تتصاعد أزمة الديون الخارجية في ظل عجز نظام الانقلاب عن سداد الأقساط، وتراجع الموارد الدولارية بإعلان هيئة قناة السويس انخفاض عائدات القناة بنسبة 40 بالمئة، منذ بداية العام الجاري مقارنة بالعام 2023، على خلفية التوترات التي تسببت بها هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وتحويل سفن تجارية مسار إبحارها إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
واعترف القائمون على قناة السويس بتراجع حركة عبور السفن بنسبة 30 بالمئة منذ بداية يناير الماضي وحتى 11 من الشهر نفسه على أساس سنوي، مؤكدين أن عدد السفن العابرة لقناة السويس انخفض إلى 544 سفينة حتى الآن هذا العام، مقابل 777 سفينة في الفترة نفسها من العام الماضي.
خطط الخراب
كانت حكومة الانقلاب أعلنت عن تحويل 38% من الدين الخارجي البالغ نحو 165 مليار دولار ويعادل نحو 5 أضعاف الاحتياطي النقدي لدولة العسكر إلى استثمار أجنبي مباشر.
ويمثل أكثر من 85% من إجمالي احتياطي البلاد من النقد الأجنبي ودائع للسعودية والإمارات وقطر والكويت وليبيا، وتبلغ قيمتها نحو 30 مليار دولار.
وكشفت حكومة الانقلاب عن تخطيطها لتشكيل لجنة وزارية عليا من أجل التفاوض مع عدد من البلدان والبنوك الدائنة لمصر، من أجل مبادلة الدين العام بحصص في بعض الشركات المملوكة للدولة، في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من أزمة حادة في النقد الأجنبي.
وزعمت أن تلك الخطوة تهدف إلى تحويل جزء من الدين الخارجي إلى استثمارات أجنبية، رغم أنها تأتى بعد استنفاد حكومة الانقلاب وسائل توفير العملة الصعبة، وصعوبة الوصول إلى أسواق الدين أيضا.
كما أعلنت حكومة الانقلاب عن خطط كبيرة للتوريق؛ بهدف جمع ما بين 1.4 إلى 10 مليار دولار سنويا ابتداء من هذا العام وحتى عام 2030، من خلال توريق 20-25% من عائداتها الدولارية أمام بنوك الاستثمار والمستثمرين الدوليين.
وتأتي الخطوة ضمن حزمة إجراءات عاجلة لتوفير سيولة بالعملة الأجنبية، فضلا عن نية حكومة الانقلاب إصدار سندات بآجال استحقاق تتراوح بين 20 و30 عاما لخدمة الدين الخارجي المُستحق في العام المالي الحالي والمقبل، من أجل تمديد نطاق الديون إلى ما هو أبعد من المدى القصير.
خريطة الديون
في هذا السياق كشفت مصادر بحكومة الانقلاب عن وجود جهود حثيثة على مستويات دولية لحل أزمة الدين العام الخارجي والتقليل من أعبائه على الاقتصاد المصري، معترفة بأن أزمة الدين العام تحد من المرونة المالية للتحرك نحو الخروج من الأزمة، وأن غالبية الدين العام هو تراجم لفوائد الدين وليس مديونية حقيقية.
وأكدت المصادر أن مصر تسعى لإعادة رسم خريطة ديونها والسعي نحو إسقاط نسبة ليست قليلة، مقابل الفوائد المتأخرة خلال فترات سابقة.
وتابعت، سددنا 25 مليار دولار ديونا في العام السابق، ولكن الدين الخارجي مرتفع عن فترات ما قبل 2015 ونعاني من تراكم الفوائد .
وزعمت المصادر الدخول في اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي يعزز من تلك الجهود، فضلا عن التباحث مع أمريكا لتقديم بعض الضمانات لضبط سوق السندات المصرية، فضلا عن تحركات لدى الاتحاد الأوروبي.
رهن القناة
من جانبه أكد المستشار الاقتصادي أحمد خزيم، أن خطط حكومة الانقلاب لبيع ديونها، ليس لها علاقة بالاستثمار كما تروج له حكومة الانقلاب، موضحا أن دولة العسكر المدينة التي عملت بشكل عشوائي، والتي أطلقت أكبر برنامج في عام 2016 للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي دون أي رؤية لمستقبل الاقتصاد، كل همها هو الاستدانة، وما تطرحه من حلول هو المزيد من الاقتراض، ولم تستطع أن تنتج من استخدام هذه القروض العوائد التي تسدد بها فوائد وأقساط تلك القروض.
واعتبر خزيم في تصريحات صحفية أن من أخطاء تلك السياسة بعد نحو 10 سنوات، عرض كل أصول الدولة للبيع من أجل سداد تلك القروض، دون عرض ذلك على لجان اقتصادية متخصصة أو حوار مجتمعي، ويأتي في وقت تعاني فيه 3 من أهم موارد الدولة الدولارية من التراجع، وهي: تحويلات المصريين بالخارج والسياحة وإيرادات قناة السويس بسبب توترات باب المندب.
وحذر من توجه حكومة الانقلاب للتوريق، قائلا: “إذا كانت حكومة الانقلاب ترى أنها قادرة على توريق الأصول أو عوائد الدولار، عليها التوجه إلى نادي باريس وطلب خفض الدين أو إعادة جدولته، وليس هناك طريق آخر لحل الأزمة غير ذلك”.
وقال خزيم: “طبقا لوثيقة حكومة الانقلاب فإن أصلا من الأصول سوف يرهن ولا يوجد أصل كبير مثل قناة السويس، وباقي الإيرادات الدولارية ليست أصولا مثل السياحة؛ لأنها شركات خاصة وتحويلات المصريين هي قطاع أهلي والصادرات كذلك قطاع خاص، ماذا لو تعثر كالعادة؟”. مؤكدا أن نظام الانقلاب سيضطر في النهاية إلى رهن قناة السويس.
ليس حلا
وأكد الخبير الاقتصادي والمحلل المالي بواشنطن، شريف عثمان، أن خطة حكومة الانقلاب لبيع جزء ليس بالقليل من ديونها، ليس حلا للأزمة المالية التي تعاني منها البلاد، معتبرا أن هذه الخطة جزء من سلسلة حلول قصيرة الأجل التي تسير وفقها حكومة الانقلاب منذ أكثر من عامين، وهو مؤشر على تراجع الدول الداعمة للانقلاب عن تقديم المزيد من القروض الميسرة؛ نتيجة زيادة الشكوك في القدرة على تحصيلها في القترة المقبلة.
وقال عثمان، في تصريحات صحفية: “مؤخرا استبعد بنك “جيه.بي مورجان” الأمريكي مصر من سلسلة مؤشراته للسندات الحكومية للأسواق الناشئة، رغم أنها تحصيل حاصل، بسبب وجود صعوبات لدى المستثمرين في تحويل أرباحهم خارج البلاد، لكنه يعكس في الوقت ذاته انصراف المستثمرين عن شراء السندات المصرية، بسبب ضبابية المشهد”.