تواجه المقاومة الفلسطينية الجيش الصهيوني الذي تدعمه القوات الأمريكية بالعتاد والسلاح وتوجيه ضربات لقطاع غزة بالطيران والصواريخ لتنفيذ ما يعرف بالأرض المحروقة وهو نفس السيناريو الذي اتبعته القوات الأمريكية في مدينة الفلوجة بالعراق في عام 2004 والذي تكبدت خلاله خسائر بشرية كبيرة لم يسبق أن نالتها هذه القوات الغازية إلا في فيتنام في فترة السبعينيات .
الدعم الأمريكي والأوربي يدفع قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى ارتكاب سلسلة متواصلة من المجازر ضد المدنيين ومحاولة إبادة سكان قطاع غزة بالكامل، وهو ما تسبب في استشهاد ما يقارب الـ 11 آلف شخص حتى الآن معظمهم من الأطفال والنساء .
وكما فعلت القوات الأمريكية في الفلوجة تستخدم دولة الاحتلال أساليب إجرامية تتعارض مع المواثيق الدولية والأعراف، إذ قامت بقطع الكهرباء والمياه والوقود عن قطاع غزة، حتى المستشفيات ومحطات الطاقة الشمسية تعرضت للقصف، وهذا المشهد المؤلم يعيد إلى الأذهان ما حدث في الفلوجة قبل 19 عاما.
مجندة أمريكية
فعلت أمريكا ذات الأمر في عام 2004 عندما قامت مجندة أمريكية بإهانة مواطن عراقي في الفلوجة، إذ قامت تلك المُجندة بخلع حذائها العسكري وضربت الرجل على رأسه.
كانت المجندة تحمل سلاحها وتحتمي بزملائها في الجيش، وظنت أن الرجل سيخاف ولن يجرؤ على اتخاذ موقف، لكنها لم تكن تعرف أن ما فعلته ليس مقبولا بالنسبة لمواطن عراقي، وعلى الفور دخل الرجل إلى منزله وأحضر سلاحه وأطلق النار على تلك المُجندة فأسقطها قتيلة، وهو ما استفز الجيش الأمريكي، الذي سرعان ما قام بتصفية هذا الرجل وسط أهله.
منذ تلك اللحظة بدأت اشتباكات بين الأهالي في المنطقة وبين الدورية الأمريكية، وراح نتاج ذلك العديد من أهالي المنطقة وأدى ذلك، بالإضافة إلى بعض الاستفزازات الأخرى من الجيش الأمريكي، إلى قيام المقاومين في الفلوجة بعمل كمين لأربعة جنود أمريكيين.
إهانة شديدة
كان الجنود الأربعة يقودون قافلة من المساعدات إلى قاعدة أمريكية في الفلوجة، عندما هجم عليهم المحاربون العراقيون وأشعلوا النيران في سياراتهم، والتقطت الكاميرات هذه الواقعة، بل وتمت إذاعتها بشكل مباشر على التلفاز.
رأي القادة الأمريكيون ما حدث لجنودهم على الهواء مباشرة فشعروا بالإهانة الشديدة، خاصة عندما تأكدوا من أن ما حدث كان مُجهزا له وكان بمثابة مصيدة للجنود الأربعة، وأن التصوير التلفزيوني كان جزءا من الخطة، وبالتالي قرروا القيام بمعركة كبرى للانتقام مما حدث.
كان اتخاذ هذا القرار أمرا سهلا بالنسبة للقادة الأمريكيين المجرمين الواثقين من قوة جيشهم وتسليحه الجيد، وفي نفس الوقت كان هناك نوع من الاستهانة بقدرة أهل الفلوجة على الصمود.
في شهر أبريل من عام 2004 احتشدت قوات المارينز الأمريكية واستعدت لدخول الفلوجة، لكنهم تفاجأوا بما حدث، إذ خرج معظم أهالى الفلوجة للدفاع عن حدودهم ومنعوا القوات الأمريكية من الدخول، وفي نفس الوقت قامت بعض العشائر من خارج الفلوجة بتطويق القوات الأمريكية ومنع العتاد والإمدادات التي كانت تأتيهم من قواعدهم.
قواتهم مُحاصَرة
فجأة أصبحت القوات الأمريكية مُحاصَرة بدلا من أن تكون هي المُحاصِرة، وبدأت معنوياتهم تنخفض مع مرور الساعات والأيام، ثم انهارت ثقتهم بأنفسهم شيئا فشيئا مع سقوط المئات منهم، كان الرقم المُعلن عن خسائر الأمريكان في معركة الفلوجة الأولى حوالي 500 جندي أمريكي، بينما في الواقع كانت الخسائر أكبر من هذا بكثير، إذ أخفت القيادة الأمريكية الأعداد الحقيقية للقتلى حتى تُحافظ على الروح المعنوية للجيش وعلى هيبته أمام العالم، وما يؤكد ذلك هو أنهم طلبوا هُدنة ووقفا لإطلاق النار بشكل رسمي، وربما هذه إحدى المرات النادرة في التاريخ كله التي يطلب فيها الجيش الأمريكي هدنة أثناء حرب من حروبه الكثيرة.
وما يؤكد أيضا أن الخسائر كانت كبيرة للجيش الأمريكي في هذه المعركة، أن “بوش” صرَّح لوسائل الإعلام وقال: إنه “يُصلي ويدعو الله من أجل أن تنجو قواته من هذه المعركة وتقل الخسائر في أرواح الجنود، وكان هذا بمثابة الانتصار الأول للجيش العراقي على أمريكا وقتها، لكن المعركة لم تنتهِ بعد”.
قطع الكهرباء والماء
وبعد حوالي 7 أشهر من محاولة الدخول الفاشلة إلى الفلوجة، أرادت القوات الأمريكية أن تُعيد الكرَّة مرة أخرى وتدخل الفلوجة، فحدثت معركة الفلوجة الثانية.
هذه المرة كان الجنود الأمريكيون أقل ثقة في قدراتهم، فقاموا بمضاعفة أعداد الجنود لأكثر من 6 أضغاف وأصبحوا أكثر من المحاربين العراقيين ب 15 ضعفا، ثم مهدوا للدخول بقصف مدفعي من بعيد، وهذا يُثبت أنهم أدركوا مقدار القوة التي يملكها أهالي الفلوجة، وهي تذكرنا الآن بشجاعة وقوة مدينة أخرى نعرفها جميعا ونتمنى لها الصمود.
قبل البدء في الدخول قاموا بقطع الكهرباء والماء على أهالي الفلوجة، لكنهم أثناء محاولة الدخول الثانية تعرضوا لنفس ما تعرضوا له في المرة الأولى، بالتالي قرروا التنازل عن الدخول البري مؤقتا، ولم يعد أمامهم إلا الاعتماد على السلاح الجوي لإيقاع خسائر كبيرة بالمدينة، واستخدموا كل الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، مثل قنابل الفسفور الأبيض الممنوعة دوليا، مما أدى إلى خسائر كبيرة في أرواح الأهالي، وتحولت المدينة العامرة إلى مجموعة من الحجارة المتراكمة.
مدينة صعبة
وسط كل هذه الخسائر لم يكن أمام الأهالي من خيار غير ترك المدينة والهجرة إلى مناطق أخرى، وهذا يجعلنا ندرك من هم الذين يخططون لما تتعرض له غزة الآن من إجرام ومدى التشابه والتقارب بين ما يحدث الآن وما حدث في الفلوجة قبل 14 عاما .
رغم دخول القوات الأمريكية في النهاية إلى المدينة، إلا أن الأهالي والمحاربين الذين أصروا على البقاء استمروا في إزعاج القوات الأمريكية وتوجيه الضربات لها، وقال معظم القادة الأمريكيين، وعلى رأسهم” بول بريمر” الذي كان يتولى الحكم الإداري للعراق: “إن الفلوجة مدينة صعبة للغاية ومن الصعب السيطرة على أهلها، وقد سببت للجيش الأمريكي العديد من المشاكل” ولكي يبرر ما حدث له ولجيشه من أهل هذه المدينة، قال: إن “صدام حسين نفسه لم يكن يستطيع السيطرة على أهل الفلوجة، وبالتأكيد فإن بريمر قال ذلك ليحفظ ماء وجهه.