع الكثير من التكاليف المالية لتحركات وقرارات السلطة ومنفذيها، إلا أن الخوف دائما ما يحكم رجال الأعمال، الذين يدركون حجم مطامع السلطة والسياسيين والأمنيين، في ابتلاع أموالم، ومن هؤلاء رجل الأعمال محمد السويدي، المقرب من السيسي، وأحد داعمي حملات السيسي الانتخابية، وأيضا أحد المتربحين من تلك العلاقة مع السيسي، عبر الحصول على مشروعات ومناقصات كبيرة ، يجري تمريرها بسهولة له، إلا أن الأمن لرجال السلطة والجيش من قبل رجال الأعمال، هو هاجس لدى أصحاب الأموال، وهو ما يفسر سعي السويدي للحصول على جنسية أجنبية، بجانب المصرية، وهو ما يتفهمه رجال الأعمال الذين لا يثقون تماما في السلطة القائمة ومطامعها المتنامية.
وهو على ما يبدو مؤشر على فقدان الثقة بالنظام السياسي القائم وأن مصيره إلى زوال ، يسعى الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال لتجنب تلك اللحظة بتوفير ملاذات مالية آمنة لهم ولأسرهم ولأموالهم أيضا.
ومؤخرا حصل السويدي على جنسية دولة سانت كيتس ونيفيس.
ونشرت الجريدة الرسمية، الأحد 7 أبريل 2024، قرار وزير الداخلية اللواء محمود توفيق، بالسماح لـ21 مصريا بالتجنس بجنسيات أجنبية مع الاحتفاظ بالجنسية المصرية، من بينهم رجل الأعمال محمد زكي السويدي، رئيس اتحاد الصناعات ورئيس مجلس إدارة مجموعة السويدي للحلول الكهربائية.
وبموجب القرار أصبح “السويدي” حاملا لجنسية دولة سانت كيتس ونيفيس إلى جانب الجنسية المصرية، وهي دولة تتكون من جزيرتين تقع في شرق البحر الكاريبي وعدد سكانها نحو 53 ألف نسمة، كما أنها تابعة للتاج البريطاني، وعضو مجموعة دول الكومنولث، التي يعد ملك بريطانيا حاكما شرفيا لها.
ومحمد زكي السويدي، هو رجل أعمال بارز، وعضو مجلس نواب سابق، كان رئيس ائتلاف دعم مصر صاحب الأغلبية في برلمان 2015، بالإضافة إلى رئاسة اتحاد الصناعات ، يشارك السويدي الدولة في عديد من المشروعات، مثل مبادرة حياة كريمة التابع لرئاسة الجمهورية، وتوصيل الكهرباء إلى مشروع توشكى بالاتفاق مع وزارة الكهرباء، ومبنى وزارة الدفاع في العاصمة الإدارية الجديدة، ومنتجع الجلالة بالعين السخنة، وتنفيذ أعمال الكهرباء بالعاصمة الإدارية الجديدة، كما تقود شركة السويدي للكابلات تحالفا مع شركة المقاولون العرب، لتنفيذ مشروع حكومي لإنتاج الكهرباء من سد “يوليوس نيريري” الكهرومائية بدولة تنزانيا، وتشرف عليه وزارة الإسكان.
و ترتبط شركة السويدي للكابلات بعقد شراكة مع الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يتيح لها الاستثمار في تصميم وإنشاء وإدارة وتشغيل وصيانة مشروعات البنية التحتية من كهرباء ومياه وصرف صحي وغاز طبيعي وإدارة للمخلفات الصلبة.
وبانتظام، يحضر “السويدي”، مؤتمرات عبد الفتاح السيسي الاقتصادية، منها حضوره فعاليات الملتقى والمعرض الدولي الأول للصناعة في أكتوبر 2022، ودورته الثانية في 2023، وعلى هامش الدورة الأولى للملتقى أهدى “السويدي” السيسي مصحفًا عقب كلمة ألقاها أمام السيسي، أشاد فيها بقرار تحرير سعر الجنيه أمام الدولار، وقال: إن “القرار أعطانا الارتياح التام في العمل”.
وشارك أيضا في المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في أكتوبر 2022، وافتتحه السيسي، بالإضافة إلى تنظيمه مؤتمرات لدعم السيسي في انتخابات رئاسة الجمهورية 2018، أثناء رئاسته لائتلاف دعم مصر في برلمان 2015.
وتبرع “السويدي” للدولة بمبلغ 5 ملايين جنيه لدعم جهود مكافحة وباء كورونا، كما أطلق في 2014 مبادرة التبرع بالمليار جنيه من الغرف والاتحادات الصناعية لصالح صندوق تحيا مصر.
لماذا سانت كيتس ونيفيس؟
تمنح حكومة سانت كيتس ونيفيس جنيستها للأجانب مقابل الدخول في برنامج “المواطنة عن طريق الاستثمار”.
وعبر هذا البرنامج، يمكن لـ المستثمر الحصول على الجنسية، نظير التبرع بمبلغ مالي قيمته 250 ألف دولار أمريكي، أو شراء عقار بقيمة 400 ألف دولار، مع الاحتفاظ بالعقار لمدة 7 سنوات قبل إعادة بيعه.
وبعد الحصول على الجنسية، يمكن إضافة أفراد الأسرة مثل الزوجة والأطفال لاحقا في أي وقت.
ويتيح جواز سفر سانت كيتس ونيفيس، إمكانية الدخول إلى 155 دولة وإقليم بدون تأشيرة، بما في ذلك دول شنجن في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأيرلندا وروسيا.
و تعطي دولة سانت كيتس ونيفيس مميزات للمستثمرين، تتلخص في السرية التامة حول الثروة، والإعفاءات الضريبية من الضرائب على الدخل و مكاسب رأس المال ورسوم الدمغة، بالإضافة إلى سهولة تأسيس الشركات دون حاجة السفر إلى هناك.
ملاذ ضريبي على القائمة السوداء في أوروبا
وفي مارس 2018، وضع الاتحاد الأوروبي 3 دول، بينها “سانت كيتس ونيفيس”، على قائمته السوداء، لفشلها في تلبية معايير العدالة الضريبية والشفافية، بعد ظهورها في سلسلة “وثائق بنما” و”أوراق الجنة”، التي كشفت أسرار الملاذات الضريبية لكبار الأثرياء في العالم.
و تسمح دولة “سانت كيتس” ونيفيس بإنشاء شركات سرية يتمتع مُلاكها بإخفاء هويتهم أكثر من أي مكان آخر على وجه الأرض تقريبًا، بحسب صحيفة الجارديان البريطانية.
في 2017، جرى تسريب معلومات عن 70 ألف شركة في “سانت كيتس ونيفيس”، ضمن تحقيقات “أوراق الجنة”، لكن ذلك لم يساعد في معرفة من يملكها لأن معلومات الملكية في الدولة الكاريبية سرية للغاية، وفقًا للجارديان.
و لجذب العملاء من الملاذات الضريبية المنافسة، تسمح قوانين “سانت كيتس ونيفيس”، بحماية ممتلكات الأثرياء من أي شخص قد يرغب في اللجوء إلى المحاكم لأخذها، سواء كان ذلك شريكا تجاريا أو زوجا أو أي شخص آخر.
و بحسب “الجارديان”تحمي “سانت كيتس، رجال الأعمال المسجلين شركات بها، من التقاضي، وذلك بتعقيد إجراءات رفع الدعوى القضائية.
وتشترط على رافع الدعوى دفع مبلغ مالي قدره 100 ألف دولار إلى المحكمة كدليل على الجدية، وحتى لو فاز بالقضية فإن هذا لا يعني حصوله على حقوقه لأنه لا توجد جهة رسمية في الدولة تحتفظ بأي معلومات حول ملكية الشركات أو أصولها، ما يعني عدم إمكانية مصادرة أي أصول محل نزاع.
ولعل الملاذات الامنة التي توفرها تلك الدول والجزر هي السبب الأهم لسعي رجال الأعمال والأثرياء للحصول على تلك الجنسيات، ووفق حوار نشرته مجلة فوربس الأمريكية في مارس 2017 مع رياز جافري، وهو محامي ومتخصص في شؤون الهجرة والجنسية، قال: إن “الحصول على جواز سفر ثان أصبح أحد طقوس الأثرياء، مضيفا أن الحصول على جنسية ثانية أو ثالثة أو رابعة يعطي الأثرياء حرية أكبر للحركة، وإحساسا أعلى بالأمان، بالإضافة إلى الأسباب المتعلقة بالضرائب”.
يشار إلى أن 95 % ممن يحاولون الحصول على جنسية ثانية يأتون من اقتصاديات ناشئة وبلدان ذات جوازات سفر لا تضمن حرية الحركة، مثل الصين وروسيا وجنوب إفريقيا وبلدان الشرق الأوسط، بحسب ما نقلته مجلة The National في عام 2015، عن أرموند أرتون، المدير التنفيذي لـ «أرتون كابيتال»، وهي مجموعة شركات كندية تقدم استشارات للمستثمرين المهاجرين.
ويضيف أن طلبات الحصول على جنسية ثانية من مواطنين من الشرق الأوسط تضاعفت في السنوات التي تلت 2011، عما قبلها من سنوات، ويُرجع ذلك إلى حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمنطقة، فيشير إلى أن 60% من عملاء الشرق الأوسط من العرب يسعون للحصول على جنسية ثانية وليس إقامة فحسب، وأغلبهم يقول: “لدينا مشكلة كبيرة لا يمكن للإقامة حلها، نريد جواز سفر آخر الآن”.
مصر والملاذات الضريبية
ووفق منصة “متصدقش”، فإن مصر لا ترتبط عادة بعلاقات تجارية أو ثقافية بجزر الملاذات الضريبية، ورغم ذلك فإن دولة جزر الكايمان وهي إحدى الملاذات الضريبية غرب البحر الكاريبي، كانت تحتل المركز السادس في قائمة أكبر الدول المستثمرة في مصر على مدار ٤٣ عاما، برأس مال يقترب من ٦ مليارات دولار، متفوقة على الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا، بحسب بيانات نشرها موقع مدى مصر في 2015.
والسبب في ذلك وفقا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الشركات القاطنة في هذه الجزر تنتمي لها فقط على الورق لأغراض التهرب أو التفادي الضريبي والسرية، و الكثير منها تنتمي لشركات ورجال أعمال مصريين بالرغم من كونها استثمارات أجنبية على الورق، إذ أنها تسجل ورقيا بوصفها استثمارات أجنبية برغم تملكها لمصريين.
وبشكل عام، ارتبطت مصر بشركات الملاذ الضريبي “أوفشور”، حيث ظهر في قاعدة بيانات “أوراق باندورا”، نحو 38 شركة أوفشور” مرتبطة بنحو 300 شخصية مصرية، أبرزهم: رجال الأعمال نجيب ساويرس وصلاح دياب وحسن هيكل وحازم بركات وبدر صيدناوي، وممدوح عباس وعدد من أفراد عائلته، وشخصيات سياسية مثل نجلي الرئيسين السابقين جمال أنور السادات، وعلاء مبارك، ومنير ثابت شقيق زوجة مبارك سوزان.
و تتمتع مراكز “الأوفشور” بسرية شديدة في التعاملات ومعدلات ضرائب صفرية أو قريبة من الصفر، ما يشجع على نقل الأرباح المحققة في مصر إلى حسابات تلك الشركات.
وعادة ما يقترن الحصول على هذا النوع من الجنسيات بالاستعانة بالتحكيم الدولي في حالة وجود نزاع مع الدولة، وبحسب أسامة دياب الباحث في العدالة الضريبية ، تعامل شركات “الأوفشور” قانونيا معاملة الاستثمارات الأجنبية في مصر، من حيث القدرة على اللجوء للتحكيم الدولي الذي كبد الموازنة المصرية مليارات الدولارات.
و حتى عام 2015، كانت مصر وقعت أكثر من 100 معاهدة استثمارات ثنائية مع الدول المختلفة، بحسب المستشار عزت محمود عودة رئيس هيئة قضايا الدولة الأسبق في حوار مع جريدة الأهرام، وتكون مثل هذه المعاهدات بالنسبة للمستثمرين، بمثابة مظلة قانونية للحماية غير المشروطة، تمكن المستثمر الأجنبي بـكـل بسـاطة اختيـار تخطي المحاكم المحليــة واللجوء إلى التحكيم الدولي، وفقا للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وخلال العامين الماضيين، اتجه رجال أعمال مصريين إلى التجنس بجنسيات أخرى أو نقل ملكية شركاتهم خارج مصر عبر صناديق استثمار أجنبية مملوكة لهم.
و في 2023، حصل رجل الأعمال المعروف كامل أبو علي، رئيس مجموعة بيك الباتروس للفنادق والمنتجعات، على الجنسية الدومينيكية، وتقدم الدولة الكاريبية تقريبًا نفس مميزات دولة سانت كيتس ونيفيس، من حرية التنقل إلى البلدان، بالإضافة إلى أنها ملاذ ضريبي آمن.
وفي 2022، باعت فريدة وياسمين خميس، ابنتا رجل الأعمال الراحل فريد خميس، كامل حصتيهما في شركة “النساجون الشرقيون”، لصالح صندوق FYK Limited المملوك لهما في بريطانيا.
و بعد عملية البيع، قال البنك المركزي في بيان إن بعض الأفراد أسسوا شركات ذات طبيعة خاصة خارج البلاد تعمل في نشاط التصدير والسياحة، بهدف الاحتفاظ بالنقد الأجنبي خارج البلاد.
وفي سبتمبر 2023، نقلت شركة دومتي المملوكة لعائلة الدماطي، ملكية ما يزيد عن 24% من أسهمها إلى شركة international Dairy Investment في جزر الكايمان (إحدى الملاذات الضريبية غرب البحر الكاريبي) والمرتبطة بطرف مرتبط بعائلة الدماطي، ما يعني أن العائلة لا تزال تحتفظ بنسبة الملكية بشكل مباشر وغير مباشر، بحسب بيان للشركة.