خلصت دراسة بعنوان “ملفات زيارة الرئيس التركي إلي مصر: التوافقات والاختلافات” إلى أن اهتمام الجانب المصري ينصب حاليا على تطوير الشق الاقتصادي والاستثماري في العلاقات الثنائية مع تركيا، في حين يولي الجانب التركي أولوية للجانب الخارجي المتعلق بعدد من الملفات الإقليمية.
وأضافت دراسة لموقع “الشارع السياسي” إلى أن في حين إنه من المتوقع أن تشهد العلاقات الثنائية الاقتصادية والعسكرية تقدما ملحوظا خلال الفترة القادمة، ومع التأكيد علي أن مسألة الإخوان المسلمين لم تعد أساسية في تقرير مستقبل العلاقة، إلا أنه من غير المتوقع أن تحل الخلافات حول القضايا الإقليمية قريبا، خصوصا حول ليبيا وشرق المتوسط.
وأشارت إلى أنه حين يتطلب التوصل لحل وسط، يستتبعه تقديم تركيا لتنازلات كبيرة تلبي المطالب المصرية، وهي التنازلات التي لن تقدم عليها أنقرة إلا مقابل تنازلات مصرية أكبر بشأن ملف شرق المتوسط، ومن غير المتوقع أن تقدم مصر على أي خطوة تضر بشراكتها مع اليونان وقبرص ومن ورائهما فرنسا في شرق المتوسط.
خروج المعارضة
وقالت الدراسة: إن “بعض المراقبين يستبعد أن يصل الأمر إلي إخراج المعارضة المصرية من تركيا بصورة نهائية، أو تسليمهم للنظام المصري، وذلك لعدة أسباب”.
فمن جانب أول، تمثل جماعة الإخوان للنظام التركي امتدادا لأيديولوجية حزب العدالة والتنمية الحاكم، فضلا عن اعتبار أردوغان تنظيم الإخوان لما له من انتشار واسع، أحد أهم أركان مشروعه لاستعادة مجد السلطنة العثمانية من خلال الترويج له ولتركيا في العالم العربي.
ومن جانب ثان، فبنظرة معمقة على الخلاف التركي-المصري تقول: إن “المعارضة المصرية لم تكن السبب المباشر للخلاف ولا حتى أهم أسبابه، ولا يفترض أن تكون أهم متطلبات التقارب، فالخلاف بدأ مع عدم اعتراف تركيا بانقلاب 2013 قبل أن يكون للمعارضة المصرية وجود أو حضور فيها، ثم تعمق لاحقا مع حالة الاستقطاب في المنطقة. هذا الموقف لا علاقة مباشرة له بدعم تركي مفترض للمعارضة أو للإخوان المسلمين، وإنما لاعتبارات أخرى منها شرعية الرئيس محمد مرسي وانتخابه ديمقراطيا وليس لأنه من الإخوان، ورفض تركيا للانقلابات العسكرية التى عانت منها لسنوات طويلة.
ومن جانب ثالث، تبدو المعارضة المصرية اليوم ضعيفة ومشرذمة وبعيدة عن إمكانية التأثير في المشهد المصري الداخلي، وباتت أقرب إلى حالة إعلامية منها إلى معارضة سياسية فاعلة، ومن ثم فهي ليست اليوم هاجسا أمنيا أو سياسيا للنظام المصري.
ومن جانب رابع، موضوع استضافة المعارضة ليس فعلا تركيا من طرف واحد، فمصر أيضا فتحت أراضيها وإمكاناتها لجماعة غولن المصنفة على قوائم الإرهاب التركية والمتهمة بتنفيذ الانقلاب الدموي الفاشل عام 2016.
ومن جانب خامس، ثمة مصالح حيوية بين البلدين أرجح كثيرا في كفة العلاقات من نقاش موضوع المعارضة المصرية، فملفات مثل ترسيم الحدود البحرية أو الملف الليبي أو حتى التجارة البينية والاتفاقات الاقتصادية المفيدة للجانبين أهم بكثير للقاهرة وليس فقط لأنقرة من ملف المعارضة.
ومن جانب سادس، فإن المتوقع للعلاقات المصرية التركية أن تنتقل بعد التهدئة الحالية إلى خطوات بناء الثقة وربما التوصل إلى اتفاق بحري، أي تفاهمات على أساس التنافس والخلاف وليس التعاون والتحالف، وعليه فليس هناك ما يغري أنقرة أو يدفعها إلى التخلي تماما عن المعارضة المصرية إرضاء للقاهرة.
وأخيرا، لا يعني كل ما سبق أن المعارضة المصرية في تركيا بعيدة عن التأثر بأي تقارب بين البلدين، وإنما الحديث هنا عن عدم محوريتها في أسباب الخلاف وسياق التقارب، وبقائها ضمن إطار التوابع والارتدادات بحسب الدراسة.
واستنتجت الورقة أن فكرة التعاون الأمني مع النظام المصري وتسليمه من يطالب بهم من رموز المعارضة ليس أمرا محتملا ولا حتى افتراضا قائما بجدية، كما تروج بعض الأطراف، وأن الأمر سيقتصر علي تحجيم تحركاتهم علي الأراضي التركية.
تنحية ملف المعارضة
وقالت الدراسة: “يبدو أن هناك توافقا مصريا تركيا على تنحية ملف المعارضة المصرية في تركيا جانبا علي الأقل في الوقت الحالي، وهو ما ظهر في عدم تطرق الرئيسان خلال المؤتمر الصحفي إلي هذا الملف، كما أن مراكز الأبحاث المصرية القريبة من النظام لم تشر من قريب أو بعيد إلي هذا الملف عند تناولها وتحليلها لملفات زيارة الرئيس أردوغان إلي مصر، ما يوحي بأن هناك تعليمات من قبل المسئولين المصريين بتنحية هذا الملف عند تناول العلاقات المصرية التركية، ويوحي من جانب آخر بصعوبة الوصول إلي توافقات شاملة حول هذا الملف”.
وقالت: إن “ملف المعارضة المصرية في تركيا يعتبر هذا الملف أحد المطالب الرئيسة التي تسعى مصر إلى إنجازها، خاصة أن تركيا ظلت لسنوات ملاذا لقيادات وعناصر جماعة الإخوان، ورغم أن تركيا اتخذت بعض الإجراءات مؤخرا لتحجيم وتطويق النشاط الإخواني في تركيا مثل إغلاق قناة مكملين الفضائية، فإن هذا الملف لا يزال يحمل عددا من التعقيدات، لعل أبرزها الموقف النهائي من القيادات الصادرة بشأنها أحكام ومطلوبة للقضاء في مصر”.
الموقف من الإخوان
وفي حين يرجح البعض بأن تتخذ تركيا إجراءات أكثر صرامة مع الإخوان، وذلك في ضوء جملة من الاعتبارات، لعل أبرزها قيام تركيا بإعادة حساباتها فيما يتعلق بالرهان على الإخوان والذي اختلف كثيرا خلال العقد الماضي؛ فبعدما كان تمكين الإخوان في الإقليم ضمن استراتيجية تركيا بعد أحداث 2011 وجزء من سياستها الخارجية، تراجع هذا الرهان واصطدم بواقع جديد فرضته حالة السقوط والتهاوي الإقليمي للجماعة وتراجع نفوذها في كافة الدول التي سعت إلى فرض نفوذها فيها.
ولعل السياسات التركية المتبعة علي أرض الواقع تدعم هذا الاتجاه، ففي تحرك ذي دلالة سياسية في سياق التقارب المتسارع مع مصر، بدأت السلطات التركية حملة توقيف بحق العشرات من شباب الإخوان المقيمين على أراضيها منذ سنوات، بينما تقرر عدم تجديد إقامة الكثير من العناصر الإخوانية، وهو ما يعني ضرورة مغادرتهم الأراضي التركية في غضون أسابيع، تزامنت تلك الإجراءات مع تكرار رفض السلطات التركية منح عدد من قيادات محسوبة على التنظيم الجنسية التركية، وهو إجراء لجأت إليه أنقرة مرارا في سنوات سابقة لتوفير حصانة للكثير من قيادات الإخوان المدانين بأحكام جنائية في مصر، يصل بعضها إلى الإعدام، كما فرضت قيودا جديدة على أنشطة جماعة الإخوان، وطالبت قياداتها بوقف أي أنشطة لها ضد مصر من داخل الأراضي التركية.
وعقب زيارة الرئيس التركي إلي مصر، كشفت تقارير إعلامية عن وجود قرار تركي بسحب الجنسية من الدكتور محمود حسين، القائم بعمل المرشد لجماعة الإخوان، والمقيم في إسطنبول، وأن السلطات التركية لم توضح له سبب سحب الجنسية وطالبته بتكليف محام للتواصل مع الجهات المسؤولة ومعرفة السبب الحقيقي، وأن حسين يدرس حاليا مع المسؤولين بالجماعة موقفه سواء بالبقاء لحل المشكلة مع السلطات التركية أو البحث عن دولة أخرى يقيم فيها، وقد يكون في مقدمتها بريطانيا وماليزيا.
وإن كانت مصادر مقربة من المعارضة المصرية في تركيا نفت وجود ارتباط بين زيارة أردوغان لمصر وبين قرار السلطات التركية بسحب الجنسية التركية من الدكتور محمود حسين، مشيرة إلي أن القرار صدر منذ ثلاثة أشهر تقريبا بسبب مخالفات في ملفات ومستندات الحصول علي الجنسية لحسين ولحوالي 36 من المعارضين المصريين في تركيا وأسرهم، فيما كتب الصحفي سامي كمال الدين حول تلك الأنباء: “الخبر المتداول عن سحب الجنسية التركية من القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د محمود حسين غير صحيح، ولم تعلن تركيا هذا الخبر”.
فيما نفى عضو شورى الإخوان، مدحت الحداد، في حديث لموقع “الحرة”، التقارير التي تفيد بسحب جنسية حسين بعد عودة الرئيس التركي من مصر، رغم حديثه عن خطأ في السيستم حصل قبل شهر ونصف، وأسفر الخطأ عن عدم ظهور بيانات القائم بمنصب المرشد العام للجماعة مع زوجته وأفراد عائلته، بينما تتم في الوقت الحالي عملية استعادتها، حسبما يضيف الحداد، مؤكدا على فكرة أن ما حصل عبارة عن خطأ.
زيارة 14 فبراير
وخطت العلاقات المصرية التركية خطوات بطيئة على مسار التقارب وكسر الجمود الذي اعترته فترات من الصعود والهبوط طوال العامين الماضيين، لتفضي في نهاية المطاف إلى حلول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضيفا على القاهرة يوم 14 فبراير 2024، وتمثل الزيارة تتويجا لسلسلة من الترتيبات التمهيدية التي هدفت لخفض منسوب التوترات وتصفية الأجواء وبلوغ مستوى أكبر من تفهم المصالح المتعارضة.
وتنطوي زيارة الرئيس التركي إلى مصر على أهمية كبرى، بحسب الدراسة نظرا لكونها أول زيارة رسمية لرئيس تركي منذ 12 عاما، بعد زيارة الرئيس السابق عبد الله جول في فبراير 2013، وأول زيارة لأردوغان نفسه كرئيس دولة وليس رئيس وزراء، فآخر زيارة لأردوغان للقاهرة كانت في نوفمبر 2012، حيث التقى الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، ومن قبلها زيارة في سبتمبر 2011 التقى خلالها رئيس المجلس العسكري الحاكم، المشير محمد حسين طنطاوي، وفي الزيارتين كان آنذاك رئيسا للوزراء، كما تأتي زيارة أردوغان لمصر ولقائه السيسي بعد اندلاع الخلاف بين الجانبين على إثر الانقلاب العسكري في يوليو عام 2013 الذي قام به السيسي ضد الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي.
وأضافت أنه لهذا حظيت باهتمام إعلامي واسع، خاصة وأنه بعد رفع العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء بين أنقرة والقاهرة تردد أن الرئيس المصري سيزور تركيا في يوليو 2023، إلا أن الزيارة لم تتم، الأمر الذي ترك إشارات استفهام حول مدى جدية تطبيع العلاقات بين البلدين، خاصة عند المقارنة بالمصالحات التي تمت بوتيرة متسارعة بين تركيا وكل من إسرائيل _ لولا حرب غزة _ والسعودية والإمارات، حيث زار أردوغان الإمارات والسعودية، كما زار رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوغ تركيا.