رصد إتاوات معبر رفح وهيمنة الجيش على الاقتصاد.. لماذا تتصدر الدول العربية “مؤشر الفساد العالمي” كل عام؟!

- ‎فيتقارير

 

في نهاية يناير من كل عام تُصدر منظمة الشفافية الدولية “ترانسبارانسي” تصنيفها العالمي عن الفساد في العالم، تتصدر الدول العربية بمؤشر مدركات فساد عالية تجعلها في ذيل الدول الـ 180 التي يتضمنها التقرير.

وفي تقريرها الجديد حول مؤشرات الفساد في العالم العربي والشرق الأوسط، أوضحت “الشفافية الدولية” 30 يناير 2024 أن الفساد وإساءة استغلال السلطة لا يزالان يغرقان العالم العربي ويعرقل تقدمه.

أكدت أن الفساد “يقوض” التقدم في مجال الحقوق والحوكمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كما أن فقدان زخم جهود مكافحة الفساد يقلل من ثقة الجمهور في الأنظمة.

وأظهرت مؤشر مدركات الفساد لعام 2023 أن تعهدات البلدان بمكافحة الفساد، غالباً ما تتخلى عنها الحكومات مما يعرض في نهاية المطاف الحقوق الأساسية مثل الصحة والتعليم وحتى الحق في الحياة للخطر.

تم إدراج سبع دول عربية في المراكز العشرة الأولى في مؤشر مدركات الفساد، حيث يعيش 80 بالمائة من هذه البلدان في صراعات وتشهد عدم استقرار اجتماعي وسياسي.

أيضا حصلت الدول العربية على معدل 34 من أصل 100، مما يدل على الطريق الطويل الذي يجب قطعه في ضمان النزاهة والعدالة في جميع أنحاء المنطقة.

وقالت “كندة حتر” المستشارة الإقليمية لمنظمة الشفافية الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن جميع دول المنطقة، يعيق الفساد المتفشي فيها التقدم، كما يؤدي إلى تعميق الظلم الاجتماعي والهيكلي.

أكدت أنه لا توجد نية لدي انظمة الدول العربية وافتقارها إلى الالتزام المستمر بتدابير مكافحة الفساد ما يؤدي إلى زيادة انعدام الثقة بين الحكومات والمواطنين، ومن ثم تأجيج عدم الاستقرار السياسي، وتعزيز عدم المساواة، وتصعيد الصراعات”.

ويصنف مؤشر مدركات الفساد 180 دولة وإقليما حسب مستويات الفساد في القطاع العام على مقياس من صفر (فاسد للغاية) إلى 100 (نظيف جدا).

وانخفض متوسط الدول العربية هذا العام إلى أدنى مستوى له على الإطلاق وهو 34.

وسجلت مصر أدني دراجتها في مؤشر 2023، وجاءت في المرتبة 108 من 180 دولة، وقال التقرير أن مؤشرات الفساد في مصر أصبحت متدنية منذ عام 2012.

وأشار التقرير إلى أن درجة مصر تتذبذب حول 35 درجة لأكثر من عقد من الزمن، ولا تزال من بين الدول ذات الدرجات الأدنى في العالم في مؤشر سيادة القانون.

وأرجع السبب إلى “هيمنة الجيش على عملية صنع القرار السياسي وتقويض القطاع الخاص بشكل كبير والإسهام في الأزمة الاقتصادية”.

إضافة إلى “الانفاق المكثف على البنية التحتية، الذي يفتقر إلى الشفافية وإلى استراتيجية اقتصادية قوية، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الدين الوطني”.

وأشار التقرير إلى دور مصر ضمنا في الظلم الذي تتعرض له غزة، حيث أشار إلى “ممارسات فاسدة (على معبر رفح) مثل المطالبة بـ “إتاوات” على الحدود لأولئك الذين يهربون (الفلسطينيين) من الحرب”.

وكانت ترتيبات الدول العربية في مؤشر الفساد من 100 درجة (أحسن) إلي صفر(أسوأ) هي من الأسوأ للأفضل: سوريا (13) واليمن (16)، وليبيا (18) ولبنان (24) ومصر (35) وقطر (58) والإمارات (68)


الفساد والظلم

في تقريرها الجديد الذي يدور حول عام 2023 أكدت منظمة الشفافية الدولية، فشل معظم الدول العربية في تحسين مواقعها على مؤشر مدركات الفساد على مدى أكثر من عقد من الزمن.

وأُدرجت المنظمة سبع دول عربية ضمن الدول التي سجلت أدنى عشر درجات لمؤشر مدركات الفساد لهذا العام، وقالت أن 80% من البلدان العربية تعيش في صراعات وتعاني من عدم الاستقرار على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.

وعزت المنظمة هذه النتائج إلى ارتفاع مستويات الفساد السياسي الذي يُقوّض جهود مكافحة الفساد في مختلف أنحاء المنطقة، لافتة إلى أنه “رغم تعهدات البلدان العربية بمكافحة الفساد، غالباً ما تتخلى الحكومات عن الالتزام بها، كما أن الإدارات الجديدة كثيراً ما تتجاهل المبادرات، ما يؤدي إلى فقدان الزخم”

ووفقاً للمؤشر، سجّل أكثر من ثلثي الدول أقل من 50 من أصل 100 درجة، مما يشير إلى أنها تعاني من مشاكل فساد خطيرة. فالمتوسط العالمي عالق عند مستوى 43 فقط، في حين أن الغالبية العظمى من الدول لم تحقق أي تقدم أو تراجعت في العقد الماضي، إضافة إلى ذلك، تراجعت 23 دولة إلى أدنى درجاتها حتى الآن هذا العام.

ومنذ إنشائه في عام 1995، أصبح مؤشر مدركات الفساد المؤشر العالمي الرائد لرصد فساد القطاع العام ويسجل المؤشر النتائج لـ 180 بلدا وإقليما حول العالم وفق مدركات الفساد في القطاع العام، باستخدام بيانات من 13 مصدراً خارجياً، بما في ذلك البنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والشركات الخاصة للاستشارات وحساب المخاطر، والمجمعات الفكرية وغيرها. وتمثل درجات المؤشر آراء الخبراء ورجال الأعمال، وفقا للمنظمة.

ويشير تقرير المنظمة إلى أن الحروب والصراعات في بلدان الشرق الأوسط وشمال فريقيا تحول دون تطوير نظم للنزاهة وسياسات وآليات فعالة لمكافحة الفساد، وتشكّل زيادة الدول العربية من نفقاتها الدفاعية استجابة للعديد من الصراعات مخاطر كبيرة للفساد.

قال أن حالة الحرب المستمرة في اليمن تخلق حلقة مفرغة من الفساد، حيث إن اقتصاد الحرب يسمح للفاسدين بتكديس الثروات والإفلات من المُساءلة، بينما يعجز الملايين من الناس عن الحصول على المساعدات الطارئة والرعاية الصحية.

وأنه في ليبيا يستخدم النفط كوسيلة للمناورة، ما يترك البلاد عالقة في مواجهة سياسية ويعرّض الموارد الطبيعية الغنية لخطر الاستغلال.

وفي الأردن التي حصلت على 46 درجة، يعتمد تحصيل الفرص غالباً على العلاقات الشخصية، ولذا، من الأهمية تحديد الأسباب الجذرية للفساد للتمكن من محاربته.

وتواجه تونس (40 درجة) بحسب منظمة الشفافية الدولية، تحديات ديمقراطية كبيرة، حيث قوضت سلطة الرئيس الفاسد سعيد هيئة مكافحة الفساد بشكل ملحوظ، ما وجه ضربة قاسية للمساءلة والشفافية.

وعرض سلامة الناشطين والمُبلِّغين عن الفساد للخطر، كما أدت حملة القمع المكثفة التي تشنها الحكومة على حقوق الإنسان إلى تفاقم هذه القضايا بصورة أكبر.


مصر من سيء إلى أسوأ 

وفي كل عام تصدر فيه منظمة الشفافية الدولية تقريرها عن الفساد تركز على الفساد الاقتصادي والإداري أو في موازنات الجيوش.

وفي تقريرها 25 يناير 2022 قالت منظمة الشفافية الدولية إن الفساد لم “يحافظ على استقراره” في دول العالم فقط، بل طال أوضاع حقوق الإنسان في العالم وخصوصا الدول العربية، وربطه بانهيار الربيع العربي.

أكد أنه “بعد ما يقرب من عقد من احتجاجات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة، لا يزال الفساد السياسي يعيق مكافحة الفساد والتقدم نحو الديمقراطية”.

وحذرت المنظمة في تحليلها لـ “مؤشرات الفساد” لعام 2021، من الآثار السلبية لعدم محاربة هذه الظاهرة على أوضاع حقوق الإنسان في العالم.

ذكرت أنه “في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هناك فساد منهجي يهدد الديمقراطية وحقوق الإنسان”، كما “تستمر مصالح قلة قوية في الهيمنة على المجالين السياسي والخاص، وتعيق القيود المفروضة على الحريات المدنية والسياسية أي تقدم ملموس”.

وأشارت لأن مصر (كانت 33 من 100 درجة على مؤشر الفساد في هذا العام) كانت من أسوأ الجناة، حيث عاقبت السلطات المعارضين واحتجزت الصحفيين والسياسيين والنشطاء، وقوبلت الاحتجاجات برد عنيف، بما في ذلك الاستخدام غير القانوني للقوة والاعتقالات الجماعية ولا تزال حريات التجمع والتعبير مقيدة بشدة في البلاد.

وكان تقرير منظمة الشفافية العالمية لعام 2020 كشف أن حكومة السيسي حصلت في مؤشر الفساد على 35 درجة فقط من 100 درجة، ما يعني تراجعها درجتين في مؤشر 2021، وتراجع مصر 11 مركزاً في ترتيب الدول الأكثر فساداً خلال عام واحد.

وجاء تقرير عام 2021 ليؤكد تراجع مصر من سيء إلى الأسوأ، من 35 درجة إلى 33 واستمرارها في المركز 117 بين 180 دولة

وترتيب مصر تراجع بشكل عام 23 مركزا منذ تولي السيسي رئاسة مصر عام 2014، وحتى عام 2020، حيث كان ترتيب مصر 94 على العالم عام 2014، وتراجع الان الى 117.

على الرغم مما عاشته مصر في عهد نظام الرئيس السابق حسني مبارك من فساد قاد إلى ثورة يناير 2011، سجلت مصر المركز 70 بمؤشرات الفساد عام 2006، والمركز 98 عام 2009، إلا أنها تتذيل مؤشرات الشفافية في عهد السيسي حاليا.

التراجع المستمر في ترتيب مصر سببه الفساد السيسي والاقتصادي وتغول المؤسسة العسكرية في الاقتصاد وعدم خضوع أنشطتها الاقتصادية والتجارية والعقارية لرقابة مدنية.